أبلغ مسؤولون في الإدارة الأمريكية نواباً في الكونغرس بأنهم سيقدمون قريباً طلباً للكونغرس من أجل تمويل «للعمليات الخارجية الطارئة» ضمن مشروع قانون اعتمادات دفاعية بقيمة 79.4 مليار دولار، وجسامة هذا الرقم، معطوفة على إرسال 275 عسكرياً إلى العراق، وتحريك سفينة حربية تقلّ 550 عنصراً من المارينز وطائرات مروحية الى الخليج، كلّها علامات تدلّ على ملامح انعطافة في سياسة أمريكا الشرق أوسطية.
بناء قرار خطير مؤسس على ردّ الفعل في سياسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما الحالية بعد الهجوم المفاجئ الذي شنه تحالف قوى عسكرية وسياسية ودينية «سنّية» (على حدّ وصف وكالات الأنباء) على مدن الموصل ثم التقدم نحو تكريت والفلوجة وتلعفر تذكر بقرارات جورج بوش بعد غزو العراق عام 2003، وخصوصاً في المفاجأة التي حصلت بعد سقوط نظام صدام حسين والمتمثلة في أن الغزاة الأمريكيين لم تكن لديهم خطة للتعامل مع البلد، فكان أن تُرك آنذاك لبول بريمر والبطانة العراقية التي التفّت حوله ليعيدوا اختراعه.
على مدار السنوات الأربع الماضية التي شهدت ثورات الربيع العربي اكتفت الإدارة الأمريكية بأقل قدر ممكن من التدخّل، باستثناء مشاركتها الخجولة في العمليات العسكرية في ليبيا والتي تركتها تحت القيادة الأوروبية، وعرضها لعضلاتها العسكرية بعد قصف النظام السوري لأهالي غوطة دمشق بالسلاح الكيماوي، وباستثناء ذلك فقد اكتفت الإدارة الأمريكية مع خصومها المفترضين، بدبلوماسية القوة الناعمة، والعقوبات الاقتصادية، وبيع الكلام لبعض الدول العربية الخائفة من تقاربها المطرد مع إيران، واستمرار تغطيتها العملية لكل ما تفعله إسرائيل.
التحليل البسيط لمنطوق السياسة الأمريكية تحت إدارة أوباما يعتبر أنها تركز على إعلاء شأن المصلحة المحلية الأمريكية، بإعطاء الأولوية لتعزيز الاقتصاد والضمان الاجتماعي والطبي، والاستفادة من الدرسين الأفغاني والعراقي بالامتناع عن التورّط في حروب باهظة الثمن لا تؤدي إلى نتيجة غير زيادة الخراب والدمار حيثما حلّ اليانكي.
غير أن التفاجؤ الأمريكي بما حصل في العراق وردّة الفعل السريعة، نسبياً، للإدارة الأمريكية حول ما حصل فيه، كشفا هلهلة «عقيدة أوباما» هذه، والتي هي في النتيجة النهائية للأمور ليست أكثر بؤساً من عقيدة جورج بوش وحسب، بل هي ذيل وظلّ لها، لأنها أضافت الى تجاهل الكارثة العراقية التي سببتها سياسات جورج بوش، تجاهل الكارثة السورية التي سببتها سياسات باراك أوباما، وحريقها المشتعل في فلسطين ولبنان والأردن.
تنظيمات مثل «داعش» ليست إلا المولود المشوّه لزواج الوحشية العسكرية الأمريكية في العراق بأتباعها الصغار الذين تربّوا في حضن طهران وأخذوا عنها نموذج تلبيس السياسة بالدين.
بول بريمر، في لقاء له على راديو 4 البريطاني قبل أيام قدّم تفسيراً أكثر «عمقاً» لخطّة الإدارة الأمريكية التي طبقها في العراق، فقد اعتبر ما قام به ثورة قلبت نظاماً عمره ألف عام كانت السيطرة فيه للمسلمين السنّة في العراق، وهو قول جريء وصريح يوضح بشكل أفضل ما يقوله ويفعله الأمريكيون، فالتقارب المتسارع لفتح سفارات غربية في طهران والتنسيق الأمني معها، وتحريك أوباما للقطعات والوحدات العسكرية والتمويل الضخم لتدخل عسكري في العراق دون أن يذكر أحد كلمة «مجلس الأمن»، وكذلك حديث جون كيري أن أمريكا ستتدخل عندما تحصل مجازر… كل ذلك إذا تمّ تظهيره على الضوء الكاشف لكل سيناريوهات التسويف والتأجيل والتدقيق في الشأن السوري، وتجاهل المجازر المستمرة في كل أنحاء العالم ضد المسلمين وغيرهم، يأتي تصديقاً لقول «مؤسس العراق الحديث» حول خطته (؟) لقلب نظام تاريخي ساد ألف عام.
… إرحمونا إذن من مزاميركم عن نشر الديمقراطية والسلام والأمان، وكذلك عن ضرورة «أن يطمئن العراق جيرانه بأن الحرب ليست طائفية»، على حد قول جون كيري.
رأي القدس