غياب الإجماع الشعبي في الأردن حول الثورة السورية

حجم الخط
0

عبد الحميد صيام الانطباع الأول الذي يصل إليه الزائر للأردن هو انقسام الشارع الأردني حول الأحداث الدائرة لدى الجارة الكبرى سورية بين من يعتقد أنها مؤامرة على سورية بهدف إسقاط آخر حلقة من حلقات المقاومة والممانعة وبين من يجزم أنها ثورة شعبية ضد نظام طاغ متسلط مثلها مثل مثيلاتها الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وغيرها. لقد حرصت في لقاءاتي مع عدد من الأصدقاء والمعارف من الكتاب والصحفيين والسياسيين أن أكون مستمعا لا متكلما تجنبا للمقولة التي يرددها الكثيرون هنا ومفادها أنه من الصعب على من هم خارج الساحة الحقيقية للأحداث أن يفهموا ما يدور في المنطقة أكثر من أبنائـــها المكـــتوين بنيرانها رغم اعتقادي شخصيا أن من ينظر إلى أحداث المنطقة العربية عن بعد يستطيع أن يتحلى بموضوعية أكبر غير متوفرة في مناطق التجاذب الحاد في ساحة الصراع الرئيسية.

وقد رأيت في هذه المقالة أن أطرح بأمانة وجهتي النظر المتصارعتين حول الأحداث في سورية كما سمعتهما وكما دونت ملاحظاتي حولهما بعد كل لقاء متجنبا ذكر أي إسم لحساسية الموضوع. وسأترك للقارئ أن يحدد رأيه في أحداث سورية الملتهبة هذه الأيام، والتي تنقسم الساحة الأردنية حولها إلى شظيتين كبيرتين. ما يجري في سورية مؤامرة خارجية ضد آخر حلقات الممانعةيقول أصحاب هذا الرأي من المثقفين والكتاب، وخاصة من أصحاب التوجهات القومية واليسارية، إن سورية مستهدفة لما تمثله من موقف يرفض الانصياع لإملاءات السياسة الأمريكية الإسرائيلية. فتحالف سورية مع إيران ودعمهما للمقاومة في لبنان أدت إلى انتصار عام 2006 الذي ينسب لحزب الله، لكن الحقيقة لولا سورية لما تمكن الحزب من تسجيل انتصارين ضد إسرائيل في أقل من عقد من الزمان. سورية لم تعترف بإسرائيل ولو فعلت ذلك لأصبحت دولة محظية لدى النظام الأمريكي مثلها مثل كثير من الدول العربية التي تحظى بدعم من أمريكا مقابل التفريط بثوابت الأمة وتدمير مقدراتها. يقول أصحاب هذا الرأي إن سورية تعاقب لأنها ساندت المقاومة في العراق وفلسطين واحتضنت المقاومة في جنوب لبنان ووقفت في لبنان مع المعسكر المناوئ للولايات المتحدة. هل تعتقد أن الأنظمة الخانعة المستسلمة ستغفر لبشار لأسد عندما وصفهم بعد انتصار آب (أغسطس) 2006 بأنهم أشباه رجال؟ ألا تظن أن كتلة 14 آذار ستغفر لسورية دورها في لبنان؟ أتظن أن الحريري ‘وجيش الست’ (إشارة إلى بهية الحريري) ومن يقف وراء الحريري غائبون عن الساحة السورية؟ أليس لهم دور في توسيع رقعة القتل التي تطال الجيش ورجال الأمن. ألم يرتكبوا مذبحة ضد قوات الجيش في جسر الشغور؟ لقد كان هناك احتجاجات سليمة وحقيقية مطالبة بالإصلاح فاستجاب لها النظام ووضع خارطة طريق للإصلاح بدءا بإلغاء قانون الطوارئ والمحكمة الأمنية وانتهاء بتغيير الدستور وصولا إلى التعددية السياسية. بل ودعا النظام إلى البدء الفوري في حوار وطني لأبناء سورية في الداخل والخارج دون عوائق للوصول إلى رؤية مشتركة لسورية المستقبل. لكن عمليات القتل والخطف وترويع المواطنين استمرت دون توقف بل وتضاعفت رغم كل الجهود لإحباط مسيرة الإصلاح والدخول السلمي في إعادة تشكيل سورية الحديثة. بل ودخلت أطراف أخرى على خط المؤامرة بالإضافة إلى القوى المحلية والدولية المعروفة. فمثلا تركيا أعدت مخيمات للنازحين السوريين قبل أي تحرك في مناطق الحدود، على حد قول هذا التيار، مما يثبت أن المؤامرة على سورية أكبر مما نتخيل يشارك فيها عدد من اللاعبين المحليين والإقليمـــيين والدوليين بهدف إقتلاع آخر موقع لقوى الممانعة العربية كي يخلو الميدان لخلق شرق أوسط جديد بعد انتهاء عاصفة ‘الفوضى الخلاقة’ التي بشرت بها كوندليزا رايس أيام إدارة بوش اللعينة. ما يجري في سورية ثورة شعبية حقيقية أسوة بالثورات العربية الأخرىيقول أصحاب هذا الرأي بأن ما يجري في سورية انعكاس وامتداد وتجاوب طبيعي ومنطقي لثورات تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين وانخراط القوى الشبابية في انتفاضة شعبية سلمية عارمة ضد القهر والاستبداد والقمع وكتم الأنفاس وإغلاق منافذ التعبير والتنكيل بالمعارضة وتزوير الانتخابات وتعميم الفساد ونهب ثروات البلاد من لدن طغمة فاسدة باعت كرامتها وأمن بلادها ومستقبل شعوبها من أجل أن تبقى في السلطة. النظام السوري ليس أفضل من بقية الأنظمة العربية الأخرى بل قد يكون أسوأها على الإطلاق. إنه أول نظام جمهوري يورث الإبن ‘عينك عينك’ مقتديا بنظام كيم إيل سونغ الشمولي في كوريا الشمالية فاتحا شهية بقية الأنظمة لتوضيب الأوضاع من أجل التوريث كما كان الحال في مصر وليبيا واليمن. لقد تم تغيير الدستور السوري خلال ساعتين لتعيين بشار الإبن رئيسا وقائدا أعلى للقوات المسلحة (علما أنه خريج كلية طب لا أكاديمية عسكرية) وأمينا عاما للحزب. إحدى عشرة سنة غير كافية لإلغاء قانون الطوارئ أما تلك الإجراءات الخطيرة فلم تستغرق غير ساعتين. أما عن القمع في سورية فحدث ولا حرج، فقد تفوق النظام على كافة الأجهزة القمعية في المنطقة العربية بل وربما في العالم. فالداخل في سجون النظام مفقود والخارج منها مولود. وأساليب التنكيل والتعذيب المتبعة لا يضاهيها أجهزة قمع في العالم لأنها تتسم بالوحشية والبدائية واللاإنسانية ولا تطال المتهم فحسب بل تشمل أهله وأصدقاءه وجيرانه وزملاءه ومعارفه. ومن لا يصدق فليستمع إلى شهادات القلة التي خرجت من السجون بعد سنوات عذاب لا مثيل له. تحولت سورية في عهد الأب والإبن إلى سجن كبير يعاقب ليس المعارضين له فحسب بل ومن يشك بولائهم المطلق للنظام.

أما حديث الممانعة والصمود والمقاومة فهو حديث كله هراء، فجبهة الجولان أهدأ الجبهات العربية على مدى 44 سنة (ومن لا يصدق فليقرأ تصريحات رامي مخلوف لجريدة النيويورك تايمز) واختراقات إسرائيل المتكررة وتدميرها لمعمل دير الزور والتحليق فوق القصور الرئاسية في دمشق دائما يرد عليها ‘بأن سورية تحتفظ بحق الرد على تلك الانتهاكات في الزمان والمكان المناسبين’ واللذين لم ولن يأتيا أبدا. إن مسرحيــة الزج بكمشة من الفلسطينيين في ذكرى النكبة لاختراق الحدود يثبت هذه المقولة حيث تذكر النظام بعد 44 سنة احتلال أن اختراق الحدود ممكن حتى لو استشهد فيه حفنة من الفلسطينيين. فالدبابات التي لم تتوجه إلى أراضي سورية المحتلة سرعان ما تحركت صوب درعا وبانياس وحمص وحماة ودير الزور وجسر الشغور بنفس الطريقة التي حركها والده إلى درعا عام 1982 ليرتكب أكبر مجزرة في تاريخ سورية الحديث.

إن الثورة السورية أصيلة وشريفة وحقيقية نابعة من بحار من القهر والذل وأقباء السجون ودماء الضحايا في حماة وسيطرة عائلة باغية ظالمة على مقاليد الأمور لأكثر من 40 سنة. لقد حان الوقت لانتزاع سورية الشريفة المناضلة العروبية من أيدي هذه الزمرة وإعادتها إلى شعبها الأصيل وما الحديث عن الإصلاح إلا مناورة خبيثة ليسترد النظام زمام المبادرة وينقض على كل من همس أو صاح أو صرخ ليلقى مصير حمزة الخطيب والآلاف الذي قتلوا وعشرات الآلاف الذين يقبعون في السجون. ونود أن نلفت انتباه المشككين في الثورة السورية أنها حافظت كل هذا الوقت على سلميتها رغم فظاعة رد النظام وأجهزته المختلفة، وما قصة الشبيحة والعصابات المسلحة إلا جزءا من أدوات النظام والتي تختفي تماما ولا تظهر أسلحتها عندما يسيّـر النظام مسيرة لصالحه من رجالات الأمن وأجهزتها المتعددة والموظفين الحكوميين والميليشيات والمستفيدين من النظام.

إن أي تشكيك في صدقية الثورة السورية يعتبر وصفة جديدة لتكريس حكم العائلة وتثبت نظام قائم على القتل والعنف والفساد.

كلمة أخيرةالغريب في الأمر أنك تجد الحماسة نفسها وتدفق المعلومات والاسترسال في الدفاع عن الموقف من كلا الطرفين. لقد تحيرت وأنا أستمع لملاحظات كتاب وصحفيين من جانبين أكن لهم كل الاحترام والتقدير. لقد وصل الأمر أن قام أنصار نظرية المؤامرة بالاعتداء على مناصري الثورة السورية عندما نظموا معرض صور للضحايا الذين سقطوا على أيدي رجالات الأمن والجيش واضطر المنظمون أن يغلقوا المعرض بعد يوم واحد من افــتتاحه لمدة ثلاثة أيام.

وفي كل مرة أدخل في نقاش مع بعض الزملاء يأتـي سؤال منطقي بعد نهاية عرض المتحدث لوجهة نظره والدفاع عنها بحيوية وإيمان مطلقين ماذا تقول أو ما هو رأيك أو أين تقف؟ وفي كل مرة كنت أعيد الموقف نفسه: أنا مع سورية في صراعها القومي مع العدو الإسرائيلي وفي مواقفها الداعمة للمقاومة وكنت وما زلت أثمن مواقف سورية العروبية. ولكن عندما يتحول الصراع بين النظام والشعب فلا يمكن لأحد مستقل وملتزم بفكره القومي إلا أن يقف مع الشعب في صراعه مع النظام لانتزاع حريته وكرامته وحقه في بناء دولة قائمة على حرية الاختيار والتعددية والمساءلة ومحاربة الفساد وتداول السلطة واحترام حقوق وكرامة الإنسان. لقد شكلت هذه المبادئ جوهر كتاباتي التي نشرتها في ‘القدس العربي’ في السنوات الثلاث الأخيرة وستبقى كذلك إلى أن نرى هذا الوطن العربي معافى من كافة أعراض الدكتاتورية البغيضة وما يرافقها من قمع وفساد وخنق للحريات واستغلال غير سليم للسلطة ونهاية للخوف والتعذيب واستبدال ذلك كله بنظام يرضي غالبية الشعب ويعكس خياراتهم وأولوياتهم ويستجيب لمطالبهم الأساسية في الحرية والكرامة والاستقرار والمواطنة المتكافئة والمساواة أمام القانون وتبادل السلطة وحرية الدين والمعتقد وتمكين المرأة واستغلال ثروات البلاد في التنمية الرشيدة وصناعة مستقبل واعد لأمة سيصل تعداد سكانها عام 2050 إلى سبعمائة مليون إنسان.’ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية