الشعب وشيكولاته الديمقراطية

حجم الخط
0

الشعب وشيكولاته الديمقراطية

عدلي صادق الشعب وشيكولاته الديمقراطية انتزعت نفسي من هموم الوقائع السوداء، في وطننا، وعدت الي ما توفرت عليه، منذ شهرين، وهو ترجمة كتاب أكاديمي مرجعي، في العلوم السياسية، لعله الأهم، بالنسبة للطلبة البريطانيين في هذا الميدان. وبمحض المصادفة، كنت أمام الفصل الرابع، بعنوان الديمقراطية ويتحدث عن إشكالياتها وأنماطها، وعن نظرات القوي السياسية، والأيديولوجيات المختلفة، لها. ويستهل الكاتب، أندرو هيوود، صفحات هذا الفصل، بتعريف عام، لهذه الديمقراطية، ثم يبدأ في استعراض عناوين السياق المثير: من هو الشعب؟ وكيف ينبغي أن يحكم نفسه بنفسه؟ والي أي مدي، يمكن أن يتسع هذا الحكم، علي الصعيد الاجتماعي؟ وفي توطئة الفصل، يستشهد الكاتب بمقولة، ميّزت خطاب أبراهام لينكولن، في مدينة غيتيسبيرغ الأمريكية، في العام 1864 ( يُعرف هذا الخطاب في التاريخ السياسي الأمريكي، باسم خطاب غيتسبورغ) إذ يقول لينكولن، إن الديمقراطية، هي حكم الشعب، من خلال الشعب، وللشعب .بمعني أن العملية الديمقراطية، من شأنها أن توفر للشعب، حكومة يمارس بها حكمه لنفسه، وهي حكومة تؤدي عملها من خلاله، ثم تكون له، كله، في المحصلة، بصرف النظر عن طبيعة مشاركة الناخبين، ومشاركة القوي الأخري، في العملية الانتخابية. ولعل هذا من الأمور البديهة، التي لا تُثــــــير الأشجان!غير أن الذي يثير الأشجان، هو توغل الكاتب في تعريف الشعب، وفي تسليط الضوء علي صلة الناس بالديمقراطية، وعلي آراء بعض مفكري اليمين الجديد، بصددها. فأحد هؤلاء، وهو ديفيد ماركوند ـ مثلاً ـ يقول إن الديمقراطية بالنسبة للبالغين، كالشيكولاتة بالنسبة للأطفال: غواية لا حد لها، لكنها، بمقاديرها الصغيرة، تسبب بعض الأذي لهم، أما في مقاديرها الكبيرة، فهي مرض مؤكد . غير أن ذلك، أيضاً، طبيعي أو معقول، ولا يثير الشجن!تعريف الشعب، هو الذي أثار شجوني. فـ حماس و فتح تمثلان خطين جماهيريين من الشعب نفسه. ومن خلال التداعيات الاجتماعية المؤكدة، للاقتتال وضحاياه، سنكون بصدد شروخات أخري، في مفهوم الشعب، بالنسبة لنا كفلسطينيين. وهي، هذه المرة، شروخات ذاتية، أي نفتعلها نحن، بأنفسنا، وليست شروخات موضوعية، افتعلها الآخرون، وعالجناها بالنضال الوطني. فمن نافل القول، أن النضال الفلسطيني، أنتج وعزز وحدة الآمال الفلسطينية، ونجح في تعميق وحدة الوجدان الفلسطيني. وبالتالي، كان من بين فضائل ثورتنا المعاصرة، وانجازاتها، أن أزلنا الحواجز المفتعلة، بين ثلاثة شعوب فلسطينية رئيسية، يمكن ـ لو أطلقنا العنان للنعرات وللمصالح الأنانية ـ أن يتفرع كل منها الي عدة شعوب صغيرة أخري: فلسطينيو الشتات الشاسع، فلسطينيو الضفة وغزة، فلسطينيو الأراضي المحتلة عام 1948. ففي الكفاح الوطني، كنا نقول شعبنا وكانت الدلالة، كل شعبنا. أما في السياسة الداخلية المتاحة، فإن من يتحدث عن خيار الشعب في عملية ديمقراطية، للرئاسة أو للمجلس التشريعي، يعني ضمناً، خيار أحد الشعوب الثلاثة، ويقع ضمناً، في منزلق خصم شعبين بأل التعريف!