أزمة إنتاج القائد أو الزعيم

حجم الخط
0

ما نعايشه اليوم يؤكد الاستثناء ولا ينفيه. الاستثناء الخاص بنا كأمة لا تصنع القيادة بقدر ما تصنعها القيادة، ثمة ارتباط ذهني بين كرسي السلطة والاختيار الالهي، فهو ليس خيارا بشريا مدنيا بقدر ما هو اصطفاء رباني. الأزمة الراهنة ضرورية، بل ومطلوبة لإنزال مفهوم القائد والزعيم من عليائه الى الشارع وحركته المعايشة. تأمل معي اسماء المرشحين في مصر مثلا للرئاسة، ستجد أن اختيارهم لا يخرج عن هذه الذهنية وارتباطها بالاصطفاء بشكل أو بآخر ولا داعي للانتظار، فالجميع مجمع ومنقسم بين عمرو موسى والبرادعي وزويل، لأن الصورة الذهنية للقيادة مركبة أصلا وقائمة، عمرو موسى لا يشكل حزبا وهو ارتبط طويلا بالنظام السابق وميوله الوطنية يحملها كل مواطن مصري شريف، والبرادعي شخصيه دولية ترأس منظمة دولية مثله مثل العديد من رجال مصر، وزويل عالم فيزيائي حاصل على جائزة نوبل لا أكثر. لو ان الذهنية الاخرى فكرت بنفس الاسلوب لما احتاجت تلك الشعوب الى عملية سياسية وانتخابات طالما ان المنصب لا يتعدى كونه تصورا ذهنيا يجمع عليه بشكل أو بآخر الناس. الفرق في ان الذهن هناك دائما متجدد وقابل للتجدد، وليس فيه انطباع تاريخي لا يزول وصور ذهنية حاكمة للمستقبل بمعايير الماضي وإلا لما حكم أوباما، أي ذهنية أمريكية كانت تتوقع ذلك قبل سنوات قليلة، ولكن الذهن مفتوح ومترقب ونشيط لإفرازات العملية السياسية. هل علمتم عن عملية سياسية ديمقراطية قادمة محكومة قبل أن تبدأ بأسماء شاء لها القدر ان تبرز فرديا. بمعنى أن نجد القائد ثم ننشئ الحزب. حتى المصادر الغربية تتحدث عن فراغ وعن عملية سياسية طويلة تتطلب استعدادا ذهنيا وإطارا مؤسسيا حاكما ينظم القواعد والاسس، الازمة تاريخية وإرث طويل جدا. كلهم كانوا قادة ولكن لم يوجد نظام، كلهم كانوا مخلصين ولكن الاخلاص لم يبرمج في ضوابط ومساءلة. كلهم كانوا وطنيين ولكن الوطنية لم تترجم في دستور واضح، كلهم كانوا محبوبين وصفقت لهم الشعوب ولكن غاب الحارس وماتت النواطير. اليوم يبحث عن بديل للقذافي ولا نستبعد أن يطرح الذهن العربي بديلا، رغم صعوبة ذلك لأنه كان من الذكاء بحيث لم يترك للذهن حتى إمكانية التصور في بلده. انه فشل للديمقراطية حتى قبل أن تبدأ. العقلية العربية عقلية وثنية لأنها تؤمن بالله الواحد لكنها تتصور الزعيم وتصنعه ذهنيا، وبعد ذلك تنكوي بناره لأنه ليس من طبع البشر البقاء من دون تغيير في داخله وفي ذاته. تحديد مدة الرئاسة في عدد من السنين شيء جيد ومطلوب ولكن من يستطيع الجزم بإيمان الذهنية العربية التاريخية بأن لا تخرج طالبة استمراره وبقاءه لأن صناعته ملحمة تاريخية لا تتكرر دائما، وتتظافر التفسيرات والفتاوى والشعر كذلك لإقامة ما يمكن تسمية باختزال الكل في واحد. ما نعايشه اليوم تحول ولكن قد تفسده الذهنية الممتلئة بالتاريخ كونه إعادة وليس تجددا. كم في مصر من الرجال وكم في مصر وغيرها ممن الصادقين الأوفياء، علينا اذا بالدخول الى عملية التحول الديمقراطي من دون خوف، طالما كان المسلك صحيحا ويقوم على أسس ودستور واضح متفق عليه ودعوا الصناديق تفرز من الاسماء ما تفرزه، فلسنا محكومين بالاحكام المسبقة، إن الحكم المسبق ضد الديمقراطية ذاتها فهو يحمل صورة ذهنية لا اكثر، قد يحتمل الصدق وقد لا يحتمله. انه أذن مثل أي تجربة جديدة، الفقر التاريخي يتمثل من استعارة موقف تاريخي وتعميمه على كل أو باقي التاريخ حتى يصبح هو التاريخ والتاريخ هو. قد يصنع الفرد موقفا تاريخيا تشيد به الأمة لكن ذلك لا يخوله أبعد من ذلك، وإلا لما سقط ديغول، وخسر تشرشل الانتخابات، وتقاعد كلينتون وغيرهم كثيرون في تاريخ الأمم صاحبة الذهنية المتجددة. فرض اسماء وترشيح رؤساء قبل أن تبدأ العملية المطلوبة للتحول الديمقراطي المنشود، استمرار لذهنية متخلفة تنتج التخلف من داخلها، تريد أن تهرب منه بينما هي تحمله في ردائها الذي يستر بدنها.

عبدالعزيز الخاطر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية