هل ما زلت تحن الى خبز امك وقهوتها عن الاحتلال الداخلي

حجم الخط
0

د. سعاد الطيّف الفيتوري

هل غادر الشعراء شيئا لم يقولوه عن المرأة الفلسطينية؟ ‘أم هل عرفت الدار بعد توهم’؟ وثمة من الأوهام ما يحسن اليوم مواجهتها بشجاعة. لعلها تفسر لماذا فشل المجتمع الفلسطيني في أن يتحول الى قوة تحرير حقيقية، مكتملة العتاد والعدة في مواجهة إسرائيل.

وليس اكتمال العتاد والعدة، هو مما يُصنع بالسلاح وحده، وانما من القيم والأخلاقيات بالدرجة الأولى.

فعلى الرغم من أن التركيز على ألوان الاضطهاد التي يفرضها الاحتلال الاسرائيلي هو تركيز مشروع وعادل، إلا ان الاضطهاد الصامت الذي تتعرض له المرأة الفلسطينية (في مجتمعات الوطن والشتات) لا يقل خطرا. انه احتلال آخر. ونادرا ما تسمع أحدا يطالب بالتحرر منه. ولم تتشكل له ‘منظمة تحرير’ لتخوض مفاوضات مع التخلف والمفاهيم الإجتماعية المريضة والعنف، في أوسلو.

هل هناك فلسطيني على وجه الأرض لم يغن: أحن الى خبز أمي، وقهوة أمي؟

أليست خصوبة المرأة الفلسطينية هي ‘القنبلة الديمغرافية’ التي يعول عليها اليائسون من المقاومة والمساومة وكل ما بينهما من مفاوضات؟ وإذا شئت أن تترك هذا كله، أليست هي ‘أم الشهيد’ و’أم الأسير’ وهي الضحية الأولى لهدم المنازل والتشرد والفقر؟

هذا هو وجه المفارقة الأول. أما وجهها الآخر، فيقول إن عشرات النساء والفتيات يقتلن في الأراضي الفلسطينية (المحررة، إلا من الوهم) في قضايا ‘الدفاع عن الشرف’ سنويا. وعشرات النساء والفتيات يتعرضن للإغتصاب، ليس من قوات الإحتلال الإسرائيلي، وانما من ‘قوات’ الإحتلال الآخر الذي لم تتشكل لمقاومته لا حركة فتح، ولا حركة حماس.

ومثلما لم تقع حادثة واحدة قُتل فيها رجل ‘دفاعا عن الشرف’. فنادرا ما تم القاء القبض على مغتصب ومحاكمته. والأسوأ من هذا وذاك، فان القوانين الفلسطينية نفسها تعكس واقع الإحتلال (الداخلي) بالمستوى نفسه من عنف وشراسة الإحتلال (الخارجي). وتقول آمال خريشة مديرة جمعية المرأة العاملة ان ‘القانون يشرعن قتل النساء والبند 340 من قانون الأحوال الشخصية يعطي مبررا للرجل الزوج حق قتل زوجته تحت بند ثورة الغضب، ولا يعتبر قتلها جريمة، بل جنحة، واذا حصل العكس وقتلت الزوجة زوجها على نفس الخلفية، تعتبر مجرمة، وتعاقب الى حد المؤبد او الإعدام’. وتقول خريشة إن هناك ‘حالة انفصام في المجتمع الفلسطيني في التعامل مع قضايا المرأة من حيث إنكار التوريث، فيما يسمى بقضية التخارج، الذي يتخطى قانون توريث النساء، واللجوء الى العادات التي تصادر الحق’. (تلفزيون وطن: 4-12-2010)والمجتمع الفلسطيني هو بامتياز مجتمع رجال. والرجال فيه هم وحدهم اصحاب الشرف، وهم وحدهم المؤهلون للدفاع عنه، ولكن فقط على أجساد النساء، وكأنهم لا يرتكبون أعمال الزنى. وكأنهم لا يغتصبون. وكأنهم لا يمارسون تجاه أخواتهم وأمهاتهم اعمال عنف تطال حسب بعض التقديرات ثلثي مجموع النساء، ضاربين بعرض الحائط: كل الحنين الزائف الى ‘خبز أمي وقهوة امي’. ويقول تقرير الجهاز المركزي للاحصاء حول العنف (2006) إن 62′ من النساء قد تعرضن للعنف مرة واحدة على الأقل خلال سنة البحث في فلسطين.

وتقول الناشطة الحقوقية الفلسطيني حليمة ابو صلب ‘العنف موجود منذ الخليقة، ولكن العنف يتزايد في المجتمع الفلسطيني، وهناك العديد من القوانين التي تظــــلم المرأة، وتعـــطي العذر المحل والعذر المخفف مثل المادة 62 لسنة 1960 من قانون العقوبات الأردني والذي يجيز إتباع ضرورة التأديب للأبناء، واذا ما توفيت البنت نتيجة ضربها بآلة حادة مثلا، يستند القضاة الى العرف السائد’ . وتقول ابو صلب انه حسب احصاءات البنك الدولي فان عدد النساء الفلسطينيات اللواتي يمتن ‘نتيجة التعذيب أكثر من النساء اللواتي يمتن نتيجة سرطان الثدي، والايدز’ (المصدر السابق). وعلى الرغم من ان نسبة الأمية منخفضة بين النساء الفلسطينيات (شكرا للأونروا)، إلا ان التعليم منخفض بينهن بشدة.

فقد أظهر المسح الفلسطيني لصحة الأسرة (حسب تقرير الاحصاء المركزي) أن نسبة الأمية بين النساء 7.8′. ولكن التقرير قال أن ما نسبته 22.6′ أنهين الدراسة الابتدائية، 26.8′ أنهين الاعدادية، 21.6′ أنهين الثانوية، وأن ما نسبته 8.8′ حصلن على دبلوم متوسط فأعلى.

وكما لو كان الفلسطينيون يستلهمون أفكار العقيد معمر القذافي التي تعتبر إن الوظيفة الرئيسية للمرأة هي الإنجاب ورعاية الأسرة، فان نظرية الإنحطاط العالمية الخضراء تنعكس بوضوح في مختلف مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية الفلسطينية. فحصة المرأة من البطالة أعلى بكثير جدا من حصة الرجل. وعلى سبيل المثال، فقد وصلت نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة في غزة الى 11.6’، في حين أن نسبة أرباب العمل من النساء في غزة للعام 2007 بلغت 1′. ويبدو ان العقيد القذافي هو الذي يحكم الفلسطينيين، اجتماعيا على الأقل، إلا إن أحدا لا ينوي أن يواجه تعسفه بقرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي. وبينما الانتفاضة الوحيدة المحتملة (والمشروعة) هي الانتفاضة ضد اسرائيل، إلا انه لا توجد أية خطط للانتفاضة ضد التعسف الذي تعانيه المرأة الفلسطينية من جانب المجتمع الرجولي الفلسطيني، ذي الشرف الرفيع.

وسجل أعلى تمثيل للنساء في الهيئات المحلية فى العام 2006، حيث وصلت نسبة تمثيل النساء في غزة 17′ (كوتا مقعدين في كل مجلس بلدي وقروي)، في حين فازت 6 نساء من غزة من مجموع 17 امرأة فقط في عضوية المجلس التشريعي 2007. هل ما زلت تحن الى خبز امك وقهوتها؟

شخصيا لا أحن. أنا اخاف عليها من جور الأب والإبن أكثر مما أخشى عليها من كأس احتلال تشربه حتى الثمالة من جانب إسرائيل. فـ’ظلم ذوي القربي أشدد مضاضة من وقع الحسام المهند’، كما يقول طرفة بن العبد.

وإذا كنت ‘أخجل من دمع أمي’، فليس بالحقيقة لانها تبكي عندما يسقط ابنها شهيدا، بل لانها تبكي عندما يعاقبها أبوها أو زوجها أو أخوها بالضرب.

ولا أدري كم من الفتيات كن يبكين استرحاما من القتل ‘دفاعا عن الشرف’، ولكني أدري إن التشريح غالبا ما يظهر إن الضحايا قتلن من دون أن يمسسهن أحد.

التحرر مشروع متكامل. إنه بالأحــــرى مشروع واحد. وما لم يكن الفلسطينيون، في داخل مجتمعهم نفسه، جديرين بالحرية، فانهم لا يستحقونها من الخارج. بل ويجدر مواجهتهم بالسؤال: بأي حق؟ فالأرض وحدها لا تمنح الحق لأي شعب. القيم التي نقيمها على تلك الأرض هي التي تجعل من ذلك الحق حقا بالقوة والفعل.

وما لم يكن الفلسطينيون جديرين بالمساواة فيما بينهم، فبأي حق يطالبون الاسرائيليين بالمساواة؟

وإذا كانت قوانينهم ضد نصف المجتمع تعسفية، فبأي حق يطالبون بإزالة قوانين الاحتلال الإسرائيلي التعسفية؟

وإذا كانوا يضطهدون ويميزون ويضربون نساءهم، فبأي عين وقحة يرفعون المطالب للاسرائيليين لكي يرفعوا عنهم الاضطهاد والتمييز والضرب؟

احترام حريات وحقوق المرأة هو المؤشر الأول، (الأول الأول)، لمدى جدارة أي شعب بحريته وبأرضه. ولهذا السبب، لا أريد تحرير فلسطين من الاحتلال الاسرائيلي، لأن الفلسطينيين ليسوا بعد جديرين بالحرية، وانتهاكاتهم لحقوق المرأة تقول انهم لا يستحقونها. وأنهم لو حصلوا عليها لبنوا عليها انتهاكات وجرائم. وكلما سمعت عن إمرأة تقتل أو تعذب أو تهان في فلسطين، أشعر إن التحرير الصحيح، والأول، هو من الاحتلال الذي يجثم على صدر أمي ويجعلني عاجزة عن أن أنظر الى دموعها. لأني أعرف إن تلك الدموع هي دموع ظلم أسوأ بما لا يقاس من ظلم الاحتلال نفسه.

لا أريد تحرير فلسطين. أريد أن تحرر النساء الفلسطينيات أنفسهن من جرائم الإحتلال الآخر.

ساعتها فقط، سيكون تحرير فلسطين قوة جبارة وحقيقية لن يمكن لكل دبابات الاحتلال أن تواجهها. وسيذهب الاحتلال الى حيث يستحق أن يذهب.

لقد فشل مجتمع الرجال الفلسطيني بتحرير أرضه. والسبب بالنسبة لي واضح وضوح الشمس. فهذا المجتمع قائم على القهر والظلم والانتهاكات. ومجتمع كهذا لا يمكن أن يكون جديرا لا بمعركة حرية ولا بمعركة تحرير.

انه مجتمع فاشل سياسيا، وفاشل أخلاقيا. ولا أدري كيف يمكن له أن يكون ناجحا في أي شيء.

عندما يزول القهر الداخلي، لن يبقى للقهر الخارجي ما يستند اليه. وعندما يكون المجتمع الفلسطيني، حيال نفسه، مجتمع قيم وأخلاقيات إنسانية رفيعة، فان المجتمع الاسرائيلي سيشعر بالكثير من العار والخجل لانه يواصل احتلال فلسطين. والغزاة سيرحلون، لانهم سيبدون أكثر انحطاطا وتخلفا مما يحتلون.

الانتصار في معركة الحرية لن يبدأ قبل أن تتحرر المرأة الفلسطينية من التعسف والظلم والتمييز.’ مديرة جمعية التواصل في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية