مبارك بأرض المعارض في لقاء مختلف

حجم الخط
0

عزت القمحاوي تحديد موعد لمحاكمة مبارك وولديه ووزير داخليته انتصار جديد للورد المفتح في ميادين التحرير بمصر. حق انتزعه الثوار انتزاعًا بينما كاد المجلس العسكري ألا يفعل. ليس لأحد أن يتنبأ بسير المحاكمة أو يعلق عليها قبل أن تحدث، لكن مجرد تحديد الموعد نصر، وإن الأربعاء القادم لقريب. الانتصار ليس على الكوابح الداخلية فحسب، لكنه انتصار على قوى إقليمية ودولية تستميت لتجنيب مبارك وأهله هذا الموقف. ولكن الرجل الذي دفعت به مصادفات الحظ الحسن إلى سدة القيادة من دون أن تكون لديه فطنة أو موهبة خاصة، كان سيىء الحظ في نهايته لأنه أحيط برعاية أصدقاء أقل منه ذكاء. ظل طليقًا بعد تنحيه، ويئس المصريون من إقدام جنرالاته على حبسه، لكنه خرج في الفضائية السعودية بخطاب رئاسي مستفز جعل وضعهم حرجًا فاحتجزوه في مستشفى، ولم ترشح من محاولات التحقيق الأولية معه حتى الآن إلا الدموع عبر أخبار تستنفر نخوة المصريين ليمنحوه غفرانًا لا يجوز، لأن أبناءهم لا يزالون يموتون في عرض البحر فرارًا من وطن صادره الرجل البليد ولم يعد للمصريين بعد. كان تأخر المحاكمة أول الشواهد على اتفاق القوى كلها على تنفيذ أمر ‘كما كنت’ العسكري الذي يعني عودة مصر إلى الوضع السابق باستثناء أن مبارك ليس على سدة الحكم. ولكن يبدو ـ وهذا أمر حسن ـ أن التاريخ لم يعد يكتبه من يمتلك السلاح فقط، وأن الشعوب التي استردت أرواحها يمكن أن تشارك في صنع تاريخها. وأربعاء المحاكمة هو نتيجة إصرار الشباب الذين قرروا ألا يعودوا إلى بيوتهم المتواضعة طالما بقيت رائحة القصر كريهة.’ ‘ ‘لا دهشة في خبر المحاكمة؛ بل فرحة. الدهشة في اختيار مكان المحاكمة؛ فهو ليس قاعة محكمة ولكن قاعة ‘الاستثمار’ بأرض المعارض بمدينة نصر!

أرض المعارض يواجهها مركز المؤتمرات، على بعد خمسمائة متر أو أقل من قصر العروبة، وكانا في السنوات الأخيرة المسرح المختار لاستعراضات العظمة لأسرة مبارك التي تقضي معظم وقتها في إمارة شرم الشــــيخ، وعندما تتذكر العاصمة لا تستطيع أن تتجاوز مدينة نصر، الحي الفسيح الذي تأســـس في عهد ناصر وقد كانت في اتساع شوارعه وقلة كثافته البشرية وقربه من بيت الرئاسة أسباب لاطمئنان أسرة تتكاره مع المصريين ولا تحب أن تغامر بمواجهتهم في الأحياء كثيفة العدد أو ضيقة الشوارع.

للسيدة أن تتطاوس في الربيع بمركز المؤتمرات احتفالاً بالأمومة وفي الصيف بأرض المعارض احتفاءً بالطفولة، وللإبن مؤتمر الحزب بمركز المؤتمرات في الخريف وللأب في الشتاء الاستعراض الأكثر بؤسًا خلال لقاء من يُعرفون في إعلام الرئيس بـ ‘المفكرين’ بمناسبة الافتتاح السنوي لمعرض الكتاب، في قاعة ستة أكتوبر وليس في قاعة الاستثمار التي ستجري محاكمته فيها.

هل هي مصادفة أخرى أم هو التدبير الجيد؟ أيًا ما كان الأمر، هذا هو المكان الصحيح؛ فقاعة ستة أكتوبر ترمز إلى شرعية نصر عام 1973التي صادرها الطيار لحسابه؛ بينما كان خازوق حكمه منتصبًا في قاعة الاستثمار.’ ‘ ‘في كل الاستعراضات والقاعات، لم يكن الرئيس ولا ابن الرئيس ولا امرأة الرئيس ينظرون إلى من يجلسون أمامهم نظرتهم إلى مفكرين أو حزبيين أو سيدات مجتمع، كان الحضور مجرد مؤخرات تملأ الكراسي وأكف تصفق بين كذبة ركيكة وكذبة ركيكة أخرى.

بعض المؤخرات كانت صالحة لكل الكراسي، وكثير من الأكف صفقت للأب والابن والأم في كل المواسم. كان القرب من الثلاثة غاية المراد؛ حيث يحمي القرب من اثنين صاحب المؤخرة والكف إذا ما غضب عليه الثالث. ولم يكن في استعراضات الولد وأمه ما يعكر صفو الحفل. وحدها كانت لقاءات الرئيس بـ ‘المفكرين’ مصدرًا لقدر من الإزعاج في مصادفات نادرة شهدت تسلل بعض الرؤوس بين المؤخرات، إما لغفلة من ضباط الفرز أو تسريبًا بقصد تزيين الكعكة حتى لا يقال إن الرجل لا يقرب سوى السفهاء!

بعد الجولة التفقدية لكتب لا يمكن لديكتاتور أن يحبها، تكون الاستراحة في سراي النصر حيث يكون قد تم احتجاز ‘المفكرين’ من السابعة صباحًا إلى لحظة تجلي الرئيس في الحادية عشرة. لا حمام لمصاب بداء السكري ولا ماء لعطشان، يتكلم الرئيس ما شاء له التكلم ثم تأتي فقرة التنكيت والتبكيت. نمرٌ شبه محفوظة كما في سيرك وكل بهلوان يجيد نمرته.

تحايا وثرثرات للرئيس فيها مآربه ولـ ‘المفكر’ مآرب أخرى: إغاظة الأعداء ممن لم يتلقوا الدعوة للقاء المبارك، البحث عن سطوة ومكاسب في المجتمع من خلال الظهور على الشاشة لدقيقة أو دقيقتين في حضرة الرئيس، البحث عن شعبية في مسقط رأسه من خلال مطلب تافه لا يصح طلبه من رئيس، كطلب إنشاء محطة قطار بالقرية.

كان لا بد من صياغة المطالب التافهة بلغة تافهة يفهمها الرئيس، ومن يتجرأ وويتفاصح لن يحظى إلا بالاستخفاف الذي يلقاه المثقف في الأفلام الكوميدية الهابطة.

وفي شتاء لم يتكرر، وقف الراحل النبيل محمد السيد سعيد لينبه الرجل العائش خارج الزمن إلى مكانة مصر المهدورة على يديه، وإذا بالديكتاتور يحاول أن يقمعه أو يستخف به كما يفعل مع غيره، ليُفاجأ بمحمد السيد سعيد ـ المفكر بألف لام التعريف ـ يزجره: ستسمعني. وإذا بالبالون الممتلىء بهواء النفاق يمتثل لأمر المفكر ويستمع إليه، وإذا بالحكاية تتسرب مشافهة خــــارج القـــاعة، لكن صحف الصباح لم تشر إليـــها وخرجت بعناوينها المعتادة في تلك المناسبة: مبارك في لقائه بالمفكرين: لا رجعة عن الإصلاح.. حققنا نموًا اقتصاديًا غير مسبوق.. أنفقنا عشرين مليارًا على المرافق’. وبعد هذا اليوم من شتاء 2005ألغى الديكتاتور لقاءه بـ ‘المفكرين’ مكتفيًا بجولة على أجنحة عرض كتب يكرهها، ومع تضعضع صحته بدأ يكتفي بقص شريط الافتتاح، وفي الشتاء الماضي ألغت الثورة مبارك والمعرض معًا.

وها هو الرئيس يعود في الصيف إلى أرض المعارض مخلوعًا ومن دون كتب يتفقدها، ولن يجد أمامه بين الحضور أحدًا من المفكرين الذين اعتاد التفاكه عليهم في الشتاء؛ فهم مشغولون الآن بسبه وذم أيامه تلبيسًا على الثوار. يقولون إنا معكم، وإذا خلوا إلى شياطينهم بحثت مؤخراتهم عن مقعد مريح تحت بصر المشير أو أي من لواءات المجلس العسكري.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية