تحول الحلفاء تجاه بقاء القذافي نتاج سياسة متهورة وانخفاض سقف توقعاتهم من المقاتلين

حجم الخط
0

لندن ـ ‘القدس العربي’: تتواصل الجهود الدبلوماسية للتوصل لحل للازمة الليبية وسط اشارات من الدول المتحالفة ضد النظام القذافي والتي تتابعت في الاونة الاخيرة من التصريح الاول لرئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبدالجليل الذي سحب تصريحه عندما قال ان القذافي يمكنه البقاء في ليبيا في تخل عن شرط المعارضة خروجه من البلاد ليتم التفاوض مع بقايا نظامه. وعاد عبدالجليل نفسه ومعه الدول الداعمة له وللمعارضة للتصريحات نفسها، وهو ما بدا في التحول البريطاني على لسان رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ومن قبله وزير الخارجية ويليام هيغ، وترتبط الدعوات لانهاء سريع للازمة بعوامل ميدانية ومحلية لها علاقة بطول امد الحملة التي يقودها حلف الناتو من الجو، وعدم قدرة المعارضة المسلحة على احداث تقدم في الميدان ضد القوات الموالية للزعيم معمر القذافي، وعوامل محلية تتعلق بميزانيات التسلح وقدرة الجيش البريطاني على ادارة عملية مكلفة في ليبيا، وقرب الانتخابات الفرنسية مما يعني ان استمرار الحملة يعني تغيرا في موقف الرأي العام من الحرب التي لم تثر اي اهتمام لديه. وينظر الى تغيير في مواقف كل من الحكومتين الاكثر انخراطا ونشاطا في دعم الجهود للاطاحة بنظام القذافي- اعتراف ودعم مسلح وجهود عسكرية جوية- تسليما منهما بالواقع الذي وصلت اليه الحرب التي توصف بانها دخلت افقا مسدودا. كما انه بعد خمسة اشهر من الازمة لا يبدو في الافق ان هناك اية بوادر لانهيار النظام من الداخل. ومن ناحية اخرى فان المعارضة التي تتلقى دعما يوميا ومستمرا من غارات الناتو لم تكن قادرة على التقدم الميداني بل ان النظام يسيطر على اراضي اكثر بنسبة 20 بالمئة مما كان يسيطر عليها بعد بدء الازمة، حسب صحيفة ‘اندبندنت’. وكانت الدول الغربية راغبة مع الدعم الدولي وقرار الامم المتحدة 1973 وتجنيد محكمة جرائم الحرب الدولية لاصدار امر اعتقال بحق القذافي ونجله سيف الاسلام ومدير مخابراته عبدالله السنوسي بحل سريع للازمةـ حيث كان الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي يأمل باعلان الانتصار على القذافي في ذكرى الثورة الفرنسية التي حلت في الرابع عشر من الشهر الحالي، وهذا ما حدا بوزير الدفاع الفرنسي للدعوة الى حل عن طريق المفاوضات. وترك فرنسا وحيدة في موقفها المتشدد، ولكنها اضطرت لتغييره خلال اليومين الماضيين. وكشفت تصريحات الحكومة البريطانية عن ما قالت الاندبندنت عن شكوك او عدم حماس لدى عدد من كبار قادة القوات المسلحة حول الحملة على ليبيا، حيث تساءلوا عن هدفها البعيد واشتكوا انها تشغلهم عن اهتمامهم الرئيسي وهو الحملة في افغانستان، اضافة لخطط الحكومة تقليل النفقات وميزانيات الدفاع. ومع تغير المزاج الدولي على الاقل من ناحية الدول المشاركة فقد ابدى النظام الليبي تشددا بعد ان عرض قبل شهر مفاوضات بدون شروط حيث يطالب بوقف غارات الناتو قبل اي تفاوض مع المعارضة في بنغازي. ولا تعرف كيفية التوصل لحل سلمي للازمة خاصة ان الدول المتحالفة لم تبد اي استعداد لارسال قوات برية لانهاء النظام، كما ان الامم المتحدة التي يقوم مبعوثها الخاص بجولات بين القاهرة وبنغازي وطرابلس اعربت على لسان رئيس عمليات قوات حفظ السلام الين لي روي ان المنظمة الدولية قواتها محدودة العدد، ومن هنا تخشى المعارضة من وصول قوات حفظ سلام افريقية لان معظم الدول الافريقية لا تزال تدعم القذافي. وانعكست الجهود الدبلوماسية على افتتاحيات الصحف التي خصص معظمها افتتاحيات لمناقشة الازمة الليبية، فتحت عنوان ‘وقف اطلاق النار وتفاوض’ قالت ‘اندبندنت’ انه لا يمكن اجبار القذافي على الذهاب الى المنفى بقنبلة، واشارت الى اعتراف كل من باريس ولندن بالواقع الذي يقوم على ان بقاء القذافي في ليبيا مرتبط بقبوله التنحي عن السلطة. ورأت الصحيفة ان التحول مرحب به وان كان متأخرا، وهو اعتراف بالواقع. وتعود وتذكر بان تغير هدف العملية على ليبيا من حماية المدنيين الى تغيير النظام اظهر ان الحملة كلها قامت على تفكير غير واضح لانها قامت على فهم ساذج وهو تداعي النظام الليبي في اللحظة التي تبدأ فيها طائرات الناتو التحليق فوق سماء ليبيا. وتذهب الصحيفة لتعداد قائمة الاخطاء التي وقعت بها الدول الغربية والتي تتركز على عدم منح القذافي خيارا اما الخروج من البلاد او الخروج منها لمواجهة محكمة جرائم الحرب الدولية وبهذا فقد تأكدت ان القذافي سيواصل الحرب حتى النهاية. ومن ناحية اخرى قالت ان كلا من فرنسا وبريطانيا اصبحتا طرفا في حرب اهلية من خلال دعم طرف ضد اخر، فهما دعمتا المعارضة عسكريا ودبلوماسيا على امل ان تتقوى وتزحف نحو طرابلس وهي امال قامت على مبالغة ولم تكن مساعدة. وهي وان انتقدت الحملة الا انها ترى ان الهدف النهائي يجب ان يظل خروج القذافي من السلطة ولكن يجب اولا التوقف عن اطلاق النار ثم الشروع في مفاوضات جدية. وتختم بالقول ان القذافي اظهر قدرة على التمسك بالسلطة على الرغم من 40 غارة جوية عليه يوميا، وكل هذا بسبب سياسة خارجية متهورة.

انعطافة محتومة وبنفس السياق ذهبت الغارديان في افتتاحيتها ‘ انعطافة ليبيا’ وقالت فيها ان المحتوم حصل مشيرة الى التصريحات الاخيرة لكاميرون وتقارنها مع تصريحات سابقة له في شباط/فبراير الماضي. وتقول ان ما قاله امس واليوم يعطي صورة عن ما حدث للحملة في عيون من قاموا باطلاقها- لقد باتت في وضع سيىء. وتحدثت عن العملية التي بدأت بوقف قوات الحكومة من التقدم نحو بنغازي ولكنها وان انقذت المدينة الا ان المقاتلين لم يتقدموا كثيرا ولم يسقط نظام القذافي مثل بيت الورق، كما ان قواته لا تزال تتحرك بسهولة وتقوم بالتقدم وقصف المدن التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة والذين دائما ما يلومون قوات حلف الناتو بعدم القيام بجهود اكثر. وتربط التحول 180 درجة في الموقف البريطاني وتصريحات هيغ التي قالت انها جاءت متزامنة مع زيارة عبدالاله الخطيب الى بنغازي، كما ان حلول رمضان هو دافع اخر للتصريحات ونهاية التفويض الدولي للناتو بمواصلة الهجمات الذي ينتهي في ايلول/سبتمبر. وقالت الصحيفة انه لو كانت الحرب تقترب من نهايتها فان القذافي يستحق التهنئة لانه استطاع النجاة من القصف والحصار، فالنجاة بالنسبة له نصر. وتشير الى تفاهم اسطنبول الاخير الذي تم فيه الاتفاق على ان القصف يتوقف حالة تخلي القذافي عن مسؤولياته المدنية والعسكرية ثم تبدأ مرحلة انشاء حكومة مصالحة وطنية من اجل انتخاب قيادة جديدة التي ستقرر مصير القذافي وعائلته، كل هذه الامور لم تأخذ بعين الاعتبار موقف القذافي نفسه الذي تنازل عن السلطة ورهن مصيره بمن اطاحوا به وعليه فانه لن يتزحزح عن مواقفه. وتعتقد ان التحول الامريكي والبريطاني والفرنسي لن تكون الاخيرة. على خلاف اللهجة الانتقادية التي وردت في افتتاحيتي ‘اندبندنت’ و’الغارديان’ فقد تميزت ‘التايمز’ التي وضعت على عاتقها مهمة تغيير النظام الليبي دعت الى مواصلة القتال والقصف حتى يتم انهاء النظام، ففي افتتاحية ‘لا حل سريعا’ جاء فيها ان الحديث عن بقاء القذافي في ليبيا هو تحويلة وعلينا المواصلة في المهمة. وتقول ان الربيع العربي تحول لصيف ويقترب من الخريف ولا يزال القذافي رئيسا لليبيا غير موحدة. ووصفت احاديث بقاءه في البلاد انها احاديث لا تنجح في فحص الضغط النفسي. وتتساءل هل هناك مجال لتخيل سيناريو يبقى فيه رئيس متقلب في البلاد وهو يراقب التحول الديمقراطي في البلاد وبدون ان يتدخل او يظل صامتا، وتقول ان هذا لن يحدث لانه لن تمر ايام قليلة على الحكومة الديمقراطية الا وتطالبه بمواجهة ما فعل في الماضي ‘نعرف هذا والعقيد يعرفه’. وتفهم من تصريحات هيغ انها محاولة لاظهار ان القذافي لن يتدخل في املاء شروط الحل السياسي، ولكنها تقول ان ما يجري في ليبيا هو ثورة ويجب ان لا يكون مشروطا بحلول قصيرة الامد. وفي اشارتها الى الحملة العسكرية ودخولها شهرها الخامس وعدم قدرة المعارضة وخطأ تقديرات الاستخبارات من ان نظام القذافي يتداعى كل هذا يطرح مجموعة من الاسئلة الصعبة تتعلق بتخفيض الميزانيات العسكرية البريطانية مما يقيد الجيش على تمويل حرب مكلفة، كما ان هناك تعقيدات دبلوماسية. وتقول ان لا احد قال ان بريطانيا ليست مع الحل السلمي، مشيرة الى ان عبدالاله الخطيب الذي يقوم برحلات مكوكية بين بنغازي وطرابلس والقاهرة ‘ويزيد من عدد امياله للحصول على تذكرة مجانية’ ولاقناع الاطراف بالحوار قد يثمر بنتيجة وهو ما تأمله الصحيفة لكنها تقول ان لا احد اقترح منذ البداية ان العملية سهلة او تنتهي بحلول رمضان. وتختم بالقول ان من يناقشون ضد استمرار عمليات الناتو لا يملكون حلا لانهاء الازمة. وترى ان وقف الغارات سيعطي قوات القذافي الفرصة للتحرك وضرب قوات المعارضة مما يعني تقسيما دائما للبلاد. وتقول ان الامل الوحيد الباقي هو تآكل قدرات النظام القمعية تظل الاستراتيجية الافضل لاخراج القذافي من السلطة. ولاحظ جوناثان ستيل في مقال في الغارديان تحت عنوان حان الوقت لاقناع القذافي التنحي بدلا من اجباره بالقوة ان بريطانيا وفرنسا يظهر انهما وافقتا على خط الاتحاد الافريقي الذي دعا في خطة له للحوار والحل السلمي، وكانت الدول المتحالفة ومعها المعارضة قد رفضت الخطة وهمشتها. ويقول ان التحول البريطاني ـ الفرنسي يعتبر ضربة لجهود لوي مورينو اوكامبو الذي اندفع بعد اندلاع الحرب لاصدار امر اعتقال، وهذا سيعقد المفاوضات. واضاف ان اوكامبو شوه سمعته عندما ضمن في الامر ان اتهامات للقذافي بانه امر اغتصاب نساء ليبيات وهو ما انتقدته منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش. مع ان هيغ تحدث ‘مزبدا’ كما يقول الكاتب ان الامر تذكير بان جرائم النظام لن تذهب بدون عقاب. ويرى ان الامر اذا صدر فلا يمكن سحبه بدون التأثير على مصداقية اوكامبو، لكن المخرج منه هو ان ليبيا لم توقع على ميثاق المحكمة ولهذا فانه لن يتم الاصرار على القاء القبض عليه خاصة ان القذافي لن يكون قادرا على السفر للخارج. ويضيف الكاتب ان المعارضة حققت انجازات خلال الاسابيع الماضية في مجال العلاقات العامة اكثر مما حققه مقاتلوها في الميدان حيث دخلت الحرب طريقا مسدودا، مشيرا الى تصريحات الجنرال الامريكي مايك مولين الذي لام الناتو على هذا الوضع. ويقول ان التغير في الموقف الامريكي يظهر انه لم تعد لديها شهية للدخول في حرب ثالثة، اضافة للمصاعب الاقتصادية كما ان ايطاليا التي كانت من صقور الحرب قررت تخفيض مشاركتها لاسباب تتعلق بالميزانية. ويقول ان الطريق الان بدا واضحا حيث يجب ان يتم التوصل لوقف اطلاق النار بشكل يسمح للمساعدات الانسانية لطرابلس والمدن الخاضعة للحكومة، وتفاوض يقوده وسطاء من الامم المتحدة يؤدي الى حكومة تشارك فيها كل الاطراف. وقد ابدى القذافي رغبة انه لن يكون في الحوار ويجب التأكد من وعوده. ويرى انه لو تمسكت المعارضة برحيل القذافي قبل وقف اطلاق النار فان هذا سيدمر كل شيء. ويعتقد ان وقف اطلاق النار هو خيار افضل لحماية المدنيين مشيرا الى ان دعوة بان كي مون امين عام الامم المتحدة تم تجاهلها من الدول الغربية لانه رجل غير قوي، كما ان الناتو لا يريد ان يظهر بمظهر المهزوم ويظل يؤكد على ان القذافي لا يمكن الثقة به وعليه فان وقف اطلاق النار لا معنى له. ويشير الى ان المعارضة نفسها منقسمة حول وقف اطلاق النار بين مؤيد ومعارض. ويختم بالقول ان اهم الاخطاء في الازمات الدولية هي ‘شخصنة’ النزاع بين رجل قوي وشعب، والازمة في ليبيا اعقد من هذاـ فهي عن الحداثة والدستور وتوزيع السلطة، ودور القبيلة، وطالما لم يكن العفو جزءا من الحل فان الكثيرين في العاصمة سيرفضون القاء السلاح ومواجهة المعارضة، فيما يخشى سكان طرابلس الانتقام منهم حالة وصل المقاتلون اليها. ويذكر بعمليات اجتثاث البعث التي كانت مثالا سيئا. ويعتقد في النهاية ان تفاوضا لحل الازمة هو الخيار الافضل بدلا من محاولة كسر جمود الحرب بحرب جديدة. ويطالب الحلفاء باقناع المعارضة القبول بوقف اطلاق النار ثم تسليم الملف للامم المتحدة مشيرا ان رمضان يقدم حافزا لوقف كل الاعمال القتالية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية