د. محمد بريك المباديء فوق الدستورية هي مباديء عامة وفضفاضة تتناول قيم أو إجراءات حاكمة على الصياغة الدستورية لأي دولة وتضبط سبل إنشاء عقدها الاجتماعي – كوثيقة دستورية. والمباديء القيمية ليست حاضرة بشكل غالب في التطور الدستوري لكثير من البلدان؛ أبرز البلدان إعمالا لها هي الولايات المتحدة وألمانيا – وإن كانت ظروف إعمالها تبقى شديدة الخصوصية وفي مراحل تاريخية محددة. وبعض البلدان – كبريطانيا والكيان الصهيوني – ليس لها دستور مستقر أصلا، ولكن تستعيض عنه بنوع كبير من التوافق حول الخطوط العامة لبناء الدولة ووظيفتها الوجودية مع بعض الوثائق الظرفية. ولأن المباديء هي شديدة العمومية فهناك تفاسير تفصيلية مختلفة لها ووجهات متباينة تخصيصية أو تقييدية في تفسيرها وتنزيلها، ولهذا ففائدتها الأساسية هي فائدة ظرفية وليست دائمة. بمعنى: أنه قد تكون ضرورة لشعب أن تتوافق أطرافه على بعض المباديء قبل التوافق على كتابة الدستور أو بناء الدولة بشكل عام، وهي مفيدة في هذا الشأن كمرحلة من مراحل تطوير التوافق الوطني على مباديء عامة أولا – ثم على جسد العقد الاجتماعي ثانيا. ولكن المهم أن نعي أن التفسيرات التنزيلية لهذه المباديء تبقى متغيرة، ويمكن حدوث تطورات وتبديلات فيها.
وحين قامت الثورة ونجحت في إسقاط مبارك وتولى المجلس العسكري الأعلى تسيير الأمور ظهرت هناك ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الأول يقول أن الثورة لم تحقق هدفها التغييري الكامل لأن المجلس العسكري كان جزءا من النظام وأن اتمام التغيير يقتضي بأن يعاد تعريف دور المؤسسة العسكرية كمؤسسة قومية ولكن لابد لها أن تبقى خاضعة لقيادة سياسية مدنية ولإشراف برلماني منضبط ـ وأن تتم إدارة المرحلة الانتقالية بشكل يسعى لتفكيك المزيد من تغلغلات النظام في الجهازين الأمني والتكنوقراطي للدولة، ورأى هذا الاتجاه أن بقاء الحالة الثورية الضاغطة وتنظيمها ومنهجتها هو واجب الوقت لتحصيل أهداف الثورة. وهذا الاتجاه يمثله الكثير من النخب الشبابية الثورية، والتي عانت بلاشك أول الأمر من ضعف كبير في الخبرة السياسية والاستراتيجية ـ ولكنها بلاشك تتعلم وتتطور ذاتيا مع التوقت والتجربة. والزخم الثوري واستيعابه والتحكم في مسار الثورة وضبطه كان بالفعل – ومازال بدرجة ما – أكبر كثيرا من قدراتها الذاتية.
والاتجاه الثاني و الذي تبنته القوى الإسلامية سريعا – كالإخوان – هو اتجاه تفاهمي يقبل بماحققته الثورة ولايرى أن الإبقاء على الحالة الثورية بمداها الضاغط الكامل هو واجب الوقت، ولكن محاولة التعجيل بالانتخابات على حسب رؤية ترى في ذلك سبيلا لاستقرار سريع ونقل السلطة للمدنيين. ولكن هناك عامل أكثر حضورا في تشكيل هذا المسار وهو جاهزية الإخوان تحديدا لتحصيل مكسب انتخابي معتبر في الانتخابات. الإخوان قد ألزمت نفسها في المرحلة الحرجة للثورة بعدد غير أغلبي من المقاعد وكانت في هذا رسائل للمجلس وللقوى السياسية – وللخارج كذلك- ساهمت بشكل في إنجاح إسقاط مبارك، ولكن بعدها رفع الإخوان سقف المشاركة رسميا – ثم حاولوا توسعتها بشكل غير مباشر عبر الدخول في قاعدة حلف مشترك علني عبر التحالف الانتخابي – أو بشكل مبطن عبر محاولة دعم مستتر لرموز من الحزب الوطني سابقا والذين يتمتعون بدرجة من العصب الاجتماعي والسياسي في الدوائر. ولأن هذا الاتجاه هو اتجاه تفاهمي مع المجلس فقد سعى كذلك إلى تثبيت شرعية المجلس الدستورية عبر الموقف من التعديلات – والواقعية – عبر حديث متكرر عنها ومحاولة تهدئة الأوضاع الثورية الضاغطة. وهذا التفاهم لم يكن بالضرورة ناتجا عن صفقات صريحة كتلك التي عقدت من قبل، ولكن يكفي فيه سياسيا – قراءة متقاربة للمصالح السياسية المشتركة وإشارات بين الطرفين، وهذه الإشارات قد ملأت الفضاء السياسي بشكل واضح منذ تنحية مبارك. وموقف هذا الاتجاه تجاه المباديء فوق الدستورية ـ كان مرتبكا، فهو في الأول تململ منها، ثم ارتأى أنها فرصة لتهدئة التحريش السياسي ضده من القوى المنافسة وأن هذه المباديء تبقى عمومية وليس عليها اعتراض جدي – فصاغ الإخوان مثلا مع الوفد وبقية التحالف – وثيقة لهذه المباديء، وحين أصدر المجلس بيانه العسكري القاضي بضرورة إيجاد مباديء فوق دستورية ثم إنزالها في شكل إعلان دستوري.. وافق الإخوان على هذا بشرط التأكيد على موافقة القوى السياسية أولا عليها (طبعا موقف الدعوة السلفية كان أكثر نضجا حين اشترط بالإضافة لهذا موافقة الشعب عليها كذلك). وأخيرا – أعلن الإخوان رفضهم لها لأنها (تمثل وصاية على الشعب)! وأقدّر أن هناك سببين لهذا التحول في الموقف الإخواني: الأول – والأهم ـ هو شعور بأن المجلس بدأ يتخلى عن السياق التفاهمي بينه وبين الإخوان وهذا ـ لوحده كافٍ لإثارة كل مشاعر القلق والتوجس الإخواني بسبب التجربة التاريخية مع العسكر، وبسبب الإحساس أن هناك أمام المجلس فرصا لعقد تفاهمات مع قوى منافسة – خصوصا وأن هذه القوى استفادت من مشاركتها الحدثيثة في الحالة الثورية لرفع ثمنها السياسي ـ في حين آثر الإخوان التهدئة لصيانة هذا التفاهم مع المجلس. فيبدو أن الجميع الآن الإسلاميين وخصومهم – أدركوا أن النزول للشارع هو الفرصة الأكيدة لرفع هذا الوزن السياسي وما يلحق به من تحصيل مكاسب تفاهمية مع المجلس أو سياسية عامة. والسبب الثاني للقلق الإخواني – هو (بوادر) إدراك متأخر لحقيقة الأمر – أن المجلس لن يسلم السلطة السياسية بتمامها للمدنيين وأن أفضل مايمكنه القيام به هو استنساخ للنموذج التركي – بأن يبقى وصيا سياسيا. والحقيقة أن هذه بديهية سياسية وفي فهم خط الثورة وسبل احتوائها من الأمريكي خصوصا – وكانت سببا مباشرا في تخفيف للقلق الإسرائيلي؛ فمصر ليست دولة هامشية أو في المريخ؛ ولكنها القلب من أكثر مناطق الجفرافيا حرجا استراتيجيا ـ فلا يترك شــــكل نـــظامها الجديد وسياساته للإرادة الشعبية المباشرة – وهذا هو منطق احتواء الثورة بشكل أساس.
أما الاتجاه الثالث – فهو اتجاه يتخوف من سيطرة الإسلاميين – ليس على كتابة الدستور فحسب ولكن على مفاصل النظام السياسي الجديد بشكل عام، ويريد التوسعة لنفسه سياسيا مع علمه بعدم حضوره الشعبي الجاد. وهذا الاتجاه ليس نسيجا واحدا ولكنه عبارة عن مجموعات ليبرالية ويسارية – البعض منها يشترك في الفعاليات الثورية ولكن يبقى العنصر الأهم عندها كذلك هو تمديد المكاسب. الكيانات والنخب التقليدية الإسلامية والليبرالية واليسارية متشابهة في نمط بعينه، هي كيانات إصلاحية وليست تغييرية وهي كيانات البعد الفصائلي عندها يفوق البعد الوطني الجامع، ولهذا فهي تتعامل بنفس المنطق التفاهمي الفئوي الإصلاحي حتى حين تشترك في وسيلة تغييرية وتثورية – أي استخدامها كفرصة في زيادة الوزن السياسي لعقد تفاهمات بشروط أفضل مع النظام وتحصيل مكاسب سياسية أعلى. هذا الأمر فعله الإخوان كثيرا مع النظام السابق – خصوصا في مظاهرات الإصلاح قبل انتخابات 2005، واشتراكهم في جمع توقيعات البرادعي قبل انتخابات 2010، فاستخدام هاتين الوسيلتين (الثوريتين) مثلا لم يكن المقصود الأساسي تغييري ولكن تفاهمي تفاوضي (بزيادة أوراق القوة السياسية وإظهارها) أولا – إصلاحي ثانيا. وقامت به النخب غير الإسلامية حديثا في الفعاليات الثورية، وفهمت اللعبة جيدا، ونجحت بالفعل في فرض نفسها على المجلس كفاعل سياسي معتبر يقبل المجلس في تقديم بعض التنازلات له. هذه النخب ليست صادقة في ثوريتها والدليل هو طرح بعضها – وقبول البعض الآخر – بالدور المستقبلي للمجلس والنموذج التركي – مع أن موقف الاتجاهين الليبرالي واليساري من رفض تدخل العسكر هو موقف حاسم ومبدئي!
أما المليونية القادمة لأجل المباديء التي يقوم بها الإخوان فهي في نفس سياق المناورة السياسية. يقلق الإخوان بشكل أساس من تغير موازنات اللعبة السياسية وتقدم القوى الأخرى في هذا السباق التفاهمي مع المجلس، وبدرجة أخرى خوف مبهم بدأ ينمو تجاه المستقبل السياسي للجماعة (وحزبها التابع) وتجاه سيطرة العسكر على الحكم، والنزول للشارع مجددا يقصد ترميم حدود اللعبة السياسية من جديد.
لكن هل موضوع المباديء بالفعل يستأهل كل هذا؟ أحسب أننا أدركنا أن التقدم والتأخر في ملف المباديء فوق الدستورية ليس مقصودا سياسيا بحد ذاته عند القوى التقليدية ولكنه مؤشر سياسي -عندهم – على الوزن السياسي وبدرجة أقل ـ على المآل السياسي. ولكن هذه القوى كلها أخطأت فهم مسار الثورة ومنطقه التغييري والبنائي ومسار احتوائه- فالقوى الليبرالية لن ترى بأسا في النموذج التركي، والقوى الإسلامية كانت في تفاهم مع المجلس ظهر بجلاء في الاستفتاء وجمعة (الوقيعة) كما أسمتها الإخوان – وضعف قابليتها السياسية وقدرتها على اتخاذ القرار أدخلها في حالة شديدة الارتباك ودخلت في مسار سياسي لا تستطيع التفلت منه كلية ولاتغيير نتائجه بشكل كبير، فقط تلعب الآن على تحسين الشروط. هذه القوى أخطأت تعيين نقطة الارتكاز الأساسية التي يعتمد عليها خط الثورة في النجاح ليضمن تفكيك لمراكز قوى النظام ويستطيع بناء سياسي جامع يضمن حرية حقيقية ـ وهي وضعية المجلس في المرحلة الانتقالية والنظام الجديد لأنه هو قابلة خط احتواء الثورة وإنشاء نظام جديد ولكن تعمل فيه المحددات القديمة في الديمقراطية المقيدة والسياسة العليا الخارجية وفي رأس المال. قصة المباديء فوق الدستورية هي إحدى الوسائل السياسية المتاحة أمام المجلس ليضمن وضعيته تلك، ولكن هناك وسائل أخرى كذلك، منها: التفاهمات والصفقات البينية على ترتيب وضعية معينة للمجلس- حالة الاستقطاب والتحريش التي تدفع القوى للتمسح بالمجلس وطلب دوره رغبة أورهبة – السيطرة العملية عبر صلات من القوة الناعمة تتداخل في المؤسسات الموروثة والناشئة.. خصوصا إذا لم تتسيد قوة بعينها في النظام الجــــديد – والتدخل الخشن لإجهاض التجربة (شبيهة بتحربة 52 والجزائر – وإن بشكل اقل حدة لتغير كثير من الظروف العامة). أعتقد أننا بعد هذا التجوال بدأنا ندرك محنة الثورة المصرية ـ ويمكن القياس على غيرها من الثورات العربية – منذ بدايتها، فهي حالة عفوية ثورية دافقة ولكن دون رأس حقيقي، يتمثل في أهداف تغييرية وبنائية يتم الاتفاق عليها ـ وقيادة استراتيجية تحاول ضبط الحراك الثوري فتصعد وتناور وتفاوض على حسب الظروف وتستطيع بلورة قيادة سياسية لإدارة المرحلة الانتقالية وتهيء فرصا لاستيعاب الزخم الثوري في شكل يتيح له القدرة على الاستدعاء الذاتي إذا جد أمر. والمحنة الثانية في القوى التقليدية السياسية ـ إسلاميين وليبراليين ويسار معدّل ـ بنزعتها التفاهمية والفصائلية الضيقة وبضعف قابليتها السياسية.
وأرى أن الأمل حاضر وحاسم – بإذن الله – ويتمثل في التيار الشعبي الجارف الذي حدثت فيه تغيرات إيجابية في الوعي والوجدان الوطنيين – منذ افتتاح الثورة.. وفي قلب هذه الحالة الشعبية الدافقة تقبع النخب الشبابية الثورية، التي وبالرغم من انتماءاتها المتعددة – إسلاميين /إخوان/ليبرالي/يساري – إلا أنها تتميز على النخب والكيانات والقيادات التقليدية في طهرها الثوري وحرارة انتمائها الوطني وتقديمه على الحساسيات الفصائيلية والمصلحية الضيقة – وكذلك – في قدرتها على التعلم والتطور الذاتي. ماتحتاجه هذه النخب هو أن تعيد تجمعها الذهني والوجداني في إطار وطني ـ كما فعلت أيام يناير -وتنشيء لها شكلا قياديا يعيد تعريف الأولويات الثورية ـ كمنطق تغييري يتمثل في تفكيك مراكز النظام، ومنطق بنائي يتمثل في توافق وطني على عقد اجتماعي تتمثل فيه الأهداف الوطنية الجامعة. في الجزء التغييري – يأتي الضغط على المجلس لتسليم صلاحيات إدارة الشأن السياسي والمدني في المرحلة الانتقالية لحكومة إنقاذ وطني وإعادة تأهيل المؤسسة الأمنية – خصوصا جهاز الأمن الوطني الذي بدأ يسعيد تراث أمن الدولة – وإخضاعها لإشراف قضائي ومدني مباشر. وبالنسبة للمهمة البنائية- فلابد من تحصيل توافق وطني ويكون مستنده وثيقة جامعة تؤكد على مصدرية الشريعة من ناحية وأكدت على صيانة الحريات المدنية والسياسية والدينية من ناحية، والأهم ـ التأكيد على الفصل بين المجلس العسكري وبين القيام بأي دور سياسي في النظام الجديد وبخضوع المؤسسة العسكرية للقيادة السياسية وللرقابة البرلمانية ـ كأي مؤسسة وطنية ـ وإن بشكل يراعي حساسيات الأمن القومي. ‘ باحث مصري في الدراسات الاستراتيجية