قبل ردح من الزمان في عصر ما قبل الفضائيات وعندما كان لك لدولة عربية محطة تلفزيون اجبارية واحدة، كان المواطن العربي مضطرا لتحمل كل السخف والتخلف الذي تدلقه تلك التلفزيونات عن طريق موظفين احضروا من الاجهزة الامنية والاستخبارية وكانوا يتمتعون بسحنات غريبة ومخيفة.. في تلك الفترة كانت هناك ظاهرة المذيع (الخاص)، وهو مذيع لا يظهر على الشاشة الا في الحالات الطارئة ولتقديم اخبار هامة مرتبطة باحداث خطيرة، ويبدأ حديثه عادة بعبارة.
صرح ناطق رسمي او مصدر مسؤول بما يلي. من صفات ذلك المذيع التجهم الابدي والنظرات المخيفة والصوت الجهوري الذي يشبه صوت الرعد مع تمكن ملحوظ في اللغة العربية الفصحى، لقد كان مجرد ظهور ذلك المذيــــع نذير شؤم، يجعل المشاهد يدرك من فوره ان طامة كبرى قد حلت فيبدأ بدعاء العلي القدير ان يلطف بعباده. كنت تشعر وانت تشاهد ذلك المذيع انك جالس في حضرة ضابط استخبارات، فتتخيل للحظة انه سيمد يده عبر الشاشة ليمسك (بخناقك) قائلا لك.. شكلك مش عاجبك الحكي؟! او ينادي عليك من داخل التلفاز فيأمرك بالوقوف مثلا او بعدم الحديث اثناء قراءته للبيان المهم! الاطفال المساكين ايضا نالهم قسط من ذلك الرعب خصوصا ان ظهور (المارد) على الشاشة عادة ما يكون مفاجئا بدون مقدمات، فيصعق الطفل من هول الصدمة، بعضهم كان يبدأ بالصراخ بلا وعي وبعضهم كان يختبىء مسرعا خلف ذويه مغمضا عينيه.. ومن فضل الله تعالى ورحمته بعباده فقد ولى ذلك العهد وتحرر الناس من قيد التلفزيونات الاستخبارية، ودخلنا عصر الفضاء المفتوح ولكن بعض الفضائيات تصر على تذكيرنا بتلك الحقبة، فتقدم لنا مذيعين بمواصفات اولئك (المخبرين) ويبدو ان بعضهم من مخلفات التلفزيونات الرسمية.. فها هي محطة الجزيرة تقدم مذيعا (جميلا) جدا ليخاطب المشاهدين بنفس طريقة مذيعي الطوارىء.. في بلدنا انتقلت الظاهرة – ‘حسب الامكانيات – الى الاذاعات، وها انت تستمع عزيزي المواطن الى مذيعينا المحليين فتدب فيك الحماسة والخوف والاندفاع ويخفق قلبك على وقع الطبول فتوشك ان تسارع لأخذ الاحتياطات اللازمة وتستعد للقادم.. والله يستر! محمود ابو السايح – عمان – الاردن[email protected]