في هذا السياق، لا يصح التفلسف، ولا المطالبة بتعديل التعريف، لكي يصبح علي وجه الدقة خيار الشعب في الضفة وغزة كأن نقول: خيار الشعب المتاح علي الجزء المتاح من الوطن (حسب تعريف صديقنا المُبدع أحمد دحبور) أو الخيار المتاح، للشعب الذي أتيحت له الانتخابات. وحتي عندما نقول، بأن الانتخابات عكست خيار الشعب في الوطن، فإننا، ضمناً، نخصم أرضاً وشعباً، من تعريفنا التاريخي لشعبنا ووطننا، مجاناً، وقبل أن نتوصل الي التسوية المعقولة، إذ لا تشمل الدلالة، أبناء شعبنا الماكثين في وطنهم، منذ العام 1948.لكننا، مع ذلك، رضينا، لأن الأمور يمكن أن تؤخذ مجازاً وأن تراعي الواقع. فالشعب، حسب هذا المنطق، هو الذي في الضفة وغزة. والوطن، هو الضفة وغزة، والخيار، في الضفة وغزة. ومن الُمفارقات الطريفة، أن شعبنا، في لبنان مثلاً، يتحدث بجدية، عن أي انتخابات، وكأنها انتخاباته هو. وإن اعتمدنا الترقيم، وقلنا إن الشعبين اللذين علي أرض فلسطين الطبيعية، هما رقم 1 ورقم 2 (الأول للماكثين منذ 1948) نقول إن المفارقة الطريفة، هي أن أبناءنا من رقم 1 ومن رقم 3 يتحدثون عن خيار رقم 2 باعتباره خيارهم، فيما يشبه الإنابة!التقسيم النظري، هنا، بمعايير الظروف ومفردات المطالب القريبة: في رقم 1، مساواة قومية و إسرائيل دولة لكل قاطنيها . في رقم 2 دولة فلسطينية مستقلة، خالية من المستوطنات، وتنمية وحياة طبيعية. في رقم 3 بتفريعاته: مساواة دستورية في بلد، وحقوق فصائلية ومؤسساتية في بلد آخر، وحقوق عمل وتعليم وترميم للبيوت، في بلد ثالث، وإقامات ووظائف أو جنسيات وجوازات سفر، في بلدان أخري!غير أن النضال الوطني، نجح في توحيد الوجدان الفلسطيني، علي الرغم من كل هذه الظروف، التي تفرض أولويات يومية متغايرة، علي كل تجمع للفلسطينيين. وقد كان علي مؤسسة النضال الفلسطيني، في الشتات، أن تتعاطي مع أبناء التجمعات الفلسطينية، بمعايير واحدة، باعتبار أنهم يمثلون الإرادة الفلسطينية الكُلية. إن هذا هو ما فعله النضال الفلسطيني، علي هذا الصعيد. ولكن ـ يصح التساؤل ـ ما الذي يفعله الاقتتال، في شعب رقم 2 علي النحو الذي يؤثر، بسبب وحدة الوجدان الفلسطيني، علي الوعي الجمعي، للشعبين رقم 1 ورقم 3؟في التاريخ، كانت خطوط الجبهات، تتبدل حسب المخاطر والمعارك. بل إن فلسطين، عندما أصبحت من ضمن الإمبراطورية البيزنطية، في مطلع القرن الخامس الميلادي، أي بعد أن انقسمت الإمبراطورية الرومانية؛ تحولت الي ثلاث فلسطينات: الأولي التي عاصمتها قيسارية (المكان الذي يطرح فيه المحتلون، في مؤتمر سنوي، خططهم الاستراتيجية) والثانية، التي عاصمتها بيسان، والثالثة التي من ضمنها النقب الفلسطيني، وعاصمتها البتراء الأردنية. وكان معظم الجليل الفلسطيني، بما فيه حيفا وعكا ضمن فينيقيا الأولي.وفي عهد الخليفة الراشد، عمر بن الخطاب، استفاد المسلمون من التقسيمات الإدارية البيزنطية، لكنهم عدّلوا الحدود والتسميات، التي ظلت مقسمة بخطوط عرضانية، فصارت فلسطين، مقاطعات سميت أجناداً. الأولي، في التقسيم البيزنطي، أصبحت جُند فلسطين، من رفح الي اللجون، قرب الكرك الأردنية، ومن يافا الي عمّان في خطها الجنوبي. والثانية، جُند الأردن، وعاصمتها طبريا، والثالثة، وعاصمتها بئر السبع، من جنوبي رفح علي الساحل، الي وادي الموجب في الأردن. وقد كان التقسيم الإداري عرضانيا، وبالتالي كان تقسيم الجبهات، يراعي أن الخطر البيزنطي، قادم من الشمال!لكن الخطر الراهن، الذي يمثله الاقتتال الفلسطيني، هو الأسوأ. فهو القادم من الأحشاء، وهو الذي تغذيه الأوضاع الخانقة، والاغلاقات والدسائس الإسرائيلية، والاعيب السياسات الإقليمية والدولية. فمن شأن هذا الخطر، أن يرسم حدوداً لتقسيمات نفسية غائرة، في مجتمع فلسطين رقم 2 الذي هو أصلاً يتشكل من اثنين من المحتشدات الفلسطينية، متباعدين جغرافياً، أو متقاربين، وتباعد بينهما حواجز الاحتلال، لكن الحركة الوطنية الفلسطينية، نجحت في تخطي مفاعيل واقع التباعد، فعممت الحديث عن جناحي الوطن، وعن محافظات شمالية وجنوبية. إنه، إذن، خطر أعتي من المخاطر التاريخية كلها. فبدل أن نؤسس نواة قوية، للإرادة الفلسطينية الجامعة، في الجزء المتاح (سياسة واجتماعاً وديمقراطية) جاءت الشيكولاته لتضع خطوطاً للتقسيم النفسي، غائر الجراح، علي مساحة النواة وعلي جسمها. فالضحايا من المجتمع، والقتلة من المجتمع. وهؤلاء وأولئك، من الخطين الجماهيريين، بالتالي، يتهددنا خطر أن نكون بصدد فضاءين نفسيين، كلٌ منهما لا يطيق الآخر، وذلك بجريرة ماذا؟ بجريرة سلطة،كان أحد الطرفين المتصارعين، قد خلع رداءها غير آسف عليها، بعد أن أشبعها استهتاراً و خروقات والآخر، أهلكها تخويناً وذماً وتعففاً، ثم اتضح أن الذي خلعها لم يكن يعرف قيمتها، وأن الذي ذمها وعافها وخوّنها، يتشبث بها، بل أصبح دونها، عنده، الموت الزؤام!ربما يكون هناك فرصة، لأن يستعيد الخطان وحدة وجدانهما الفلسطيني، قبل أن نضطر الي الاستعانة، بخبراء رسم الخطوط علي أجسام الأجنّة، ليضعوا لنا الحدود الفاصلة بين جامعة وجامعة، وبين مسجد ومسجد، وبين عائلة وعائلة. ففي مثل هذا المناخ، نفتقر الي الخبراء الأذكياء، بعد أن أنتجت المرحلة، قادة يتحدثون عن غزة، كـعرين لفصيل، ويصوغون قراراتهم العامة، وفق ظروف غزة وخارطتها وأوهام قوتها. فإن احتجنا الي خبراء خطوط تقسيمية، فإن من يناسبوننا هم الذين يأخذون في الاعتبار، كل معطيات الخارطة، حتي وهم يرسمون مشهد الانتحار. أما خيارنا الوحيد للنجاة، فهو استعادة وحدة الوجدان الفلسطيني، ليس فقط بالتوصل الي اتفاقات ونقاط، سرعان ما يكسرها كاسر ولم يعد يكترث أحد، بالإعلان عنها؛ وإنما بمجهودات فكرية وسياسية، تستعيد وحدة الوجدان الفلسطيني، دون أن يُفسد الخلاف، للود، قضية!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية