العربي بريك لقد كثر الحديث واللغط عن الإصلاحات المنتظرة في العالم العربي بعد أن هاجت ثورات شعوب المنطقة وكادت أن تأتي على الأخضر واليابس ودكت تلك الثورات مضاجع السلطة وأزاحت حكاما ورؤساء عن عروشهم المشيدة من الزبرجد والحديد والنار.. ها هو فجر الحرية والعدالة يلوح في الأفق وأصبح الجميع غير خائف من السياط أو الرصاص المطاطي وحتى الحقيقي.. ولم يعد ذلك الشرطي أو حتى الأمن البوليسي والسياسي من فزاعات الأنظمة المستبدة، ترعب وترعد مثلما كانت تلوح بكل ذلك حفاظا على عروشها وثرواتها.. وفي رأي الكثيرين أن هذه الثورات جاءت لتصلح ما أفسده الحكام وتعيد للشعوب حريتها وحقوقها وهذا مبعث تفاؤل عند الأغلبية من المستضعفين والبائسين. نعم إن الظلم لا يدوم والمستبد لابد أن يذوق من نفس الكأس المرة التي سقى منها غيره، وهذا هو منطق العدالة المأمول. لكن السؤال المطروح والجدير بالطرح هل لهذه الثورات رؤى واضحة في التغيير وهل لها أفكار مدروسة ومحددة حول الإصلاح وكيف ينبغي أن يكون، وقبل هذا وذاك من سيصلح من.. ؟ وبعبارة أخرى هل هناك بديل عادل وصالح فعلا لأولئك الظلام والمستبدين ثم هل الظلم والاستبداد محصور في شخص الحاكم وحاشيته أم أن للفساد جذورا عميقة الله وحده الخبير يعلم منتهاها.. طبعا من حقنا أن نتساءل ومن واجبنا أيضا أن نبحث عن الحلول والبدائل الممكنة.. بعضهم قد يقول ذاك أمر ثانوي والمهم الآن هو الإطاحة بالمستبد والسلطات الفاسدة والإصلاح يأتي بعد ذلك، ونحن نتساءل ونسا ئل كيف سيكون ذلك وما هو الضمان ومن الضامن.
؟ نحن نعلم أن ثورات المنطقة العربية هي ذات طابع غضبي وهي غير بعيدة عن صرخة المظلوم الذي طفح به الكيل ولم يعد قادرا على الصبر أكثر بل إن المجتمعات العربية الآن قد تحسب أن الزمن في صالحها والشواهد موجودة ويكفي تحريك الشارع لترفع الرايات الحمراء ويهب مجلس الأمن ومن ورائه حلف الناتو ومحكمة الجنايات الدولية، ولذا فالفرصة مواتية ومن فاته القطار اليوم لن يتمكن من اللحاق به فيما سيأتي من الأزمان.. وعود على بدء إلى مربط الفرس في مقالنا وهو حول الإصلاح المنتظر وكيف يمكن أن يكون، وهنا لابد أن نضع أنفسنا موضع الطبيب الذي لا يمكنه أن يقدم وصفة أو علاجا ما لم يشخص طبيعة المرض ومن ثم قد يجد العلاج المناسب ولكن لاستئصال جذور المرض من الأساس لابد من وضع اليد على الأسباب والبحث عن الفيروس المنتج له. وهنا عندما نربط الأمر بموضوع الإصلاح نبحث عن نقيضه ألا وهو ا لفساد وكيف أمكن لهذه النظم أن تكون كذلك.. بعضهم يتصور الأمور بسذاجة ويظن أن المرض موصول بالمريض، وكأن الفساد يختار من يتقمصه كما أن المفسدين لا يمكنهم إلا أن يفسدوا ويكونوا كذلك.. والحقيقة تكشف كما أن الواقع يشهد كم من الثوار والمصلحين تحولوا بفعلهم أو بفعل الظروف إلى جبابرة وظالمين والشواهد غير