‘شظايا وطن’ رواية الوجع العراقي

حجم الخط
0

حكيم الداووديبدءاً من 14 تموز/يوليو 1958 دخل العراق (شعباً ومصيراً وتاريخاً) في متاه دوّامة يصعب معها التكهن بمستقبله، ذلك أن الانقلابات الدموية اللعينة كان يُُخطط لها من الخارج، واستنزفت مصائر وحيوات العراقيين، ورمت بهم بين فكوك الضواري. فمنهم مَنْ اغتيل ولقيَ مصيره، ومنهم مَنْ تلقفتهم المعتقلات المجهولة، وآخرون اختفوا في ظروف غامضة، والبعض حالفهم الحظ فغادروا العراق، وتشظوا في المهاجر. وهم الآن يعيشون في كنف الأمان على الرغم من تقلبات الشوق والحنين فيهم. امّا مَنْ بقي فمصيره يتأرجح بين الخوف والشكّ والانفراج السياسي الذي هو أبعد من نجوم السماء، ولا سيّما في زمن الاحتلال الذي وعدنا بجناتِ عدنٍ تجري من تحتها الحرية والديمقراطية والأمان والرفاه الاقتصادي.. ثمّ صارت تلك الوعود سراباً فهباءً من الأكاذيب.

فاطمة الحسّاني في روايتها ‘شظايا وطن’ لم تلج بعمق في ملل التفاصيل، ولا لامست وجع الجراح برؤية مجهرية، بل أنهاعرضت خمس لوحات تنطوي على نماذج عراقية غادرت الوطن واستقرت في أصقاع شتى، وتأقلمت مع ظروف حياتها الجديدة. قبلاً، قبلَ أن تعصف بالعراقيين وبوطنهم زلازل الانقلابات العسكرية كانوا متشبثين ببلدهم حدّ العشق والعبادة، فما عرفوا الهجرة ولا مرّت ببالهم. فالعراق بخير، والانسان في ظل حماية القانون، الا مَنْ أخلّ بالنظام وتجاوزعلى حقوق الآخرين.. لكن الهجرات بدأت منذ تموز/يوليو 1958، ثمّ اشتدت وتعاظمت بعد انقلاب 1968 حتى احتلال العراق في نيسان/ابريل 2003، وبلغت أوجَها بعد ذلك.. ولكل واحد ممّن اختار ترك العراق قصة، تزحم بالأوجاع والآلام، إّلا أن الحسّاني التقطت من متون ذاكرتها خمسة نماذج، نموذجٌ منها عن عائلتها عندما اضطرتهم أيامُ القصف العشوائي لمدينة البصرة بعد اندلاع الحرب الشرسة بين البلدين الجارين الى ترك العراق.. والبصرة، أيامئذٍ، من أكثر مدننا تضرراً بمآسي الصراع الدموي. لذلك غادرها مًنْ أسعفه الحظ الى دول أخرى.. أنها تسرد حياة عائلتها مذْ اندلعت شرارتها الأولى حتى مغادرتها العراق واختيار السويد مثوى أمانٍ لها. وكذا الحال مع النماذج الأربعة الاخرى التي هجرت واختارت ملاذاتها في اوروبا وفي كندا والولايات المتحدة الامريكية.. وحين رسمت لوحاتها الخمس كانت تلتقط وتسرد شريط معاناة شخوصها كباراً وصغاراً. الغربة ُفي نظر الحسّاني ليست نزهة ولا ترفاً، بل ضرورة قصوى لانتشال الحياة من الضيق والنكد والموت المجاني، والقاء عصا الترحال في برّ آمن. لقد تفاوتت سرديتها بين واقعية منضبطة وفق مقاييسها المعروفة وانتقالات بين رؤى اخرى سينمية تارة وسريالية حلمية. كما انها اقصت ايقاعها الواقعي من الرتابة والميكانيكية وولجت بقارئها عبر مقاربات متنوعة في رحاب اشكال تعبيرية حداثية. فرحلة انيس وزوجته رُبى وعودهما ثانية الى الوطن ثمّ مغادرتهما بعد تفاقم الأوضاع سياسياً واقتصادياً ونفسياً الى الولايات المتحدة الأمريكية لا تشبه رحلة سلام وبسمة الى بريطانيا، كما لا تّشبه هجرة عائلة امجد الى الكويت، ومن ثّمّ الى السويد، وكذا هجرة حنين، ابنة شهد، الى كندا.. فيما كانت شهد غريبة في مدينتها بعد أن هجرها زوجها وتزوج من امرأة اخرى. كلّ كائنات هذه اللوحات الخمس لها سمات ومسلمات تخرج وتصب في مدائن الغرب والغربة مكاناً وزماناً ومشاعر.. ولكلّ لوحة ضربتها الفنية تغامر