مصر الثورة: إياكم وإحتقار المصريين أو إستغفالهم مرة أخرى

حجم الخط
0

شحاتة عوضكان من أبرز ملامح النظام البائد في مصر هو إظهاره قدرا هائلا من الاحتقار والازدراء بل والكراهية تجاه الغالبية الساحقة من الشعب المصري والشعور بان هذا الشعب المبدع عبء يثقل كاهله بمشاكله وهمومه واوجاعه. وبدا من تصريحات ومواقف الديكتاتور السابق وأركان حكمه أنه يتمنى لو أنه ورث هذا الوطن أرضا بلا شعب يفوق تعداده الثمانين مليونا.

وبدلا من أن يدرك هذا الرئيس الذي إدار الوطن بمنطق الموظف بائس الخيال عديم الارداة أو الرؤية، أن أهم ثروة يملكها هذا البلد هي ثروته البشرية التي لو أحسن استغلالها فانه ستكون الرافعة لاي نهضة أو تقدم، وعوض أن يستلهم تجارب دول حققت معجزات اقتصادية وتنموية وهي لا تملك سوى البشر مثل اليابان وماليزيا والصين، بدلا من ذلك فانه كان في كثير من خطاباته يمن على المصريين أنه يحكمهم ويعايرهم بكثرة الانجاب وانه لا يدري من أين له أن يوفر لهم احتياجاتهم المتزايدة من الخبز.. ووصل الامر بالرئيس المخلوع في أحد المرات أنه لام الفلاح المصري لانه يضع قدرا أكثر من اللازم في كوب الشاي الذي يشربه وهو ما تسبب في أزمة في اسعار السكر.

وقد أخذ هذا السلوك الاحتقاري من قبل نظام مبارك تجاه شعب مصر مستويات متعددة تجاوزت مجرد التبرم أو الضيق بهموم المصريين ومشاكلهم وحاجاتهم، ليصل الأمر حد الكراهية وربما الرغبة في التخلص من الغالبية العظمى منهم وهم فقراء وبسطاء هذا البلد، وتنظيف البلد منهم والابقاء فقط على نسبة محددة من الاغنياء والمستورين الذين لا يشكلون عبئا ولا / وجع دماغ / للرئيس واسرته وحاشيته وبما يمهد الطريق أمام الوريث الى حكم بلد جميل قليل العدد قليل المشاكل.

ولانه أدرك أن التخلص من غالبية المصريين هدف يبدو مستحيلا، ما لم تحدث لا قدر الله، كارثة طبيعية تحصد ارواحهم وتريحه منهم، فان الرئيس المخلوع ونظامه بدأ يتصرف وكأن هذا الغالبية غير موجودة أصلا على أرض مصر وبالتالي لا حاجة للتعامل معها أو مع مشاكلها. ولعل هذا يفسر لنا أسباب صمت مبارك عن قتل الالاف من بسطاء المصريين في عبارات يملكها فاسدون من رجاله أو في قطارات تحترق في الصعيد أوغرقهم بالمئات في قوارب الموت خلال رحلات الهجرة نحو شواطىء اوربا، وبالمنطق نفسه سمح وتواطأ مبارك ونظامه مع دخول شحنات فاسدة من القمح لا تصل لإطعام الحيوانات لكي يطعمها للمصريين كما سمح بدخول المبيدات والمواد المسرطنة التي فتكت بأكباد وأجساد هولاء الناس. ووفقا لهذا المنطق يمكن تفسير لماذا ذهب مبارك لمشاهدة أحدى مباريات المنتخب المصري لكرة القدم بينما الوطن كله كان متشحا بالسواد والحداد حزنا على ضحايا عبارة الموت التي كان يملكها أحد رجاله ,فكيف له ولرجاله أن يحزنوا على بشر هم غير موجودين إصلا بنظرهم. ولأن إمنيته في أختفاء غالبية ابناء الشعب من الوجود لم تتحق بل حدث العكس فانهم راحوا يتكاثرون وكأنهم يخرجون له السنتهم، فان مبارك قرر أن يعتزلهم وصداعهم بالذهاب بعيدا عن العاصمة وتلوثها وضجيجها وملايينها العشرين، ووجد في شرم الشيخ ضآلته المنشودة للابتعاد عن هذا الصنف اللعين المزعج من البشر. وقد كان هذا السلوك هو ذاته لأركان عصابته الذين عزلوا انفسهم بعيدا عن الشعب في منتجعات فخمة وأحياء سكنية فاخرة خاصة بهم محاطة بأسوار عالية يحرسها رجال غلاظ شداد لا يعصون سادتهم في أمر من الامور. وبالمنطق نفسه تعاطي مبارك مع ملايين المصريين العاملين في دول الخليج خصوصا البسطاء منهم والذين يعملون في ظروف بالغة السوء، فرغم أن تحويلاتهم تشكل أحد أهم مصادر الداخل القومي للوطن ورغم ان الكثيرين منهم تعرضوا لاهانات وإعتداءات صارخة على كراماتهم كانت تتطلب موقفا رداعا وحاسما من قبل حكومتهم لحفظ هذه الكرامة التي هي جزء من كرامة الوطن باسره، لكن مبارك لم يثر مرة واحدة على أهانة المصريين في الخارج، فكيف يثور لاناس لا يراهم أصلا.

ولاكتمال دائرة التغييب التام لوجود مثل هذه الشريحة من المصريين لعبت الدراما سواء التلفزيونية أو السينمائية في السنوات الاخيرة من عهد مبارك والتي أستولى خلالها جمال مبارك وعصابته من رجال الاعمال بشكل كامل على مقاليد الامور، دورا مهما لانجاز هذه المهمة من خلال سلسلة من المسلسلات والأفلام التي إبتعدت تماما عن مناقشة قضايا وهموم غالبية المصريين وركزت على أهتمامات شريحة أخرى تسكن منتجع مارينا صيفا وشرم الشيخ شتاء وتمضي أوقات فراغها إما على حمام السباحة الرحب في القصور الفسيحة التي يسكنونها أو في ردهات فنادق النجوم السبع. وأبطال هذه الافلام والمسلسلات ينتمون الى مصر أخرى لا وجود فيها لطوابير الخبز ولا نقص انبوبة البوتاجاز ولا البطالة ولا امراض الكبد والسرطان والفشل الكلوي، ولا تنقطع فيها مياه الشرب او الكهرباء ولا حديث فيها عن البطالة ولا عن سكان المقابر والعشوائيات، وأكبر مشكلة يمكن ان يواجهها أحدهم هو أن تتركه صديقته. هذه هي مصر التي كان يفترض أن يحكمها جمال مبارك خلفا لابيه.

وهنا أذكر لقاء ضمني ومجموعة من الاصدقاء قبل سنوات مع المخرج المبدع الراحل رضوان الكاشف صاحب عرق البلح، وقد شكا لنا الرجل خلال اللقاء الذي جرى قبل شهور قليلة على رحيله المفاجئ، من أن لديه أكثر من سيناريو لافلام تناقش مشاكل الفلاحين والبسطاء في بر مصر ولكنه لم يجد منتجا متحمسا لهه النوعية من الأفلام لان المطلوب الان هو قصص تناقش حكايات شباب شرم الشيخ ومارينا / والعيال النضيفة اللي حاطها جيل في شعرها// وهنا استعير جملة الكاشف كما قالها بمرارة. لكن نظام مبارك في إحتقاره للمصريين لم يكتف بتغييب وإنكار وجود تلك للغالبية العظمى من الشعب، بل واصل سلوكه المرضي عبر ما يمكن وصفه بالدعارة الاعلامية التي مارسها جهاز الاعلام الحكومي التابع لمبارك وعائلته مباشرة إضافة الى ما لحق به من بعض وسائل الاعلام الخاصة التي نبتت في اروقة أجهزة الامن. وكانت مهمة هذه الجهاز هو تضليل وتزييف وعي هذا الشعب عبر ما يبثه من أكاذيب سواء عن الوضع في مصر ومعدلات النمو والانحياز للفقراء والعدالة الاجتماعية، إلى آخر هذه السلسلة الفجة من العهر الاعلامي، في الوقت الذي كانت تجري فيه على قدم وساق عملية تجريف وسرقة ثروات الوطن لصالح قلة فاسدة ملحقة بنظام مبارك وعائلته. وإلى جانب ذلك كله فان نهج الاحتقار الذي مارسه مبارك ضد الشعب المصري لم يقف عند حدود الكراهية والانكار لهذا الشعب او تضليله وإنما أتخذ مظهرا اخر هو العناد الغبي في تعامله مع كل مطالب وتطلعات المصريين عبر ممارسة ما يمكن ان نطلق عليه سياسة الشريك المخالف، بمعنى إنه كان يرى ما يريده الشعب ثم يفعل عكسه تماما، في مسلك لا يعكس فقط رغبة مرضية في ممارسة الاستبداد والتسلط على رقاب العباد وإنما يظهر ميلا واضحا للاستخفاف والاستهانة بمطالب ومشاعر وأحلام المصريين.

غير أن أحد أهم الجوانب الايجابية لسياسة الاحتقار والانكار تلك أنها أعمت بصر وبصيرة مبارك ونظامه عن حقيقة ما يجري داخل أحشاء هذا الوطن وبين جنباته من حراك وأشواق للحرية والانعتاق من ربقة هذا النظام، حتى فوجىء يوم 25 ينايركانون الثاني بهذا الطوفان الهادر الهائل من المصريين الذين إنكر وجودهم، فاذا بهم يكتسحونه بكل قاذوراته إلى مزبلة التاريخ.

هذا الحديث عن إحتقار مبارك وحكمه للمصريين ليس محاولة لاجترار الماضي او البكاء على الاطلال أو التمترس عند تاريخ مضى دون التطلع لمستقبل مصر ما بعد الثورة، بقدر ما هو رغبة صادقة لاستخلاص الدروس والعبر من أخطاء النظام السابق وخطاياه حتى نمنع تكرارها مستقبلا. وفي هذا أيضا رسالة واضحة لكل من يعنيهم الامر لاسيما حكام مصر الان او القادمين بأن عليهم أن يحذروا تكرار هذه الجريمة وتلك الخطيئة في حق هذا الشعب الذي لن يسمح بتكرارها أبدا بعد أن إستعاد وعيه وحريته وكرامته ولن يفرط فيها أبدا مهما كان الثمن. على حكام مصر الجدد أن يتدبروا جيدا في نهاية الديكتاتور السابق قبل ان تسول لهم يوما إزدراء هذا الشعب أو إستغفاله أو الاستخفاف باحلامه واوجاعه. أقول هذا في وقت تتجمع في سماء مصر الثورة هذه الايام جملة من النذر والمؤشرات التي توحي وكأن هناك من يريد ويسعى لإعادة إنتاج نظام مبارك أو إعتماد نفس النهج والفكر والاساليب في التعامل مع مطالب الثورة والثوار، بالاستخفاف وبالتجاهل تارة وبالعناد والاستبداد ثانية أو عبر التضليل الاعلامي الحكومي تارة اخرى. فهذه العقلية التي أوردت مبارك ونظامه موارد الهلاك لم تعد تستقيم ولا تصح مع مصر الجديدة التي نحلم جمعيا بتأسيسها بعد الثورة، فاياكم أن تحتقروا المصريين او تحاولوا إستغفالهم مرة أخرى لأنهم لن يسمحوا لكم بذلك.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية