مشاريع تطوير حارة الدرب الأحمر وترميم السور الأيوبي بالقاهرة

حجم الخط
0

برنامج الآغاخان لدعم العمارة: الممول والبنّاء وبرنامج تطوير المدن التاريخيةد. وليد أحمد السيدانطلق برنامج تطوير المدن التاريخية عام 1991 كفرع من منظمة الآغاخان للثقافة، والذي كان لغاية العام 2006 تحت إشراف ‘ستيفانو بيانكا’ ويديره الآن ‘كاميرون باشتي’. وتظهر المشاريع التي تم إنجازها في تلك الفترة تحت هذا البرنامج مدى النجاح في تطوير والمحافظة على الكثير من المناطق المهمة في مدن تاريخية على امتداد العالم الإسلامي. ومن هذه المشاريع مشروعات حارة الدرب الأحمر وترميم السور الأيوبي، وتطوير حديقة الأزهر بالقاهرة. وهذا البرنامج المتميز للآغاخان يضم العديد من المشروعات ذات الطابع الحفاظي ومشاريع الترميم واعادة التأهيل لتطويع الإستخدام للكثير من المناطق والأحياء بهدف تطوير المدن التاريخية ذاتها كهدف أشمل لتكامل المناطق المحلية بالمدينة التاريخية. مشروع تطوير المدن التاريخية يركز على إدارة وصيانة المشاريع الحفاظية ومشروعات الترميم للمحافظة على ديمومة المباني والعمل على حيويتها ذاتيا بعد استكمال عملية التطوير. وبالإضافة لذلك يسعى البرنامج لرفع قيمة المناطق المحيطة بالمباني التاريخية في المدن الإسلامية بما فيها مناطق الإسكان، والفعاليات الإجتماعية والمناطق العامة المفتوحة. وبالإضافة للبعد المعماري والإجتماعي للبرنامج فإنه يستهدف البعد الإقتصادي بمضمونه الإجتماعي، كما يرفع من درجة الوعي الإجتماعي المحلي بأهمية المشروع وأهدافه وآثاره على المحيط المحلي. ولغاية إصدار الكتاب عام 2007 فقد اندرج ضمن اهتمامات البرنامج العديد من المدن التاريخية ومناطق ضمنها في شمال الباكستان، القاهرة، زانجبار، سمرقند، دلهي، حلب وبعض المناطق في سوريا، وفي كابول وغيرها.

الكتاب الذي صدر عن دار (PRESTEL) للنشر والذي يدرج هذه المشروعات وبرنامج تطوير المدن التاريخية، يقسم لعدة أقسام حيث يبدأ في القسم الأول منه بمقدمة حول البنّاء والممول ويتطرق في قسم ثان لعملية التغيير في مقابلة مع سمو الأمير صدر الدين آغاخان. في القسم الثالث يستعرض المشاريع التي فازت بالجائزة من عام 1977 وحتى عام 2007 سنة صدور الكتاب. في القسم الرابع يستعرض برنامج الآغاخان للمدن التاريخية والذي نحن بصدد مراجعة بعض المشاريع به. وفي القسم الخامس يستعرض برنامج الآغاخان للعمارة الإسلامية وموقع (Archnet.org) وبعض المعروضات لمجموعة ملفات الشرق الأوسط في مكتبة جامعة هارفارد، ويتطرق في نفس القسم لمراجعة سريعة عن أساتذة برنامج الآغاخان للعمارة ومنهم البروفسور ناصر الرباط حيث التحق بجامعة (MIT) منذ العام 1991. كما التحق مؤخرا عام 2002 البروفسور (هاشم سركيس) كأول أستاذ كرسي الآغاخان لعمارة تنسيق المواقع والتطوير الحضري في المجتمعات الإسلامية، وهو من أصل لبناني. وفي القسم السادس يتطرق الكتاب لأولوية التعليم والأكاديميات التي أنشأتها مؤسسة الآغاخان حول العالم ومنها جامعة الآغاخان في كراتشي بالباكستان، وجامعة وسط آسيا في طاجكستان، وأخرى منتشرة حول العالم. في القسم السابع يتطرق الكتاب للمراكز الإسماعيلية في لندن وكندا ولشبونة بالبرتغال وداشنبي بطاجكستان وفي دبي بالإمارات العربية المتحدة. وفي القسم الثامن والأخير يتطرق لموضوع تحديات التعددية والمشاريع في كندا حيث يعرض الكتاب مشروع هيئة الإمامة الإسماعيلية في اوتاوا بكندا، والمركز الإسماعيلي في كندا، ومتحف الآغاخان في تورنتو بكندا، وحدائق مركز الإسماعيلي بكندا ومتحفها. وفيما يلي مشروعين من أهم مشروعات الترميم ضمن هذا البرنامج.

مشروعات حارة الدرب الأحمر القاهرة مصرمعماري المشروعالمخطط: منظمة الآغاخان للثقافة، خدمات الآغاخان للثقافةالممول: منظمة الآغاخان للثقافة، صندوق التمويل الإجتماعي المصري، وصندوق التطوير المصري السويسري، مؤسسة فورد، صندوق المنشآت العالمي، وزارة الخارجية الإيطالية، وكالة الآغاخان للتمويل المحدود، وزارة الخارجية الأمريكية.

المالك: وزارة الأوقاف المصريةتاريخ بدء المشروع: عام 2000تاريخ انتهاء المشروع: ما يزال العمل جاريامجموعة المشروعات التي تقوم بها منظمة الآغاخان في منطقة الدرب الأحمر بالقاهرة تقع بالقرب من السور الأيوبي وحديقة الأزهر، وهذه المشروعات تتضمن مشاريع اجتماعية منها إسكانية وإعادة تأهيل وتوطين وفعاليات طبية وإعادة تأهيل مجموعة مساجد وقصور قديمة وبيوت تقليدية وفضاءات عامة، بهدف جعل الوصول وزيارتها سهلا ومتاحا من قبل المجتمع المحلي والزوار.

من أهم هذه المشروعات هو مسجد خايربيك الذي يعود للقرن السادس عشر الميلادي، والذي يحيط به سبيل وكتّاب وبيت يعود للقرن الثامن عشر الميلادي، وكذلك قصر الين آق، ومسجد أم السلطان شعبان، ومدرسة وساحة آصلام. وإعادة تأهيل المنازل التقليدية التي تقوم بها منظمة الآغاخان للثقافة في تلك المنطقة يبلغ معدلها حوالي 50 بالسنة منذ العام 2007، كما تم تقديم برنامج قرض للمجتمع المحلي لإعادة تأهيل بيوتهم.

ويشير ستيفانو بينكا، المدير السابق لبرنامج تطوير المدن التقليدية في منظمة الآغاخان لطبيعة البرنامج في منطقة الدرب الأحمر بالقاهرة من خلال سبع أولويات أساسية على النحو التالي: أولا التحليل المعماري: وذلك بمسح ودراسة وتحليل النمط العمراني والنسيج الحضري الذي تطور على مدى عدة قرون، بهدف توثيقه وإعادة تفسيره لإنتاج إطار مناسب ليس فقط في عملية الحفاظ المعماري ولكن من أجل عملية الترميم وتوفير استبدال العناصر التالفة حين الضرورة. ثانيا تكنولوجيا التخطيط المناسبة: بتوفير وسائل حديثة للبنى التحتية وتطويع الأدوات والتكنولوجيا المتوفرة الحالية لتوفير وسائل ديمومة ومعالجة معاصرة بدون الإخلال بمعالم الشكل الحضري التاريخي. ثالثا تطوير ظروف السكن: بتوفير مصادر المياة النظيفة والتخلص من المياه العادمة وتوفير شبكات الكهرباء من خلال الشبكات الملائمة للشكل الحضري وطبيعة نماذج الإسكان والبيوت التاريخية. رابعا – تطوير الفضاءات العامة الخارجية: وغالبا ما تعاني هذه الفضاءات الحضرية من الإهمال لأنه ينظر لها أحيانا على أنها فضاءات زائدة أو تابعة للفضاءات الخاصة الأخرى وهذه تشمل الشوارع والساحات. وبهدف إيجاد نوع من الإحساس بالملكية والمسؤولية الجماعية ورفع الوعي بقيمة هذه الفضاءات لدي المجتمع المحلي يمكن تطوير هذه الشبكة الحضرية من الفضاءات العامة. خامسا الحفاظ التاريخي وإعادة التأهيل للإستخدام للمباني التاريخية: في غياب التمويل اللازم قد لا تتوافر الفرصة لترميم أو الحفاظ على بعض المباني التاريخية، ومن هنا تكمن أهمية رفع الوعي العام بأهمية مشاريع الحفاظ كعامل فاعل ومؤثر في عملية الحفاظ الحضرية وعملية التأهيل وإعادة الإستخدام. سادسا التطوير الإجتماعي الإقتصادي: رفع مستوى المعيشة الحالي للمجتمع المحلي مهم جدا لرفد عملية الحفاظ والترميم وإعادة الإستخدام ووقوف المجتمع المحلي خلف هذه العمليات ودعمها. سابعا الدعم المؤسسي: ضرورة تطوير نظام مؤسسي محلي، أو تقوية نظام قائم حالي، من أجل التنسيق وتوجيه ودعم عمليات وجهود إعادة التأهيل والحفاظ والإستفادة من الموارد المحلية والدعم الخارجي والحوافز العالمية.

وبالرغم من أن منطقة الدرب الأحمر كانت ممرا للمهربين وتجارة المخدرات إلا أنها منطقة اجتماعية يتواصل بها بالنسب أكثر من 200 ألف نسمة نسبة العمل بها لا بأس بها وأعلى من الإحصاءات الرسمية. وتشير الإحصاءات التي قامت بها منظمة الآغاخان أن نسبة 72 ‘ من قاطني حارة الدرب الأحمر ولدوا بها، ولا يتجاوز عدد من ولدوا خارجها أكثر من 7 ‘. أما نسبة الأمية بها فتبلغ 19 ‘ وهي أقل من مثيلاتها من المناطق الحضرية حيث يبلغ المعدل في بقية المناطق الحضرية المصرية حوالي 26 ‘. وقبل افتتاح حديقة الأزهر المجاورة كان معدل بطالة الذكور فيها حوالي 18 ‘. أما معدل دخل الأسرة السنوي 1052 دولارا، وهو أقل من معدلها في القاهرة ويبلغ حوالي 2570 دولارا حسب إحصائيات 1993. وتشير منظمة الآغاخان أن مشروع حديقة الأزهر كان بمثابة جسر مهم للتفاعلات الإجتماعية والإقتصادية والتطور الثقافي لمنطقة الدرب الأحمر. وهذه المشروعات للحفاظ وإعادة التأهيل والتطوير التي جرت في المشروعات داخل وبمحاذاة حارة الدرب الأحمر تركت بلا شك آثارا إيجابية اجتماعية واقتصادية في قلب المنطقة وقلب مدينة القاهرة على حد سواء.

مشروع ترميم السور الأيوبي القاهرة مصرمعماري المشروعالمخطط: منظمة الآغاخان للثقافة، خدمات الآغاخان للثقافةالممول: منظمة الآغاخان للثقافةالمالك: المجلس المصري الأعلى للآثارتاريخ بدء المشروع: عام 1999 تاريخ انتهاء المشروع: عام 2007بناء السور الأيوبي جرى عام 1176 على يد القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، وهو كردي من قبيلة أيوب حين قدم للقاهرة فاتحا من سوريا وأطاح بالخلافة الفاطمية عام 1171 ميلادية. والأسوار التي بناها صلاح الدين هدفت لحماية القاهرة، وقلعته ومستوطنات ما قبل الخلافة الفاطمية (الفسطاط، والعسكر والقطائع) من خلال سور حماية كبير وواسع يشملها جميعا. ومع توسع المدينة تاريخيا فقد خرجت حدودها خارج الأسوار وفقد السور قيمته الوظيفية، وتحولت المناطق المحيطة بالسور لمكبات للنفايات والمهملات مع مرور الزمن، وذلك قبل المشروع الحديث الذي قامت به منظمة الآغاخان في حديقة الأزهر، ومشروعات تطوير حارة الدرب الأحمر المحاذية للسور الأيوبي.

وبمرور الزمن فقد السور بعضا من أجزاءه للحارة المجاورة التي التصقت به في بعض المواضع وتم استعمال أجزاء من حجارته للبناء. وبالرغم من أن مشروع ترميم السور وإعادة بناء ما تهدم منه لم يكن جزءا من مشروع حديقة الأزهر إلا أنه مع تقدم العمل بالمشروع كان لا بد من ترميم السور كجزء من عملية التطوير الشاملة للمنطقة برمتها بما فيها حارة الدرب الأحمر المجاورة. على طول حوالي 1500 مترا بدءا من باب الوزير وحتى شارع الأزهر تقع المنطقة المحاذية لحارة الدرب الأحمر شكلت مشروع ترميم السور الأيوبي. وكانت قواعد التدخل بترميم السور وضوابط العمل على الجزء الشرقي من السور بالنسبة لمنظمة الآغاخان منسجمة مع ميثاقيات الحفاظ العالمية واحترام حساسية السور وأهميته التاريخية بضمان التدخل الواعي الدقيق دون تغيير ملحوظ في عملية الترميم. وهذه الضوابط تضمنت عملية إعادة تكامل السور مع الحد الأدنى من التدخل في شكله وتشكيله. فالمشروع انضبط بأهمية السور التاريخية وحساسية المنطقة وتراكماتها الزمنية لضمان استمرارية التاريخ وحضوره ضمن الوسط التاريخي للمدينة والمنطقة. وكانت فلسفة الحفاظ معبرة عن التكامل بين التاريخ المعماري للسور الأيوبي مع المنطقة والنسيج الحضري وكذلك مع حارة الدرب الأحمر مع مراعاة توفير مساحات للسياحة والتجول وتكاملها مع حديقة الأزهر.

من البدائل التي روعيت كانت دراسة إزالة العشوائيات المحيطة بالسور وإحلال متحف مفتوح حول السور لتشجيع السياحة. وكان هناك جهد كبير في تكامل المنشآت وبعض الأجزاء المدفونة من السور مع الحياة المحيطة في حارة الدرب الأحمر، وهذا تم من خلال التفاعل الحسي مع أجزاء من حديقة الأزهر من جهة ومن خلال ترميم بعض أجزاء المباني المحيطة بالسور الأيوبي من جهة حارة الدرب الأحمر. وتضمن المشروع، بدلا من ترحيل المجتمع المحلي المجاور للسور، إعادة تأهيل الحرف التقليدية اليدوية بمشاركة المجتمع المحلي والكفاءات المتوفرة فيه وتشجيعها.

وبدلا من أن يكون السور الأيوبي المحصور بين حديقة الأزهر وبين حارة الدرب عاملا على الفصل بينهما، فقد كانت رؤية منظمة الآغاخان ومن خلال برنامج تطوير المدن التاريخية التي تولت المشروع بأن يعمل السور كعامل ربط فيزيائي ووظيفي في بعض أجزاءه وعلى امتداده ليربط حديقة الأزهر بمجتمع الدرب الأحمر ويتيح التكامل بين المشروعات الثلاثة التي تولت تنفيذها والتخطيط لها بنجاح غير مسبوق منظمة الآغاخان للثقافة.

عن كتاب (Under the Eaves of Architecture: The Aga Khan: Builder and Patron)تحرير: فيليب جوديديوالناشر: دار (PRESTEL) في London، Munich، Berlin، New York 2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية