أحمد عمر أغنية ‘صحارى’، التي كان غايتها الحوار، لم تقدم بحسب المتشائمين، سوى ما يحسبه الظمآن ماء، أما المتفائلون المصلحون في الأرض من أمثال طالب إبراهيم، فيرون أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، وانّ القرآن نزل في ثلاثة وعشرين سنة (ملاحظة: الأمثلة والقياسات كلها من المقدس!!) نذكر بأن السيد إبراهيم هو صاحب نظرية الصدمة.. في ثلاث وعشرين سنة!! وكانت قناة الدنيا ‘الزورية’ قد وعدت بأن تستضيف معارضين، وما مواعيد عرقوب إلا الأباطيل. والقنوات السورية الرسمية أولى بهذه ‘الضيافة’ من القناة المستقلة التي اسمها الدنيا، فهي قنوات ممولة من أموال دافع الضرائب السوري، مواليا ومعارضا، فلا تزال الحواكير الفضائية السورية حكرا على ‘الهنود الزرق’، وتعبير الهنود الحمر ذكرنا به شيخ قبلي استضافته ‘الدنيا’ في معرض وصفه للمتظاهرين الذين استقبلوا السفير الأمريكي بأغصان الزيتون. وثقافة الشيخ، بزيه المعاصر، ثقافة أفلام ‘كاوبوي، ‘فالهندي الأحمر’ تسمية عنصرية، وتبنيها لا يقل عنصرية، فقد سمّي الأمريكي الأصلي بالهندي بسبب ضعف البوصلة الجغرافية لدى الغزاة ‘الواسب’، أما السّبة اللونية، فهي عنصرية أمريكية ‘برصاء’، وقد تمنيت من قيعان قلبي أن تُلبى طلبات الممانع والمقاوم اللبناني ميخائيل عوض بتصفية أوكار التجسس الفرنسي والأميركي في دمشق!! وباستنتاج سطحي، حسب الإعلامي ناصر قنديل – وهو ضيف لبناني مقيم في الفضائيات الزورية اقامة جبرية – يمكن أن نقول أن اكبر الرابحين من الثورات العربية هي إسرائيل، فمعظم المعارضين والمتظاهرين يخرجون في الصور الفضائية وهم يقولون: انّ إسرائيل لم تفعل هذا بأعدائها؟! وإسرائيل حد أعظمي للبطش والتنكيل في المخيال العربي الرسمي، وقد كنت حتى الأمس القريب أظن أنها تقلّد عدوها النازي بتعصيب عيون أعدائها الأسرى او الإرهابيين، وكشف الجزء الأعلى من أجسامهم (خوفا من متفجرات) حتى رأينا صورا لمتظاهرين يصيفون على شواطئ الدم والحرية، عراة إلا من عصابتين!! ويذهب آخرون إلى أن إسرائيل تقتل وتبيد، وقد تشوه الجثث لكن الغرض ‘نبيل’ وهو سرقة الأعضاء البشرية الفلسطينية الشهيدة لاستخدامها في أجسام إسرائيلية، لا التمثيل المجاني بالجثث. والفرق بينهما غير صغير! شخصيا، أكنّ احتراما للإعلامي السوري الياس مراد، الذي يحمل رتبة نقيب أول، في كتيبة الصحفيين السوريين، الذي احترم نفسه واختفى بعد سقوط نظرية البيشمركة التي ابتدعها، وقد ظهر واحد آخر ابتدع نظرية بلاك ووتر!
وفي هذين الأسبوعين قلّ هدير النواعير السورية، فاختفى مفعلة الفعلولي وزن اسمه الصرفي- الذي يزمجر وهو يتكلم عن القانون الدولي. وقد سألت فقيها في الإعلام عن صفة ‘أستاذ في العلاقات الدولية’ اللاحقة بأحد نواعير الفضاء. فقال مترجما: مدرس مادة التربية القومية في المرحلة الإعدادية! لكن الإعلامي ‘فعيل فعالة’ لله دره، لا يزال يقاتل قطر وجزيرتها، على الهواء، في جزيرتها مذكرا بدون كيشوت دي شحادة، ولكن من غير عشق أو رومانسية. نهاية عصر انتهى عصر المونودراما السياسية (ممثل وحيد يفوز بنسبة 99 بالمائة من أصوات العميان) ومع مجيء عصر الفضائيات اندلع عصر بطولة الشعوب، ولهذا يتوقع كثيرون هبوط الإقبال على الدراما في رمضان لأن الأبطال الحقيقيين في الشوارع العربية.
انتصرت ثورة مصر، بإزاحة الستار عن مسرح ثورة ساحة التحرير أمام العيون. لكن في اليمن ساحتان، تحرير وتغيير. وفي سوريا ليس من ساحات سوى ساحة حماة (من الغريب أنّ اسمها ساحة العاصي الذي يجري بعكس انهار العالم). الساحة السورية تحتاج إلى قانون أحزاب، والقانون عند الحداد، والأحزاب في الجبهة… الوطنية التقدمية فقط لاغير. وقد انبرى إعلاميون رسميون سوريون بسؤال يظنونه كبيرا: هل يستطيع هؤلاء المتظاهرون تعريف الحرية التي ينادونها؟! الحرية لا يستطيع تعريفها إلا الفلاسفة بعد خوض حربين عالمية أولى وثانية!! يسهل حكم العميان، كما يسهل إقناعهم بأداة شرح مقنعة اسمها ‘القناة’ الوطنية، بأنّ الزعيم المفدى، أجمل الناس واحكمهم وأعقلهم، وهو ملهم يأتيه الخبر من السماء (أي من واشنطن)، والسيف اصدق إنباء من الكتب، والقناة الوطنية التي كان الإعلام الوطني يطعن بها صدر شعبه، يصدق فيها قول الشاعر المتنبي في التبشير بالديمقراطية، وضرورة الحوار كوسيلة وليس كغاية، أو كصورة تذكارية أمام عدسات الفضائيات:
كلما أنبت الزمان قناة… ركّب الدهر في القناة سنانا.
القنوات الرسمية الزورية، كيد ومكر وأحابيل (جمع حبال ملتوية ومعقودة بنواصيها الشرّ) لكنّ حبال الكذب قصيرة، ولهذا لم يكن فرعون موسى الذي أنجاه الله ببدنه ليكون للناس آية، يكتفي بقتل الذكور، وابسالهم، واستحياء النساء، وإنما كان يشوش على القنوات الفضائية العربية والعالمية، ‘بالأبواق’؟ إنّ معجزة موسى كانت بصرية، ولهذا يصرخ سحرة الفراعين المعاصرين، لليل نهار، عندما يرون صورة لمواطن يهان ويداس أو يقتل ‘ بدم بارد’ (وهي عبارة تقليدية تعني القتل للتسلية وإشباع هواية الصيد) قائلين: صورة مفبركة، وترجمتها إلى اللغة القديمة: إن هذا إلا سحر يؤثر. كل ما يبث في قنوات غير قناتنا العصماء؛ مفبرك. قنواتنا هي الصادقة الصدوقة لا شريك لها. فما لا تراه عليها ليس موجودا. لم يكن العصر الصوتي، عصر احمد سعيد بقتامة العصر التلفزيوني الأول، (الثمانينات والتسعينات) عصر القناة الأرضية الوحيدة، ببطلها الأوحد، وعدستها العوراء وبرامجها الإجبارية التي تفقأ العين: مع الفلاح، أو مع العمال، أو مع الشرطة في خدمة الشعب: لو اخرجوا برنامجا للشعب اسمه: مع السلامة؟
؟ ثم عندما يحين موعد النشرة تقوم الدنيا ولا تقعد: موسيقى تصويرية تشبه النفير. الأخبار في القنوات السورية كان لها شارتان، تنتهيان ولا تنتهيان، ثم يخرج مذيع هصور، محمر الحدق، ثم يحمى الوطيس، وتتكسر النصال على النصال.. البصمات تعيد قناة الدنيا عرض مسلسلات دريد لحام، حتى تقول أن غوار – ايضا معها، وتعيد عرض حلقات مختارة من بقعة ضوء لتؤكد ديمقراطية سوريا الدرامية، تحت شاخصة ‘لاتينية ‘ عنوانها: ‘بيست اوف’، وكانت وزارة الإعلام قد شنّت حربا على الأسماء الأجنبية في المحلات التجارية، دفاعا عن عروبة الثقافة السورية! أما القطار السوري المنكوب، وسائقه ‘الشهيد’، فقد ذكرني بقطار مصري تعرض للحرق في احد خطوط الصعيد، وخرج على أثره، صعيدي، يشكك في الحادث، وظلل يكرر لمندوب القناة المصرية طرفة صعيدية صافية على الهواء:
كل جريمة فيها بصمات، هي فين البصمات؟ أنا عايز البصمات؟
قياسا: أنا أيضا أريد البصمات في حادثة قطار سوريا، هي فين البصمات!! غادة عويس بارزت الإعلامية غادة عويس أربعة من الضيوف، في ميدان حديث الثورة، هم منذر سليمان، وزهير سالم وسمير العيطة.. وصوت رابع احتاج الى ثلاث وعشرين سنة لتذكره، بعدالة وفروسية، حتى أنها ذكرتني بالمثل الطبي العربي الذي قاله الحارث بن كلدة: : آخر الدواء.. غادة عويس.’ كاتب من كوكب الأرض