في المطامح المتناقضة لصناع الحرب وطلاب السلام في السودان

حجم الخط
0

في المطامح المتناقضة لصناع الحرب وطلاب السلام في السودان

د. عبدالوهاب الافندي في المطامح المتناقضة لصناع الحرب وطلاب السلام في السودان تعيش الولايات المتحدة الأمريكية هذه الأيام لحظة تاريخية رسم ملامحها سياسيان ظهرا علي ساحتها من دون سابق إنذار. أول الرجلين هو النائب كيث إليسون، أول مسلم ينتخب إلي الكونغريس الأمريكي، وسط ضجة واسعة واتهامات حادة للرجل في ولائه لوطنه. وقد انتخب إليسون (43 عاماً) عن ولاية مينسوتا، حيث ظل يؤكد خلال حملته الانتخابية (عن الحزب الديمقراطي) أنه لا يخوض الانتخاب كمسلم رغم اعتزازه بدينه (إليسون اعتنق الإسلام في التاسعة عشرة من عمره وهو طالب في الجامعة). أما الرجل الآخر فهو السناتور باراك أوباما، الذي ترجح التوقعات أنه سيكون أول مرشح أسود للرئاسة عن الحزب الديمقراطي وربما أول رئيس أسود للولايات المتحدة الأمريكية.وبينما أثار منافسه الديمقراطي السناتور جوزيف بايدن ضجة أجبرته علي سحب ترشيحه للرئاسة بعد أن نقل عنه قوله إن أوباما أول شخصية سوداء تجمع بين الفصاحة والنظافة، فإن منتقدي أوباما من بين السود يتهمونه بأنه أبيض أكثر من اللازم . هذه التهمة كانت تردد أيضاً في حق أمريكي أسود آخر تسنم بدوره أعلي مناصب وصلها السود في أمريكا، وهي قيادة الجيش الأمريكي ووزارة الخارجية، وكان أيضاً أحد المرشحين المحتملين للرئاسة، أو علي الأقل لمنصب نائب الرئيس، ألا وهو الجنرال كولين باول. هذه التطورات في السياسة الأمريكية مهمة في حد ذاتها، ولكنني أوردها هنا لأستعيد السجال الذي دار بيني وبين الصديق الدكتور فرانسيس دينج علي صفحات القدس العربي قبل أكثر من عقد من الزمان علي خلفية صدور كتابه صراع الرؤي الذي تناول فيه قضية الهوية والسلطة في السودان. وكنت حينها قلت لفرانسيس أن الإشكال الذي يواجه جون قرنق والقيادات الجنوبية الأخري هو سياسي وليس عرقياً أو ثقافياً كما يروج. وضربت مثالاً لذلك بالمواقف المتناقضة لشخصيتين من قيادات السود في أمريكا، أولها كولين باول وثانيهما لويس فرخان. باول اختار الدخول في عالم السياسة من بابها الأمامي، وذلك بالانخراط في الحياة المهنية وإظهار الاحترام للقيم السائدة. أما فرخان فاختار باب المناكفة والمعارضة، وتبني هوية دينية مغايرة لدين الأغلبية وتبني خطاباً موجهاً في مجمله إلي الأقلية السوداء التي عبر عن مطامحها وإحباطاتها. باول قدم نفسه كأمريكي، وفرخان قدم نفسه كأسود. ولا جناح بالطبع علي أي من الرجلين في المسار الذي اختاره، ولكن لكل مسار تكاليفه وحدوده وإمكانياته. فمسار فرخان لا يمكن أن يفضي به إلي البيت الأبيض ولا حتي إلي مقعد في أحد برلمانات الولايات. وبالمقابل فإن مسار باول قد لا يعطيه القبول كقائد في أوساط السود. وإنما يكون الخلل حين يتناقض خيار الشخص مع طموحاته والأهداف التي رسمها لنفسه.وهنا تحديداً مربط الفرس في قضية الجنوب والقضايا الإقليمية التي تفجرت علي أطرافها في السودان خلال العقدين الماضيين، بما في ذلك قضية دارفور والشرق وجبال النوبة والنيل الأزرق وغيرها. ففي الحركات والانتفاضات التي تفجرت في هذه الأقاليم، كان هناك تركيز كبير علي الخصوصية الإقليمية، إلي ما يقرب من الانفصالية في معظمها. فحين تنتفض مجموعة بإسم إقليم معين، وعندما تتحدث (كما حدث غالباً) باسم مجموعة عرقية أو قبلية محددة في ذلك الإقليم، فإنها تحصر نفسها في داخل هذه الطائفة، وتفقد بذلك الأهلية للحديث باسم الجماعة الأكبر، حتي حينما تتظاهر بذلك في تسمية نفسها وفي بعض خطابها.وأذكر في هذا المقام أول لقاء جمعني وبعض الإخوة مع ممثل الجيش الشعبي لتحرير السودان في لندن في العام الأول لانطلاق حركة التمرد تلك، حيث استفسرنا منه عن الحركة وأهدافها وبرامجها. وعندما كشف لنا طموحات الحركة القومية لقيادة السودان ككل وتحريره، وليس فقط تحرير الجنوب أو فصله عن بقية البلاد، كان سؤالنا عن كيف تدعي الحركة الحديث باسم السودان كله وكل قياداتها من الجنوب ومسرح عملها هو الجنوب، وكل خطابها يركز علي مظالم الجنوب ومطالبه؟ أجاب الرجل بأن الهوية الجنوبية الغالبة علي الحركة هي مجرد انعكاس لظروف انطلاقها، حيث انطلقت من الجنوب. وقارن الرجل بين حركته والثورة المهدية التي انطلقت من غرب السودان، فانضم إليها أهل الغرب، ثم عندما وصلت باقي مناطق السودان لحق بها أهل تلك المناطق.قلت لصاحبنا ـ وكنت قد نشرت جانباً من هذا السجال في حينه ـ إن الأمر لا يتعلق بصدفة مكانية، وإنما بخطاب كامل هو محدود في مداه ومقبوليته. فإذا كنت تريد أن تتحدث باسم أقلية مهمشة مضطهدة، وتدافع عن حقوقها، وتهاجم في سبيل ذلك الأغلبية وتسفه عقائدها وثقافتها، فهذا من حقك، ولكن من الخطل بعد ذلك أن تزعم أنك أيضاً تريد أن تمثل تلك الأغلبية وأن تحظي بالقبول عندها. فلا بد إذن من الاختيار: هل تريد أن تحصر نفسك في مطالب الأقلية ومظالمها، أم تطمح إلي ما هو فوق ذلك؟ فلكل مقام من هذه المقامات مقاله.نقاش مماثل دار بيني وبين صديق من قيادات الجنوب في مقام آخر انتقد فيه استخدام اللغة العربية في السودان، فذكرته بأن اللغة العربية هي لغة غالبية أهل السودان، واللغة الوحيدة التي يفهمها ويتخاطب بها كل السودانيين. وقلت له إذا كانت الحركة الشعبية تريد كما تقول أن تتولي القيادة في سودان موحد، فإن أضعف الإيمان هو أن تقبل بالتعامل باللغة العربية (ولا نقول احترام الثقافة العربية) من باب الذرائعية. فإذا كان هناك شخص يريد أن يرشح نفسه لرئاسة البلاد، فكيف يقدم نفسه للغالبية العظمي من الناخبين وهو لا يتحدث لغتهم؟ أجاب صديقي قائلاً إنه لا يهمه رأي الناخبين الشماليين، وأنه يكفيه أن يسود فـــي قبيلته.بالطبع ليس هناك أي غبار علي هذا الموقف. فلمن شاء أن يختار قبيلته أو قريته، وله أيضاً أن يطالب باستقلالها عن بقية القري والقبائل. ولكن من يحصر نفسه في الولاء للقبيلة لا يمكنه أن يطالب الآخرين أيضاً بالولاء له ولقبيلته. وهذا الخلط والتناقض هو مبعث قدر كبير من الإشكالات التي تواجهها البلاد حالياً. ذلك أن بعض من انتفضوا باسم قبائلهم وقراهم لا يكتفون بالمطالبة بحقوق تلك القري والقبائل، بل يطالبون فوق ذلك بأن تكون لهم الولاية علي قري وقبائل أخري، حيث يصرون علي أن تكون لهم الرئاسة أو النيابة أو الوزراة، دون أن يكون لهم أي اهتمام ببقية قبائل وقري البلاد. وعليه فإن توليهم تلك المناصب يكون خصماً علي مصالح وحقوق بقية العباد الذين لا يجدون من يهتم بأمرهم، مما يغريهم بدورهم بالتمرد واللجوء إلي العنف، فتواجه البلاد المزيد من التمزيق.وغني عن القول أن لب الإشكال يكمن أساساً في بنية الحكم وسيطرة قلة معزولة علي مقاليد الأمور، لا تعبر بدورها حتي عن قبيلة أو عن عرق، وإنما عن شخص أو عصبة. فكما هو معلوم فإن الحروب الأهلية كانت تندلع في الغالب في عهود حكم الفرد كما كان الحال عليه في الحكم العسكري الأول أو حكم الرئيس النميري، وتزداد الأوضاع سوءاً كلما تكرس انفراد القلة بالسلطة. ولكن هذا ليس موضوعنا اليوم. فما نحن بصدده هو الإشارة إلي اشتعال الحريق في منطقة يستدعي تضافر الجهود من كل المتضررين في إطفائه. ولا ضير علي من بدأ ببيته، ولكن من يريد أن يكون عضواً في فريق الإطفاء لا يسعه أن يقصر همه علي بيته، أو أن ينضم إلي تلك الفئة التي تنتهز اشتعال الحريق لتنخرط في السلب والنهب.ولنعد مرة أخري إلي النموذج الأمريكي، حيث لا ضير من قيام قيادات تتصدي لما تعرض له السود (أوغيرهم من الأقليات) من اضطهاد، وأن تتولي المواجهة مع الأغلبية لتنبيهها إلي أخطائها وتوقظها من تشبثها بنقائص العنصرية وغير ذلك. ولكن حتي هنا فإن هناك أسلوبا يوجه خطابه للأغلبية، كما كان حال القس مارتن لوثر كينغ، الذي كان يتحرك من داخل الكنيسة البروتستانتية أحد حصون الهوية الأمريكية المهيمنة، ويصر علي منهج العمل السلمي، بينما هناك أسلوب آخر، عبرت عنه حركة إليجا محمد (التي يعتبر فرخان وارثها)، اختارت المواجهة علي كل الأصعدة. وقد كان من رموز هذه الحركة مالكوم إكس الذي تجرد من كل ما يربطه بثقافة الأغلبية، بما في ذلك الاسم، وقبل ذلك العقيدة. وبالمقابل نجد أن كيث إليسون يقلل من أهمية انتمائه الديني، ويدافع ضد منتقديه عن وطنيته وولائه لأمريكا وحرصه علي أمنها. أما باراك حسين أوباما فإنه ينفي أي صلة بالاسلام، ويكذب ما أشيع من أنه تلقي تعليماً إسلامياً. ولا يعني هذا أننا نعلي من شأن النموذج الأمريكي، أو ننكر علي حق الأفراد في الاعتزاز بهويتهم والمجاهرة بانتقاد ظالميهم. ويمكن لمن شاء أن يتبع أسامة بن لادن في التصريح باعتقاده بأن الأمريكيين شعب حقير، أو يقول مع فرخان أن البيض جنس من الأشرار. ولكن من أراد يترشح لمنصب عام لا يمكنه إلا إظهار كل الاحترام لعامة الشعب وعقائدهم وقيمهم، وربما تملق العامة، بخلاف موقف الفلاسفة والمفكرين ممن قد يجاهرون من أبراجهم العاجية باحتقار العوام.وقد أكثر بعض السياسيين ذوي التوجهات الإقليمية ليس فقط من التهجم علي ما يصفونه بانفراد الأقلية النيلية بإدارة أمور البلاد في معزل عن الباقين (وهو من حقهم، وإن كان لنا في المقولة نظر، لأن زعماء الأحزاب الطائفية كانوا يتقوون بالهامش علي المركز) ولكنهم طفقوا يتهجمون علي أيضاً علي الثقافة السودانية لهؤلاء النيليين، وإطلاق تسميات عنصرية مثل الجلابة (رغم أن الغالبية لم تجلب شيئاً أو تغادر قراها ومناطقها، وهذا ليس من حقهم. فإن هذا يشبه اتهامات فرخان لكل البيض بأنهم أشرار، وهي عنصرية مضادة، ومن قبيل التداوي بالتي كانت هي الداء. كما أسلفنا ليس فيما سبق إنكار أو استنكار للمطالبة بالحقوق أو الثورة علي المظالم، لأن هذا ليس حقاً فقط، بل واجبا، وليس فقط علي من ناله الظلم. ولكن الإشارة هي إلي أمرين، أولهما أن الحل الناجز لتهميش فئات معينة هو في تملك هذه الفئات القوة الحقيقية التي تتأتي من العلم وحسن التنظيم الاجتماعي والاقتصادي. أما اتباع الحل القصير عبر تجييش القبلية الضيقة وحمل السلاح فإنه قد يؤدي إلي إشكال مزدوج للبلاد، ألا وهو تهميش القلة المستنيرة في تلك المجتمعات لأمراء الحرب ودعاة القبلية علي ما هو سائد في عامة البلاد حالياً، بحيث تتحول الدولة إلي مغنم يتقاسمه أمراء الحرب ومن تعتبر أبرز مؤهلاتهم التميز في القتل وسفك الدماء. أما الأمر الآخر فهو الإشارة إلي إمكانية تعدد الأدوار وأشكال العمل السياسي والاجتماعي. فليس من ضير في أن تكون هناك طائفة تركز جهدها علي الحديث باسم فئة معينة، شأن النقابات ومنظمات المجتمع المدني وغيرها من جماعات الهم الواحد. ولكن دور المنظمات السياسية التي تريد أن يكون لها شأن في الهم العام فلابد من أن تتجاوز العصبيات الضيقة والوصفات قصيرة النظر. وعموماً فإن أكثر ما عانت منه البلاد ووضعها في موضعها الحالي كان ولا يزال إصرار الفئات القيادية من سياسيين ومثقفين وناشطين وغيرهم، طريق الحل القصير بدلاً من طريق النضال المبدئي الطويل والشاق. وهكذا لا نكاد نجد اليوم مثقفاً أومفكراً سودانياً يشار إليه بالبنان إلا وهو جالس علي سجادة زعيم طائفة، أو عاكف بباب أمير حرب، أو مرتهن لحاكم يعلم قبل غيره بعده عن الصلاح. والأمر لله من قبل ومن بعد.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية