زهير أندراوس الناصرة ـ ‘القدس العربي’: مع استمرار الأزمة الدبلوماسيّة بين أنقرة وتل أبيب على خلفية عملية القرصنة الإسرائيليّة ضدّ أسطول الحريّة، التي كان متجهًا إلى قطاع غزة في أيار (مايو) من العام المنصرم، أبدت مصادر إسرائيلية أمس الاثنين قلقها من استقالة رئيس أركان الجيش التركي وثلاثة ضباط كبار يوم الجمعة الماضي.
ونقل موقع ‘يديعوت أحرونوت’ على الإنترنت أمس الاثنين عن مصادر سياسية قولها إن هذه الخطوة في صالح الإسلاميين ورئيس الوزراء التركيّ، رجب طيّب أردوغان. واضافت قائلةً إنّ هذا الأمر بات مقلقًا، لأن آخر القلاع في وجه الإسلام قد سقط، على حد تعبيرها. وقالت المصادر ذاتها إنّ الاستقالات الأخيرة قد تقلل من فرص التوصل إلى تفاهم مع تركيا بخصوص العدوان على أسطول الحرية. وأضافت إن موقف وزير الأمن، إيهود باراك، الذي دفع إلى تقديم اعتذار مخفف ومشروط للأتراك، سيضعف أمام مواقف وزير الخارجيّة، أفيغدور ليبرمان ووزير الشؤون الاستخباراتيّة، موشيه يعالون، في ظل التطورات الأخيرة في تركيا.
ولفتت المصادر إلى أنّه من غير المستبعد أنْ تكون لهذه الاستقالات تبعات على تقرير الأمم المتحدة بشأن العدوان على أسطول الحريّة، والذي سيتم نشره خلال الأيام القليلة القادمة.
وكان رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش التركي الجنرال إسيك كوسانير وقادة القوات الجوية والبحرية والبرية قد استقالوا من مناصبهم الجمعة بعد خلاف مع الحكومة برئاسة رجب طيب أردوغان بشأن ترقية بعض القادة العسكريين. وسارع غول إلى تعيين الجنرال نجدت أوزال قائداً جديداً للقوات البرية التركية، حيث من المتوقع، كما جرت العادة، ان يتولى قائد القوات البرية قيادة القوات المسلحة.
وساقت المصادر عينها قائلةً إنّه لأول مرة في التاريخ الحديث لتركيا، تكون القيادة العسكرية هي التي تستقيل بسبب خلاف مع الحكومة، وليس الحكومة هي التي تُزاح. لافتةً إلى أنّ رئيس الوزراء لا يُضيّع الوقت، فالفرصة التاريخيّة التي وقعت في يديه مهمة وهو يتمسك فيها بشدة، لأنّ هذه المرة ينجح في أن يفرض بشكل نهائي الحكومة المدنية على الجيش فيحطم أحد المبادئ الأساسيّة التي أقام عليها مؤسس تركيا الحديثة، كمال أتاتورك، النظام. المبدأ الذي يمنح الجيش الصلاحية في حماية أسس الدستور وبالتالي الشرعية لصرف حكومات لا تتصرف حسب مبادئ أتاتورك.
وبرأي المصادر فإنّ للاستقالة الجماعية، التي وصفت رسميا بأنها خروج إلى التقاعد لن يكون معنى من ناحية أداء الجيش وتنفيذ مهماته، ولكن آثارها بعيدة المدى من ناحية سياسية، ويمكن وصفها كثورة في مبنى علاقات القوى في الدولة.
وبحسب التقارير الإسرائيليّة فإنّ المعركة العسيرة التي تدور بين الجيش واردوغان تجري حول قضيتين: ارغنكون ومكيفت، بدأتا في العام 2003. حسب الشبهات ولوائح الاتهام، حاولت مجموعة من الضباط، المفكرين، السياسيين السابقين والصحافيين الإطاحة بحكومة اردوغان، التي تشكل بالنسبة لهم خطرا على استمرار وجود تركيا كدولة تعتمد على مبادئ أتاتورك، ولا سيما التهديد على مبدأ العلمانية. وحسب وثائق عرضتها النيابة العامة، اعتزم المتآمرون المس بالمساجد والمؤسسات الدينية لإحداث استفزاز يؤدي إلى استيلاء الجيش على الحكم. وفي السنوات الثلاث الماضية اعتقل مئات المشبوهين للمشاركة في القضيتين والآن يمكث في المعتقل 173 ضابطا في النظام و77 ضابطا متقاعدا بانتظار محاكمتهم.
وبرأي المحللين في إسرائيل فإنّ معارضي رئيس الوزراء التركيّ أردوغان يصفون القضية المتفرعة بأنها اضطهاد سياسي من الجيش ومحاولة لتطهير صفوف القيادة العسكرية. بالمقابل، فإنّ مؤيدي اردوغان يشيرون إلى التضارب في ادعاءات من يسعون إلى الحفاظ على مكانة الجيش بصفتها المكانة العليا على المؤسسات المنتخبة، وذلك لأن تدخل الجيش في السياسة يتعارض مع الديمقراطية.
أما عمليا، حسب المحللين في تل أبيب، فقد كان الاتحاد الأوروبي هو الذي طلب من الحكومة التركية قطع الجيش عن السياسة، كأحد الشروط الأساسية لضمها إلى الاتحاد. وأدى مطلب الاتحاد إلى أنه منذ العام 2004 تقلص تواجد الجيش وممثلي مجلس الأمن القومي في المؤسسات المدنية مثل التلفزيون الرسمي ووزارة التعليم كما ألغيت الرقابة العسكرية على السينما والموسيقى. وتابع المحللون الإسرائيليون قائلين إنّ اردوغان، الذي حظي بأغلبية جارفة في الانتخابات الأخيرة، ويعتزم من الآن فصاعدًا تطبيق الإصلاحات الدستورية التي حظيت بتأييد الأغلبية بين الجمهور في استفتاء شعبي، يستكمل سيطرته على الجيش أيضاً، وهكذا يجعل نفسه نوعا من أتاتورك الحديث، مثل الزعيم التاريخي يسيطر هو أيضًا من خلال نظام حزب واحد لا معارضة حقيقية له.
ولكن بموازاة ذلك، رأى المحللون أنّه رغم كل ما عكّر صفو العلاقات بين أنقرة وتل أبيب، لا يزال أردوغان يرفض إلغاء عقود الدفاع أو استدعاء السفير من إسرائيل، فالعقل التركي الجديد يعمل وفق منطق أنّ أنقرة لم تقم ببناء صداقات مع أعداء الأمس، لتفقد صداقات اليوم. حتى أنّ أردوغان أعلن خلال زيارته إلى الهند في العام الماضي، عن مشروع تركي ـ إسرائيلي مشترك لمد أنابيب نفط وغاز إلى الهند من بحر قزوين، مروراً بمرفأي جيهان التركي وإيلات الإسرائيلي. مضافًا إلى ذلك، فإنّ اتفاق التعاون الاستراتيجي في شباط (فبراير) من العام 1996 مع ملحق له في آب (أغسطس) من العام نفسه، في عهد تانسو تشيلر، كان موجهًا ضدّ أعداء تركيا الأمس، الذين باتوا أصدقاء فوق العادة اليوم، وبالتالي فالأسباب الموجبة لهذه العلاقة الأمنيّة الإستراتيجيّة أصبحت شبه باطلة.
وينصّ الاتفاق على وضع آلية مشتركة لمواجهة الأخطار المشتركة الآتية من سوريّة والعراق وإيران، من خلال منتدى أمني للحوار الاستراتيجيّ بين الدولتين ومن خلال أنشطة استخبارية مشتركة ونصب أجهزة تنصّت في جبال تركيا. كذلك نص على مناورات مشتركة يُسمح فيها باستعمال أجواء الدولتين عسكريا، وعلى تدريبات مشتركة للجيشين، وعلى حق المقاتلات الإسرائيليّة باستعمال القاعدتين الجويتين التركيتين قونيا وإنجرليك، على حد قول المصادر الإسرائيليّة.