الوافدون إلى الخليج العربي: هل هم متطوعون يساعدون فحسب أم يعملون من أجل لقمة العيش؟

حجم الخط
0

أ. د. علي الهيل

في دول الخليج العربي ثمة أناس وافدون للعمل أو من أجل لقمة العيش أو هكذا يُفترض ونعني هنا بالتحديد أولئك النفر من شمال أمريكا وغرب أوروبا وأستراليا ونيوزيلاندا إلى درجة ما ومن ضمنهم ذوو أصول عربية يحملون جنسيات تلك الدول ( وهؤلاء هم الأسوأ غالبا ). بَيْدَ أن معظمهم في تجربتي الشخصية على الأقل كثيرا ما تأخذهم العزة بالإثم كلما سألتَ أحدهم السؤال التقليدي الذي عادة ما يُسأله المرءُ في أمريكا وأوروبا ‘ ماذا تعمل من أجل لقمة العيش؟’ What do you do for a living’ وهو سؤال عادي وبعيد عن الشخصنة في مجتمعاتهم.

ومع أنهم في بلدانهم لا يمانعون مطلقاً أن يردوا على مثل هذا السؤال بطيب خاطر وبابتسامة تشق الفم – حسب التعبير الخليجي – بأن يقول أحدهم مثلا: أعمل مهندسا أو طبيبا أو مدرسا وهكذا إلا أن شكل ومضمون ودلالة تعاطيهم مع مثل هذا السؤال في الخليج العربي يختلف تماماً خاصة إذا كان موجه السؤال خليجيا.

فيما عدا العلماء في مجالاتهم المختلفة والمتعددة والمتنوعة أو من يحمل صفة العلم وهو التواضع تصديقا لقول الله في القرآن الكريم: ‘إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ’ وأصحاب التخصصات المهنية المخلصون والصادقون ذووا النزعة الإنسانية وهم للأسف قلة في الخليج العربي، يجيبك من يُطلق عليهم بالعمال المهرة أو المتخصصين (حسب السيرة الذاتية او السِّيفي لكنما الواقع في حالة كثيرين منهم غير ذلك كليا فإن لهم في الخليج العربي مآرب أخرى) وهم للأسف الأكثرية بإجابة واحدة وكأنها مستنسخة وتبدو ذات إجماع منهم جميعا وتخرج منهم بتعالٍ واضح: كأن يقول أحدهم: ‘أنا هنا لأساعد البلد في كذا وكذا…’ وهي أو هو بإجابة كهذه المقصود منها النأي بنفسها أو بنفسه عن كونها أو كونه قد خرج من بلده مُيَمِّمًا شطر الخليج العربي في بحث عن لقمة العيش الكريم التي عزت عليه في بلده كما اعترف لي بذلك بعضهم.

فقد ذكر لي بعض الوافدين الأمريكيين والأوروبيين (من غير الأصول العربية) أنهم ممتنون لحكومات ومجتمعات الخليج العربي التي تأويهم وتمنحهم عقود عمل مغرية لم يتحصَّلوا على عشرة في المائة منها في بلدانهم التي بدأت تتزايد فيها نسب البطالة ومظاهر العنف المختلفة كاقتحام البيوت وسرقة السيارات والإعتداءات على الأطفال وحوادث إغتصاب النساء وانتشار حوادث إطلاق النار من قبل مخبولين كما حدث مؤخرا في النرويج في بيئات لا يشعر المرء فيها بالأمن ولا الأمان. وقد عزا كثير منهم ذلك في حديثهم معي إلى الإفراط في الحرية الفردية التي لم تعد تحترم حرية الآخرين وانتشار تعاطي الكحوليات والمخدرات والعلاقات غير الشرعية والتي ينجم عنها وجود أطفال غير شرعيين وهذه ظاهرة ضخمة ومتراكمة في الغرب لا سيما منذ بداية السبعينات وغالبا ما يتعمد الإعلام الغربي الإشارة إليها ولهذه الأسباب وغيرها هم مرتاحون في الخليج العربي ومطمئنون على أطفالهم وأرزاقهم ومكتسباتهم. مثل هذا الرأي الإيجابي للأسف يصدر عن عدد قليل من الأمريكيين والأوروبيين (من غير الأصول العربية) ولا يكاد يلتفت إليه أحد من الخليجيين لأنه صادر عن قلة غير ظاهرة للخليجيين على عكس الأكثرية المتعجرفة الظاهرة لهم بحكم كثرتها وفيهم للأسف من خلال تجربتي الشخصية على الأقل أناسٌ من أصول عربية والتي تستفز تصرفاتهم الخليجيين عموماً. وكثيرا ما تزعج الإجابة المنانة والمتعالية والنَّتنة الآنفة الذكر الخليجيين. لأنهم يحسون أو يشعرون وهو إحساس أو شعور في محله أن أولئك الوافدين يُشعرونهم بتبجح تكاد الأذن لا تخطئ نبرته والعين لا يُخفى عليها منظره أن أهل الخليج العربي قدراتهم محدودة ولا يوجد بينهم متخصصون ولذلك فإن أولئك الموسومين بالخبراء الأجانب يهينون ذكاءهم ويقللون من إمكاناتهم في خدمة وتطوير بلدانهم الخليجية ويعلقون على طريقة لبسهم ولا يبدون أي احترام لثقافتهم وبذلك يسيؤون إلى من يُفترض أن يكونوا مضيفيهم (وإن كانوا لا يسلمون بذلك بل يحمِّلون أهل الخليج فضل وجودهم في خليجهم العربي) وغالبا ما تعشش في أذهانهم صورٌ نمطية أو إستيريوتابس أن أهل الخليج العربي يأكلون ويشربون وينامون ويحصلون على الحياة الرغيدة والعيش المرفه من دون جهد متناسين حقيقة سكانية وديمغرافية هامة ألا وهي: أن دول الخليج العربي برامج ومشاريع وخطط التنمية فيها تتوسع بتزايد وبصورة أكبر بكثير من سكان كل دولة خليجية. إذ أن الإحصاءات الرسمية الصادرة عن دول الخليج العربي تشير إلى أن ما نسبته ستين إلى سبعين في المائة من شعوب دول الخـــليج العربي (بدرجات متفاوتة) في سن المدرسة أو الجامعة أي أن مجتمعات الخليج العربي مجتمعات شابة أو فتيَّة حسب المفهوم السوسيولوجي. وعليه، فإن دول الخليج العربي ستظل في حاجة مستمرة إلى الوافدين مهرة وغير مهرة لأن ثمة تناسبا طرديا متمثلا في زيادة التوسع التنموي مع زيادة الطلب على الأجانب الذين هم في حاجة متساوية إلى العمل وتحصيل لقمة العيش في الخليج العربي. إذن المعادلة هي كالتالي: الخليجيون محتاجون للأجانب والأجانب محتاجون للخليجيين بشكل متساوٍ ولا فضل لأحد على أحد.

و عندما ترد الخليجية أو يرد الخليجي على إجابة كتلك بالقول: ‘ماذا تقصد أو تقصدين أنك تساعدين. هل أنت متطوعة أو متطوعا؟ وهل أنت تساعدين أو تساعد لوجه الله أو مجانا… ؟’ ولأن السؤال يفاجئُها أو يفاجئُه فتجدها تلتفت أو يلتفت إليك ‘ كمن فاجأهُ الحيضُ’ أو كالمغشي عليه: ‘طبعا… لا… أنا أساعد براتب شهري..’ وإذ تدهَمُهُ بالرد الصاعق: ‘ إذن أنت لا تساعدي أو لا تساعد… أنت تعملين أو تعمل من أجل لقمة العيش..’ فتَحارُ ويَحارُ… و لا تجد ولا يجد جوابا. لقد انتهى الأمر الذي فيه تستفتيان. ‘ كاتب قطري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية