توفيق رباحيـ كثر الحديث عن سقطة الإعلام الغربي في امتحان ‘مذبحة أوسلو’ عندما سارع بعضه الى اتهام المسلمين المتشددين علنا (ومن ورائهم جميع المسلمين) بالوقوف وراء تلك المذبحة الشنيعة حتى قبل أن تنجلي الخيوط الأولى لما حدث.
اللوم هذه المرة جاء من الإعلام الغربي الذي رأى أن قسما منه تسرع في إصدار احكام لا تفعل غير صب المزيد من الزيت على نار متقدة منذ سنوات.
يجب التنديد بالأحكام المسبقة النائمة في أذهان كثير من الناس، خصوصا عندما يتعلق الأمر بثقافات وديانات ومعتقدات. لكن يجب أن نوجه الشكر الى تنظيم ‘القاعدة’ ومن انتسبوا إليه ودافعوا عنه وبرروا جرائمه ونقول لهم: جزاكم الله عنا كل خير! بعد سنوات من ‘الجهاد’ قتلتم نصف المسلمين، ومن لم تقتلوهم وصمتموهم بوصمات عار تلاحقهم وتلاحق أولادهم وأحفادهم. فلولا ‘جهاد’ هذا التنظيم لمَا تسرع الغربيون، بمتشدديهم ومعتدليهم، الى القول إن إسلاميين أو مسلمين هم ‘ربما’ من نفّذ مذبحة أوسلو، أو الإدعاء بأن الجريمة المزدوجة تحمل بصمات تنظيم إسلامي متشدد.
من يجب أن نلوم إذنْ؟ وعلى عاتق من تقع مسؤولية تصحيح هذه الأحكام الجاهزة التي ترقى الى صنف الخطايا؟
بصراحة وصدق، لا اللوم ينفع ولا الصفح يجدي. لا أثق في محاولات إصلاح ما أفسده هؤلاء وأولئك. بل إني متشائم الى أبعد الحدود وأخشى أن القادم أسوأ قد يكون حربا أهلية عالمية طويلة الأمد أسبابها دينية وعقائدية وثقافية. لا أتمنى هذه الحرب لأن وقوعها يعني أن أولادنا وأحفادنا هم من سيكون وقودها، لكن واقع الأمر لا يبشّر بخير ولا يدعو للتفاؤل. والخوف الأكبر هو من ‘النهر النائم’.. هؤلاء المتطرفون الحاقدون الذين يفضلون البقاء صامتين طالما لم يُدفعوا للمجاهرة بما يشعرون. وهم كُثر في الجهتين مع الأسف، ولا يساوي شيء عدد المنفتحين المتسامحين مقارنة بهم. في انتظار هذه الحرب، علينا جميعا أن نتعلم العيش مع الخوف والتوجس والحذر وأن الآخر متهم (يضمر لي الشر) حتى يثبت العكس.
واهم ونص!
ـ راسلني قارئ، يبدو أنه سوري، الأسبوع الماضي لافتا انتباهي الى ابتهاج قناة ‘العربية’ بمقابلتها مع بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي، و’الجزيرة’، كما قال، بمقابلتها مع قائد أركان الجيش الاسرائيلي بخصوص باخرة ‘الكرامة’ التي كانت تنقل مساعدات الى قطاع غزة ومنعت من الوصول اليها.
ثم سأل القارئ هل يحق لنا تخيّل إحدى القناتين تجري مقابلة مع الرئيس السوري بشار الأسد الرئيس و’الاستماع لما يقوله والإنصات لتحليله للوقائع والوقيعات؟’. ويجيب نفسه: لا بد أنني واهم!
وأنا أقول نعم واهم ونص و25. ليس لأن أي قناة فضائية قد تتعفف عن اجراء وبث مقابلة مع الرئيس بشار الأسد في هذه الأيام العصيبة من عمره (ولا أعرف طلبت إحدى هذه المحطتين مقابلة الأسد ورفض، أم أنهما امتنعتا ادراكا منهما أنه سيرفض أصلا)، بل نظرا لمشكلة تتعلق بالتركيبة الذهنية العربية في مثل الظروف التي تمر بها سورية.
هذه المشكلة ‘التركيبية/الهيكلية’ تتجلى في كون العربي يحتقر، مبدئيا، ما هو عربي ويتهرب منه. وتكبر هذه الصورة لتتضح أكثر إذا تعلق الأمر بمسؤول عربي في يده مفاتيح القرارات ومصائر الناس والبلدان. بوضوح أكثر: القادة العرب يعتقدون أن الإعلام العربي مأجور والمحلي منحور! لا يثقون في الأول ويحتقرون الثاني لأنه، في نظرهم، موجود لتبجيلهم أصلا. لهذا بقي واحد أحد اسمه الإعلام الغربي النصراني الذي يصبح المحبوب المفضل.
هناك أيضا عقدة الخواجة عند هؤلاء الناس. لن أخوض في تفاصيل ووقائع، أستطيع أن أجزم أن لكثير من صحافيي السياسة العرب وفي البلدان العربية قصصا مع المسؤولين العرب، وشهادات عن تفضيل زميل لهم ‘أبو عيون زرق’ بينما هم يقفون في بوابات المكاتب والقصور الرئاسية أو في غرف الفنادق ينتظرون اتصالا لا يأتي من مكتب فخامته أو جلالته.
أستثني هنا طبعا مداحي القصور من صحافيي البلاط في إعلام عربي معروف، وهؤلاء لا ينظر إليهم جلالته أو فخامته أو سموه على أنهم صحافيون بل ‘ملمّعون’ يحملون أدوات تلميع بدل أقلام وأوراق أو ‘لابتوب’ ويتلقون مقابل ذلك هدايا ومكرمات لا عين رأت ولا أذن سمعت.
هذا هو حال الرؤساء العرب اليوم. عندما يريدون مخاطبة شعوبهم، يتجهون الى العواصم الغربية، كل حسب علاقاته وعشقه. في كل الأحوال هي ثلاث عواصم، باريس لجماعة شمال افريقيا، لندن وواشنطن لجماعة الشرق والخليج.
يدلون بمقابلات باللغة الأجنبية ثم تتولى وكالات الأنباء والاذاعات المحلية التنقيح والمكياج والترجمة، وفي أحيان كثيرة قول ما لم يقله فخامته أو سموه صراحة.
لهذا السبب واهم من ينتظر أن يشاهد الأسد الابن يتحدث في قناة تلفزية عربية هذه الأيام.
النوم في العسلـ يوم الثلاثاء وقعت أسوأ كارثة جوية في تاريخ المغرب بسقوط طائرة عسكرية راح ضحيتها 80 راكبا. حدث ذلك في ساعة مبكرة من الصباح فانتصف النهار وكانت التلفزيونات المغربية ما تزال نائمة في العسل. حتى ‘ميدي1 تي في’ التي كانت محطة محترمة (تقريبا) ثم أصبحت هجينا يصعب تعريفه، أوشكت أن تنهي نشرة أخبارها في منتصف النهار دون كلمة واحدة عن الكارثة.
لا لوم على أحد ولست بصدد المقارنة، فالمحطات المحلية أثبتت تميزها وابداعها في مثل هذه الأحداث وليست المغربية استثناء. فلو حدثت الكارثة بالجزائر أو تونس أو مصر أو الأردن أو الكويت، لكان التصرف مشابها تماما طالما هي مدرسة سياسية وإعلامية واحدة، وتركيبة ذهنية واحدة كذلك.
آنذاك كانت المحطات الأخرى تبث أخبارا عاجلة وتحاول ألاّ يفوتها الحدث (هذا هو بيت القصيد في هذا الكلام). غير أن هذه المحاولات اصطدمت بتقليد مهني كثيرا ما يصادفه المهتمون بالتغطيات التلفزيونية، هو قلة المصادر وشح المعلومة عند المتوفر منها، ثم قلة اطلاع المذيع المكلف بمتابعة الحدث على موضوع واشخاص لا يعرفهم. مثلا، اتصلت الفضائيات العربية بأكثر من شخص بالرباط. يوجه مذيع ‘العربية’ أسئلة عن معلومات وتفاصيل الى صحافي ليس بحوزته معلومات (كون التلفزيونات المغربية نائمة في العسل والمصادر الأخرى غير دقيقة وبعيدة عن مكان الحدث)، فيرد المتحدث بكلام عام يشبه تماما ما شاهده وسمعه على الفضائية نفسها، فيعيد المذيع ويسأل وهو لا يعرف أين تقع كلميم (مسرح الكارثة الجوية) وغير متأكد هل الطائرة هي شحن أم قتالية، فيرد المتحدث من هناك بالرباط بمعلومات كان المشاهد المتابع قد سمعها قبل ساعتين.
هكذا أضعت نحو ساعتين من عمري متابعا تغطية لم تعطني معلومة واحدة، لا من الاستديو ولا من المتحدثين من الرباط.
وحتى أعيد لقيصر ما لقيصر، يجب القول إن اللوم لا يقع على المذيع أو على المتحدث من الرباط (حتى لو كان صحافيا) بل على الطائرة التي سقطت بمنطقة تبعد 800 كلم عن الرباط بينما كان يجب أن تسقط في ساحة مقهى الباليما أو ميدان ‘حسان’ بالرباط.
تابعت مرة في القناة الرابعة البريطانية تحقيقا ممتعا عن المراسلين ومصاعب عملهم وعلاقتهم بالمذيعين في الاستوديو. قال أحدهم وقد صال وجال في كل مكان سقطت به قطرة دم بالعالم: ‘أكره ما أكره أن أمضي عشر دقائق أو أكثر أجتهد للحديث من مكان مظلم أو ممطر أو خطير الى مذيع في استوديو مكيف ومضاء، ثم ما أن أصمت يسألني: وها هي آخر التطورات عندك؟ ما يوحي أنه لم يكن يستمع إليّ أو لا يعرف عمّاذا كنت أتحدث أو لم يستوعب ان لا معلومات لديّ لكنها غير متاحة!’. وعشر دقائق تلفزيونية تساوي دهرا خارجها، خصوصا عند من ليس لديه ما يقول أو لا يعرف الكثير عمّا هو مطالب به.
في هذا النوع من التغطيات المباشرة الصعبة، وينسحب هذا على الفضائيات العربية، أنصح المذيعين والمذيعات أن يقولوا لمن يتحدث إليهم في الجهة الأخرى وليس في حوزته معلومات دقيقة (يتضح ذلك بسهولة من أول جملتين) أن يتجنبوا طرح الأسئلة المباشرة والدقيقة. يستطيعون، مثلا، أن يقولوا: ‘توفيق بوعشرين ـ أو علي أنزلا ـ عندك ثلاث دقائق عبئها لنا بالكلام وسأعود إليك بعدها’. وعندما ينتهي المتحدث يعود المذيع الى المتحدث ويزيده دقيقتين. ثم مرة ثالثة إذا بقي فيه نفس يسأله: هل لديك أقوال أخرى تريد اضافتها؟ هكذا يُرفع الحرج على هذا وذاك وكفى الله المؤمنين شر الكلام.
كاتب صحافي من أسرة ‘القدس العربي’[email protected]