راشيل كوري حبيبتي

حجم الخط
0

عناية جابر

. في فضاء غزّة كانت الشمس واضحة تخفق في الهواء المتواطىء. كنت وحيدة أمام جرّافة. وحيدة بطريقة عجيبة. بطريقة إلهية، وكانت الأسنان الحديدية تُراقبك، مُورّدة مُذهّبة. في ما وراء الساتر الترابي، شجاعتك التي لم تكوني تشعرين بها، بل لم تخطر لك في بال، وكانت الشمس تلعب في عينيك، وكل شيء كان مهيأ لموتك. كانت أعصاب الجريمة عارية، وكان أدنى صوت كافياً لإثارة خشبة المسرح والسينوغرافيا والإضاءة لمشهد البنت التي تُسحل امام العالم. كنت واعية أشدّ الوعي لحريتك في الوقوف بوجه الجرافة، مؤجّلة بملء إرادتك لحظة هدم منزل غزّاوي آخر.

كنت معلّقة على حافة تلك الهاوية الإنسانية. كانت رغبتك. الرغبة التي فقدها زعماء عرب وفلسطينيين، رغبة فقدها أيضاً جمهور عربي وفلسطيني.

حققت الجرّافة حلمها المجرم، خطتها القذرة المجنونة. لم ار مشهد السحل، ولست أعرف إن إلتقطتهُ كاميرا ما. مع ذلك المشهد هنا، في رأسي، خيالياً، لكنه اكثر حقيقية من مشهد راشيل نفسها، تُسحل بلحمها وعظمها، إذ كان المشهد يتضمنها ويشملها، وكان يطفو بيني وبين مقتلتها الحقيقية، خيال لا إرادة له ولا وعي ولا أية صورة موّثقة، غير ثقتي بان البنت سُحلت بتدبير وقصد ماكرين.

ماتت راشيل ايها الكولونيل اللئيم زواريتس، موتاً مريعاً. كلا، إن كلمة مريع غير مناسبة. ما فعلتهُ راشيل بعمرها الطري لم يكن مريعاً ن بل كان مؤثراً. ‘مؤثر’ هي الصفة المناسبة. مؤثر، لأن صباحا آخر في غزة بعد موتها، صباحات كثيرة لاحقة، خلت من أي اثر لراشيل كوري، المتضامنة مع غزة وناس غزة.

ضابط كبير في الجيش الإسرائيلي يدعى بنحاس زواريتس صرّح مؤخراً (وهو يجب ان يكون كبيراً ليتشدّق بمثل هذا التصريح الفاجر) أن موت داعية السلام الأمريكية راشيل كوري عام 2003، مجرد حادث. مجرد حادث- قال كولونيل الإحتياط زواريتسن، بالأحرى كان هو نفسه قائداً للقوة التي افتعلت أكثر الجرائم وحشية، منها سماحه ُ لجرافة في قطاع غزة سحق كوري. ‘السلوك كان سليماً’ أردف زواريتس في شهادته أمام محكمة حيفا (شما ل فلسطين) مدافعاً عن سائق الجرافة القاتل، في دعوى رفعها والدا الضحية. ‘متهورة’، نعت زواريتس الزهرة التي سحقت تحت عجلات جرافة للجيش أثناء إحتجاجها مع أعضاء آخرين في حركة التضامن الدولية وفلسطينيين، على هدم منزل لأحد الفلسطينيين في رفح، جنوب قطاع غزة، كما اتهمها ‘بعرقلة’ عمليات تقوم بها جرافات عسكرية! كيف لزهرة أن تكون متهورة؟ هذا ما لا يطيقهُ زواريتس ولا تطيقهُ شوكة الصبار التي أنجبتهُ.

الزنبقة البيضاء كوري، كانت تقضي الساعات الطوال أمام خارطة فلسطينن وهي تتفنن في التأكيد لنفسها وللعالم أنها لاتمضي الى المطارح وناس المطارح وفق المصادفة. راشيل كوري مضت نحو غاية واضحة، نحو قضية إستثنائية. وإني لم أر في حياتي صبية أجمل أو أعذب من كوري التي سحقت أمام اعين العالم عبر تشابكات جرّافة كيدية كديناصور حديدي إلتهمها بوحشية. تقدمّت الجرّافة بضوضاء منتشية وسط الحفريات، لتلتقط الرأس والجذع والطراف، تقصمهم نصفين مهدية الكاميرا جمالاً دقيقاً عن إنقصاف زهرة في رحلة فواحها العاق.

منظر نموذجي للوحشية الإسرائيلية في طفرة من الإجترار الرضيّ للمشهد، عبر كاميرا تبهر القلوب بمنظوراتها الواقعية الصلفة.

صبية مُقطّعة الى أنصاف وردية، مسحوقة ومكدسّة في التراب كما لو بياض حقل مزهر.

سحلت الجرافة الفتاة الأمريكية التي جاءت تتعاطف مع غزة في عملية اقتلاعها وإقتلاع بيوتها وناس البيوت، ورغم ان اصل هذه العملية حقيقي تماماً، إختفت غزّة في تلك اللحظة، وإرتفع مكانها جداراً ذهبياً من الموسيقى والأغاني، هذا الفضاء السري الذي تمتزج فيه الأنا بالعالم، الإدراك بالعاطفة، امريكا بفلسطين، إيطاليا بغزة، الداخل بالخارج بأكثر الطرق إمتناعاً على العين، فيما تشّكل فضاء فلسطين كلياً، من الوجد، البذل، الصداقة، الجرأة، وحتى من تدّرج بريق هذه الصفات المرتبة.

كان موت راشيل، تفصيلاً عاطفياً ممتّد من دخان أرواحنا المتموج، ومنعكس في قعر الحفر التي صنعتها الجرافات. أتذكرك راشيل الآن أكثر، لأنك اكثر سعادة منا، ولأحلامك هيئة طفل صغير يعزف في كل بلد عربي لحناً بنبر خاطىء، مفرط في عاطفيته.

في ما بعد، نماذج الغربيين والغربيات، المتعاطفين والمتعاطفات، الذين قضوا من اجل فلسطين، تزداد ميتاتها غرابة، ما عمّق الوقت، فيما تعمقت همجية الإسرائيليين. لقد كانت القضية، في ما وراء الحقول المفلوحة بالأجساد السمراء والبيضاء، وكانت القضية في ما وراء البيوت المهدمة والمسارح المقفلة. كانت الإنبثاق البطيء لجمال لا فائدة منه.

راشيل كوري في هيئة الموت البلاتينية تحت الأرض، وكان لونها في حياة غزة، خوخي فاتر ينفذ في الصباحات من فرجة غمامة غزاوية، سرعان ما تذوب بعيداً في السماء الحانية على أرضها. إبنة عائلة امريكية، إعتبرت نفسها يوماً، ساحرة من ساحرات الغابات، أو كوري الرحالة، أو عاشقة غزة أو لا أدري ماذا أيضاً، وهي أغرقت فريق جرافات عسكرية متنمرة، بوحي من قلبها الأبيض وشجاعتها ونصرتها للحق، حتى السحل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية