توفيق رباحيـ لا أعرف هل يتابع الرأي العام العربي باهتمام فضيحة التنصت التي تهز بريطانيا وجعلت رئيس حكومتها يقطع زيارة رسمية هامة الى افريقيا ويقفل عائدا لانقاذ ما يمكن انقاذه.
من المفروض نعم، فهناك دروس يجب استخلاصها، حتى في الخطايا، على أن لا تؤخذ أخطاء الآخرين حجة لفرض أو تبرير قمع إعلامي هناك من يعتقد أن من حقه وواجبه ممارسته بغض النظر عن الحجج المساقة لتبريره.
عندما أرى ما وصلت اليه كرة الثلج هذه من ضرر سياسي ومادي وأخلاقي، أقول الحمد لله على نعمتي الفقر والتخلف عندنا، لأن الذي جعل امبراطورية روبرت ميردوك الإعلامية تتغوّل على الحكومات والأحزاب والناس أجمعين، هما المال والتكنولوجيا. ثم الجرأة، أو لنقل ـ بجرأة ـ قلة الحياء.
لولا هذا الثالوث لمَا وصلنا الى ما نحن فيه.***أبدأ من البدء (باختصار): تعيش بريطانيا حالة غليان لم يسبق لها مثيل بسبب فضيحة تنصت صحيفة ‘نيوز اوف ذا وورلد’ المملوكة لامبراطورية ميردوك على هواتف الاف الأشخاص منذ نحو عشر سنوات. اكتُشفت القضية وحققت فيها الشرطة وزجت العدالة بصحافي ومخبر سري في السجن فاعتقد الناس أن المسألة انتهت. شرطة سكوتلانديارد ذاتها اعتقدت، أو توهمت، أن المسألة انتهت فقرر أحد قادتها طي الملف في يوم واحد وبين يديه 11 ألف صفحة في القضية وأسماء نحو أربعة الاف شخص يُشتبه أنهم تعرضوا للتنصت.
ظلت القضية تطفو وتختفي منذ 2007 كأنما قوى خفية تريد خنقها. وفجأة خطوة أولى نحو القاع: صحيفة ‘الغارديان’ تعيد بعث الموضوع بالكشف عن المزيد من المعلومات الخطيرة والتي من بينها أن فتاة مراهقة اسمها ميلي داولر اختُطفت وقُتلت في 2002، تم التنصت على هاتفها الجوّال والتسلل الى رسائلها النصية وهي جثة هامدة في غابة مهجورة. تسبب ذلك في حينه في بعث أمل لدى عائلتها أنها ربما تكون لا زالت على قيد الحياة طالما أن في هاتفها نفس. كما شوّش على تحقيقات الشرطة وأخّر الوصول الى الجاني (حوكم وأُدين الشهر الماضي). ثم خطوة أخرى نحو القاع: اتضح أن أقارب ضحايا تفجيرات لندن الارهابية في تموز (يوليو) 2005 تعرضوا هم أيضا للتنصت. وكذلك عائلات جنود بريطانيين قتلوا في العراق وأفغانستان. كانت تلك الصدمة الأكبر لحد الآن.
ثم خطوة ثالثة (نحو القاع دائما): حتى أقارب ضحايا تفجيرات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 بأمريكا ربما تعرضوا لتنصت من نفس الناس بالطرق نفسها.
في البداية أخذ الرأي العام البريطاني القضية مأخذ المتعة والفرجة لأن التنصت كان مقتصرا على مشاهير الكرة والفن والسينما والمقربين من العائلة المالكة دون عامة الناس. وهذا ما يفسر أن ‘نيوز أوف ذا وورلد’ كانت تبيع ما يقارب 3 ملايين نسخة في الأسبوع، وأنها كانت في كل يوم أحد تصدر بفضيحة تقضي على زواج أحد المشاهير أو تنهي مسيرة سياسي وهكذا. لكن أن يصل الى ميلي داولر وعائلات جنود قتلى، فذلك ما لم ينتظره كثيرون.
ثم يأتي رئيس الحكومة البريطاني ديفيد كامرون لينهي المسلسل بأن عيّن آندي كولسن، الذي عمل رئيس تحرير ‘نيوز اوف ذا وورلد’ عندما كانت الأخيرة في ذروة تطفلها على هواتف الناس. ويزيد كامرون من البيت شعرا بأن دافع في مؤتمر صحافي قبل أسبوعين عن كولسن وقال إنه منحه ‘فرصة ثانية’ بعد توبته إثر فضيحة التنصت قبل سنوات. لاحقا تكشف التحقيقات أن الشرطة التي كان يجب أن تحمي الناس قصرت في مهامها، وأن بعض ضباطها تلقوا أموالا في شكل رشاوى، إما حبا في المال أو خوفا من أن تستلم ‘آلة ميردوك’ الإعلامية حياتهم الخاصة وحياة عائلاتهم.
اقتنع الناس أنها لم تعد مسألة صحافة وجرأة بل فساد وإجرام ضلع فيهما من كان يُفترض أن يقودوا المجتمع (السياسيون) والذين يُفترض أن يوفروا له المعلومة (الصحافة) والذين يُفترض أن يوفروا له الأمان (الشرطة). ولانقاذ ما يمكن انقاذه يقرر روبرت ميردوك غلق ‘نيوز أوف ذا وورلد’. في رمشة عين يضع حدا لـ168 عاما من ريادة المطبوعات الناطقة بالانكليزية، ولقوت 300 موظف.
خلاصة كرة الثلج ـ لحد الآن ـ المستمرة، أن أكبر رأسين في الشرطة سقطا واتسخت سمعة اناس وفقد صحافيون ثقة الجمهور واحترامه، وتوشك حكومة أن تدفع ثمنا سياسيا باهظا.
وأستطيع أن أجزم بأن القادم أخطر لأننا لم نعرف بعد كل تفاصيل هذه الفضيحة، ولأن هذه الممارسة الشنيعة ليست حكرا على ‘نيوز أوف ذا وورلد’ بل امتدت الى شقيقتها ‘ذا صن’ (التي تسللت، عن طريق التحايل والاحتيال، الى الحسابات المصرفية لرئيس الحكومة السابق غوردون براون، والى وثائق طبية تخص ابنه الصبي ذي الأربعة شهور من العمر والذي يعاني من مرض معين لم تتورع الصحيفة عن نشرها في صفحتها الأولى). كما وقعت صحيفة ‘صانداي تايمز’ في ممارسة مشابهة وذهب بها الأمر حد التفتيش عن وثائق في قمامات كبار موظفي الدولة. وايضا هناك شكوك من أن صحفا أخرى منافسة ليست بريئة تماما من هذه الممارسة.***قلت أعلاه إن المرء في منطقتنا ـ وفي كل مكان ـ يجب أن يحمد الله على نعمة الفقر والتخلف في هذا المجال. أقول هذا داعيا إياكم الى تصوّر الصحافة في بلدان متخلفة مثل بلداننا تملك كل هذه الأموال والأدوات التكنولوجية (وسائل التنفيذ) وقلة الحياء، ماذا كانت ستفعل بالناس أو ماذا كانت ستفعل بها الحكومات في غياب طرق الرقابة والمحاسبة.
في مجتمعات كمجتمعاتنا لا تعرف العدالة المستقلة ولم تسمع عن شيء اسمه مجتمع مدني أو صحافة حرة، نستطيع تخيّل كوارث بحق الناس والأخلاق والقانون. لكن لحسن الحظ أن هذه الفضائح مرتبطة بالمجتمعات الحرة. هي ثمن الحرية التي تنعم بها هذه المجتمعات. يرتكب الانسان الحماقة فيدفع الفاتورة كاملة.
ولعل السيد روبرت ميردوك أصاب في عبارة قالها في جلسة الاستماع أمام لجنة الإعلام والثقافة بالبرلمان البريطاني الثلاثاء: ‘نحن نعيش عصر الشفافية فلا يحق للناس أن يطالبوا بتكتم مطلق في مجتمعات شفافة’. ولكي لا تكون اللوحة قاتمة، من المفيد التذكير أن الفضيحة الكبرى ثم تلك المتفرعة عنها كشفتها صحف أخرى أبرزها صحيفة ‘الغارديان’ التي تابعت الموضوع باهتمام ودقة.
يبدو الأمر أشبه بحلقة مفرغة أو دوران من حول النفس، إلا أن الشيء الأهم هنا هو أن الصحافة في هذه البلدان ترفض أن تترك المجتمع يغرق في سباته فتصدمه في كل مرة بقصة ما.***لا يمر فصل دون أن ينشغل الرأي العام بقصة صحافية ومانشيتات تصاغ بشكل يجعله يشعر بأنها تهمه بالدرجة الأولى. استطيع أن اسوق أكثر من مثال عن بريطانيا حيث عاش الناس في أقل من سنة ثلاث قصص ارتقت الى صف ‘القضية القومية’: قضية مصاريف أعضاء البرلمان التي فجرتها صحيفة ‘ديلي تلغراف’ فانتهت ببهدلة مئات النواب وسجن بعضهم. ثم زواج الأمير وليام (الثاني في العرش) وخطيبته كيت ميدلتون الربيع الماضي. ثم فضيحة التنصت.. ما أن تبدأ قصة في التراجع شعبيا حتى تعوّضها أخرى لا تقل أهمية أو خطورة. أسأل عن مصير مشروع ‘سكاي آريبيا’ التلفزيوني الذي تعتزم شبكة ‘سكاي نيوز’ المملوكة لامبراطورية ميردوك انجازه مع حكومة أبوظبي أوائل السنة المقبلة بعد تراجع سمعة وأسهم واسم الامبراطورية الأكبر عالميا وصاحبها.*كاتب صحافي من أسرة ‘القدس العربي’[email protected]