احيانا خارج الاُطرالتقليدية، واحياناً تلتزم بقوانين الخطاب الروائي. هي، أيْ اللوحات، خليط من سخونة الواقع والحلم والتداعيات الى الماوراء. بل غور الى الوجع والقلق والخداع وتغيّر القناعات وعناق المستقبل واستشراف الامان من سدم المستحيل. تقول فاطمة في توطئتها القصيرة: ‘لم تكن الأحداثُ التي واكبت عمر الواحد منهم جاءت أوجئتُ بها. نسيتُ مَنْ اكون وعشتُ أيامها بطلة روايتي، سهرتُ وعانيتُ، اوجعتني الأيام، وربّما تسألني قارئتي: اراكِ وقد أستعرتِ أفكاري وحتى مشاعري، بيدَ أني أراكِ قد بالغت في رسمها. تُرى أين يُقيمُ مَنْ أكتب عنهم اليوم؟ لقد انشغلتُ عنهم بمآسي الوطن التي لا تنتهي…’. في هذه العبارات لخّصت الحسّاني ما تكدّس في وعيها، وعبّرت عمّا اختلج في روعها.. بل في روع قارئها وشخوص روايتها.. وما تنطوي عليه السرائرُ تتباين حيناً وتتقاطع أحياناً، فليس الناس جميعاً سواسية متشابهين. لذلك كانت طروحات اللوحات متباينة.. والأشخاصُ مختلفين، الا أنهم جميعاً سالوا الى بؤر الاغتراب.. قبلاً كان عدد المغتربين يُعد على أصابع اليد، ثّمّ تكالبت المحن واستشرس القمع، وصارت حياةُ المعارض للسلطة ارخص من التراب. بل كانت المؤسسات الدولية تغمض أعينها عما يجري في العراق.. بينما كانت تقيم الدنيا وتشغل طواحين اعلامها حين يُسجن معارض في احدى دول الإتحاد السوفييتي قبل الانهيار والسقوط.. وهي الآن على ذات النهج حيثّ تتصاعد وتيرة ُاحتجاجاتها على النظام السوري حدّ الشراسة، وتبلعُ السنتها عند الحديث عما يجري في العراق وفي الأرض المحتلة في فلسطين.. الوطن العربي، بل العالم الثالث ضحية هذه الازدواجية في السياسة.. وكلُّ حكام العرب ودول العالم الثالث القامعون تخرجوا من دهاليز المخابرات الغربية.. فاطمة الحسّاني لا تدين السياسات القامعة، بل تتركنا نحن نؤشر اليها ونضع اصابعنا على بؤرها المستعرة، المضمرة منها والمعلنة.. واذا كانت الرواية تستغرق في تعميق الوجع العراقي منذ بداياته الاولى فان لوحاتها الخمس لا تخلو من ومضات فرح ونهايات مطمئنة. وهي خللَ تصاعدها الدرامي تؤكد أنّ ثمة عشرات الالوف من القصص الفاجعة لعراقيين تشرذموا في بقاع الأرض تُشبهُ هذه اللوحات، اذا لم تكن اشدَّ وجعا وتراجيدية منها.. نعم الروايةُ العراقية ظلت تسجّل وترصّد مآسي المغتربين والمشرّدين.. الا أن هناك أكثرَ من ثلاثة ملايين حالة.. فمن اين لساحة الأدب من استيعاب مثلِ هذا الكم من المآسي في متون صفحاتها.. صوتُ الحسّاني واحد من هذا الكم، لكنه لا يقف عند حدود هذه النماذج الخمسة.. لقد ارادت أن تقول، وباختصار، ان بدايات الهجرة غطت النصف الثاني من القرن العشرين، وما زالت تتسع وتتعمّق وتزداد من مبتدأ القرن الجديد، وتفاقمت مع ازدياد الفلتان الأمني بعد الاحتلال.. كما أن المستقبل غامض ومشوب بالكثير من الشكوك، ألم يقلْ بوش الابنُ حين سئل عن الديقراطية في العراق: ستتحقق بعد خمسين عاماً.. والى ذلك الحين سيظلّ طوفان الهجرة يعصف بأبناء العراق.

فاطمة الحسّاني لا تدين في روايتها حالة ًبعينها، ولا تلصق تهمة بمسمّى.. بل ادانت كل المراحل التي مرّت بالعراق.. كما أن كلّ مرحلة قد تتشابه حيناً، أوتتفاقم وتشتدّ ضراوة غداً أو بعد غد.

المؤلفة: فاطمة الحسّانيالرواية: ‘شظايا وطن’ . دار أزمنة للنشر – عمّان.

حزيران/يونيو 2011.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية