نصر شمالي ليس هناك من يجادل في خطورة الــــدور القـــيادي الذي تلعبه أجهزة الدعاية والإعلام، وفي أنه لا يقلّ أهمية وتأثيراً عن دور الجيوش العســـكرية، ولكن هناك من يجادل في طبيعة هذا القطاع الإعلامي، وفي تحديد هويته وموقعه، وفي تبيان حقيقة وظائفه. ففي مواجهة حدث كالحدث الذي يعصف اليوم بإمبراطورية مردوك الإعـــلامية تجد كثيرين في مختلف أنحاء العالم، ومنهم العرب والمسلمين عموماً، يتعاملون معه كأنما هو حدث منفصل، مستقلّ، وبريطاني محض، وكما لو أنّه لا صلة له بحياتهم، بل بأدقّ شؤونهم الداخلية. إنّ ما يفترض أنه معلوم ومفهوم هو أنّ الإعلام في العالم عموماً يخضع لهيمنة وسيطرة الاحتكارات الدولية، مثله مثل النفط والمواد والمعادن الثمينة ذات الأهمـــية الإستراتيــجية، وأنّ السيطرة عليه بوساطة الوكالات والمؤسسات المركزية الإعلامية في العواصم الاستعمارية أمرّ مفروغ منه، حيث تتحقّق السيطرة بوسائل عديدة، تبدأ بالإلحاق الصريح المباشر، وتنتهي بإيهام البعض أنّ إعلامهم حُر مستقل بينما هو ليس كذلك! إنّ ركناً أساسياً من أركان إمبراطورية مردوك الإعلامية ينهـــض في البلاد العربية، كما هو حال إمبراطورية النفط، وإنّ جهداً عظـــيماً من جهودها يصبّ ضدّ هذه البلاد، غير أنّ هذه الحقيقة تبــدو شــبه غائبة عن أذهان الكثيرين، المنشغلين بالعناوين السطحية المخاتلة المسلّية، بصدد فضيحة مردوك واضطراب إمبراطوريته.
بجهود إمبراطورية مردوك وشقيقاتها المركزيات، وبجهود شركائها العرب المردوكيين وأجهزتهم الإعلامية الناطقة باللغة العربية، تصطدم الانتفاضات العربية الشعبية الثورية اليوم بهذه العوائق التي تشبه كاسرات الموج في المرافئ إنها العوائق التي تنهض سدّا منيعاً بين شعوب الأمة العربية وبين معظم نخبها الرسمية وغير الرسمية المخدوعة والمتواطئة. وإنها العوائق التي أقامتها النخب العربية الحاكمة بتكريس الدويلات المصطنعة وتكريس حكم كلّ منها إلى الأبد من قبل نخبة معيّنة وإنّها العوائق التي أقامتها المعارضة النخبوية، عبر تعبئة إعلامية/تثقيفية مردوكية مركّزة، انطلقت قبل عشرات السنين وما زالت مستمرّة بضراوة أشد حتى يومنا هذا، بحيث أصبحت مجرّد الإشارة إلى تحرير فلسطين وإلى الوحدة الطبيعية لبلاد الشام أمراً يستحقّ التهكّم والسخرية، أمّا الإشارة إلى وحدة الأمة العربية فقد أصبحت ضرباً من ضروب العبث والجنون وكذلك فإنّها العوائق التي أيقظت أحطّ النزعات الانتهازية عند بعض النخب، وجعلتها لا تمانع في تجزئة هذه الدويلة العربية (الجزء) أو تلك من أجل إقامة دويلات أخرى متحرّرة من ‘نير العرب’ ويا للعجب.
لقد عملت بعض النخب العربية المردوكية (خصوصاً منذ مطلع التسعينيات الماضية) على تقطيع أوصال التاريخ البشري عموماً والعربي خصوصاً، وعلى تسطيح كلّ من أوصال هذا التاريخ، فلا حدود ولا فواصل ولا تضاريس ولا منعطفات، والثورات العالمية والعربـــية ضدّ هذا النظام العالمي الجائر الفاسد مدانة جميعها، جملة وتفصيلاً، منذ كانت فكرة، وفي جمــــيع مراحلها اللاحقة، وحتى اضمحلالها وانتهائها، فساوت بذلك بين روّادها وأبطالها وشهدائها المخلصين وبين المنحرفين الفاســـدين الذين خانوها وبدّدوا منجزاتها، وحرفوها ووجّهوها ضدّ مسارها الأصلي.
كان هاجس المردوكية، ونخبها العربية الحاكمة والمعارضة، هو التعتيم على السمة الرئيسة لهذا النظام العالمي الفاسد، سمة التمييز والاحتكار العنصري، وسمة العمل الممنهج الدؤوب لإحلال ثقافة محلّ ثقافة وشعب محلّ شعب، وهو ما استهدف وما لا يزال يستهدف الأمة العربية في وجودها، في فلسطين والعراق وغيرهما. وهكذا، عندما نهضت هذه الانتفاضات الشعبية العربية العظيمة وجدت نفسها بدورها منقطعة قسراً عن مراحل تاريخها الماضية، بسبب الغياب الكبير للنخب المخلصة التي تحقّق الصلة الإيجابية الضرورية بين هذه الانتفاضات التاريخية الموضوعية وبين تلك المراحل التاريخية الموضوعية بدورها. لقد نجحت المركزية المردوكية ونخبها العربية في صنع هذه الفجوة الواسعة العميقة، التي تنهض اليوم عائقاً، لكنها لن تنجح في منع الجماهير من ردمها.
إنّ قطاع الإعلام الدولي، وفي مقدّمته إمبراطورية مردوك وفروعها في جميع القارات، موظف في معظمه لصالح سياسات التمييز والاحتكار، والإبادة والاستيطان، والتبذير والهدر للموارد الطبيعية، والإتلاف للإنسان وللطبيعة، مثله مثل قــطاع النفط الذي وضع الاحتكاريون أيديهم عليــــه، فأتلفوه من جهة وأتلفوا أصحابه من جهة أخرى. لقد تحوّل ميدان المعـــرفة والإعلام منذ زمن طويل إلى جبهة رئيسية من جبـــهات هذه الحرب العالمية المفتـــوحة، وصارت كتائبه موازية للكتائب العسكرية المدمّرة، فهو الوسيلة الفعّالة لجعل الشعوب المظلومة تخسر معاركها قبل أن تخوضها، وهو القادر على إقناع بعض نخبها سلفاً بعجزها عن المواجهة والمقاومة، وبحتمـــية استسلامــها وخضوعها.
غير أنّ الحقيقة، بصدد المركزية الاحتكارية الإعلامية، لم تنل من تطلع بعض الأوساط الإعلامية في البلدان المقهورة إلى تحقيق ‘المجد والرفعة’، كإعلاميين أفراداً أو كمؤسسات مهنية، وذلك بالتكافؤ الفنّي والمظهري مع المؤسسات الإعلامية الدولية المركزية ومع العاملين فيها، فرأينا من يتشبهون بها، ويلحّون على ضرورة الارتقاء إلى مستواها، ويوبخون شعوبهم، بل يشتمونها ويجلدونها لأنها لا تساعدهم على الاندفاع في هذا المنحى الصاعد المستحيل، وهو منحى مستحيل لأن سلوكه ممنوع، إنّما من دون مانع رسمي وهكذا يتبارى بعض الإعلاميين العرب، مثلاً، في تقليد المراكز الدولية الاحتكارية، سواء من حيث تجهيزاتهم التقنية أم من حيث سياساتهم ومظهرهم وأدائهم وأساليبهم، فتجد الإذاعة البريطانية والتلفزيون الأمريكي والصحيفة الفرنسية مثلهم الأعلى الذي يستميتون من أجل تقليده، ليس من حيث الشكل وحسب بل من حيث المضمون أيضاً، ويا لها من مأساة ملهاة، مبكية ومضحكة، ونحن ندفع للمراكز الإمبراطورية العالمية أثماناً باهظة لنيل الخبرة والحصول على المعدّات، وبعد ذلك نضع أنفسنا ومعداتنا في خدمتهم تماماً، وضدّ أهلنا تماماً، أي أننا نمكنهم من التهامنا مرتين.
والحال أن الخبر الإعلامي لا يصبح خبراً إذا لم تعتمده المراكز الإعلامية الاحتكارية، فقيمته وأهميته لا تنبع من ذاته بل تعطى له من خارجه، حيث الخبر الذي نراه ثانوياً جداً يمكن أن يُقدّم باعتباره رئيسياً جداً، وبالمقابل فإن الخبر الذي نراه خطيراً جداً يمكن أن يقدّم باعتباره عادياً جداً، بل لا يستحق التوزيع، أمّا من يقرّر ويفعل ذلك فهو المركزية الإعلامية الاحتكارية. وهكذا فإنّ أجهزتنا الإعلامية تخوض غمار سباق محموم ليس متاحاً لها ربحه لصالح شعوبها أبداً، وهي يمكن أن تربح، إنما لصالح المراكز الاحتكارية، إذا ما اندمجت في سياقها، وهذا يعني التفاني الأعمى في خدمة أسياد تلك المراكز من طواغيت المال الحرام والأعمال الشائنة والسلطات الفاسدة، الأمر الذي يعيدنا إلى المربّع الأول الذي لا أمل لنا في الحياة من دونه، والذي يمقته المردوكيون ويحاربونه بكلّ قواهم، نعني مربّع الثورة العربية من أجل الحرية والاستقلال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للأمة جمعاء. ‘ كاتب سوري