بعيدة بل هي قريبة منا جدا، أو ليس أغلب زعمائنا وحكامنا ومن يدور في فلكهم كانوا في يوم ما أبطالا ومستبسلين في محاربة الاستعمار أو ليست هذه النظم والسلطات التي تسمى وطنية في بلادنا العربية كانت تحمل مشعل الحرية والتنوير والتغيير.. فما الذي غير الأحوال حتى تحول الأسود إلى ذئاب وثعالب وكلاب.. حتما نحن لانعمم كما أننا لا نتهم نظاما بعينه أو سلطة محددة لكننا نعتقد أن المشكل ليس في الأفراد بل في الذهنيات، وعندما نقول ذلك لانفصد أننا ضد تغيير للأشخاص أو السلطات والقوانين فكل ذلك سيكون مجرد تشخيص قد يساهم في العلاج لكن ليس مضمون النتائج مادام السبب مجهول وعلى رأي من قال ‘إذا عرف السبب بطل العجب..’. ومخ الهدرة في حديثنا، أن الثورات الغضبية ليست بالضرورة واعية وقد تفسد أكثر مما تصلح خاصة إذا داخلها الخبثاء وساندها الأعداء، وسيظل مشكل الفساد أو الاستبداد قائما ما لم نفصل بين السلطة والثروة في عالمنا العربي.. وذلك لأن الأنظمة العربية أغلبها ريعية ومصدر ريعها الأكبر النفط والغاز، أنظمتنا العربية غير منتجة ولا مصدرة لغير الغاز والبترول وهي عاجزة حتى عن تسيير أمورها في حاجيات الحياة الأساسية. فغذاؤنا مستورد ودواؤنا مستورد وقوانيننا ليست من إمضائنا ولاحتى برامجنا التعليمية أو التشريعية، وعليه فالسلطة في العالم العربي تحتكر الثروة الطبيعية ليستفيد منها الحكام وحاشيتهم من المنتفعين والانتهازيين أما بقية أفراد الشعب فليس لهم من الأمر شيئا وليذهبوا إلى ماوراء البحار أو حتى إلى الجحيم.
؟ ، ولأن هذا هو الواقع المرير فكل الأنظار مشدودة إلى السلطة لأنها مصدرا للثروة فمن وصلها فتحت له أبواب الأرض والسماء.. ونعتقد غير مترددين أن الغرب كان محظوظا لأن ثرواته لم تكن طبيعية بالدرجة الأولى بل الثروة الحقيقية المعتمدة هناك هي الثروة البشرية على مقولة ‘الإنسان هو رأس المال’ .. ولذلك فالسبيل عندهم للثروة هو في الإنتاج والتنافسية والصراع من أجل الأفضل أما نحن فحولنا نعمة النفط والأرض إلى نقمة، وأصبح الإنسان عندنا لايساوي أكثر مما يملك وبدون ذلك فهو نكرة ولاشيء على منوال المثل المصري’ عندك قرش تسوى قرش..’ وبرأينا لو تمكنت الشعوب العربية من وضع يدها على ثروتها وجعلت السلطة مجرد وصية عن الثروة لا مالكة أو وارثة لها، لانقلبت التصورات والذهنيات السائدة، إذ حينها لم يعد يعني أحد أن يكون رئيسا أو ملكا أو تبعا لأي حاشية كانت، بل تصبح مسؤوليته مجرد خدمة وتكليف ليس إلا، ولإنتهى عصر المافيا السياسية والمالية وولى عهد الانتهازيين والمنتفعين الذين يضحكون على الناس في كل المواعيد الانتخابية ويتظاهرون بالوطنية والولاء للوطن وولاؤهم الفعلي لمصالحهم وجيوبهم التي ستمتلئ ريثما يصلون للسلطة على حساب ثروة البلاد وفوق أعناق العباد..’ رئيس تحرير مجلة المنار العربي/ الجزائر