جرش ـ ‘القدس العربي’ ـ من سميرة عوض: شكلت عودة ‘مهرجان جرش للثقافة والفنون’ نقلة نوعية لجهة ‘الاعتراف’ بخطأ قرار وأد المهرجان، الذي كان فضاء سياحيا وترفيهيا على المستويين المحلي والعربي والعالمي، كما أن الانتصار لجرش ‘الثقافي’ عبر عودة مهرجان جرش الشعري، وعودة ‘الشعر’ إلى مسرح أرتيمس محتضنا ‘القصيدة’ العائدة للمدينة الأثرية بعد انقطاع دام ثلاثة أعوام، لتعانق الدورة السادسة والعشرون للمهرجان جمهورها الذي طوى ‘صفحة’ العتاب على الغياب الذي طال، فكان ترحيب محبي ‘جرش’ وحرصهم على الحضور خير دليل على نجاح هذه الجهود التي قطفت ثمارها منذ الساعات الأولى من عمر الدورة السادسة والعشرين، والذي تمثل في الحراك الذي ملأ مدرجات المدينة العتيقة، وشارع أعمدتها، احتفاء بعودة ‘جرش’ بوصفه ‘جد’ المهرجانات الأردنية، و’قلب’ المهرجانات العربية، بل والعالمية.
عن شعراء الدورة 26 لمهرجان جرشبعد توقف ثلاثة أعوام يعود مهرجان جرش للثقافة والفنون من جديد، بمشاركة نخبة من الشعراء الأردنيين والعرب، ومعظمهم من أصدقاء مهرجان جرش ‘العتاقى’ كما قال لـ’القدس العربي’ رئيس هيئة المديرين أكرم مصاروة، مبينا أن ‘الدورة السادسة والعشرين للمهرجان أنجزت على عجل من الناحية الزمنية، لكنها حظيت بالتفاف الناس حولها، وخصوصا أبناء مدينة جرش’. وكان برنامج الشعر على مسرح آرتيمس احتضن خمس أمسيات شعرية، أقيمت يوما بعد آخر، بما فيها أمسيتا الافتتاح والاختتام، شاركت فيها مجموعة من الشعراء الأردنيين والعرب، فمن الأردن الشعراء: حيدر محمود، نايف ابوعبيد، علي العامري، ميسون أبو بكر، زياد العناني، مها العتوم، علي النوباني، قيس قوقزة، يوسف أبو لوز. ومن الشعراء العرب: طلال حيدر/ لبنان، سيف الرحبي/ عُمان، لينا الطيبي وسهيل بَدور/ سورية، المتوكل طه/ فلسطين، هبه عصام/ مصر، ونجوم الغانم/ الإمارات، والتي شاركت بالمهرجان، رغم أن اسمها لم يكن مدرجا في البرنامج النهائي. وكانت كل امسية تختتم بقيام ـ ابن جرش- أجود عتمة رئيس اللجنة الثقافية لمهرجان جرش بتوزيع الدروع على الشعراء المشاركين مثنياً على مشاركاتهم الّتي تثري المهرجان.
وكان هناك اعتذارات من شعراء أكد البرنامج النهائي مشاركتهم، ومنهم الشاعرة الإماراتية ميسون صقر القاسمي، كما غاب الأردني حبيب الزيودي عن أمسيته، فيما لم تعرف أسباب عدم مشاركة هيلدا اسماعيل من السعودية في المهرجان. وإلى ذلك كان هناك العديد من الاعتذارات المبكرة عن المشاركة في مهرجان جرش الشعري، بسبب ارتباطات مسبقة، ومنها اعتذار البحريني قاسم حداد، والزميل الشاعر المقيم في لندن أمجد ناصر، وغيرهما.
الأمسية الأولى ‘الافتتاحية’ ‘حجارة جرش لم تأت من روما’. فيما افتتح الشاعر حيدر محمود الأمسية الأولى من مهرجان ‘جرش’ في دورته السادسة والعشرين على مسرح ‘أرتيمس’ بقصيدة ‘حجارة جرش لم تأت من روما’، منتصرا لعروبة جرش، اختتم القراءات الشاعر طلال حيدر الذي صدحت قصائده بالحنين والشجن، مستهلاً القراءة بقصيدته الشهيرة ‘وحدن’ التي غنتها فيروز، وفيما بينهما قرأ الشاعر نايف أبوعبيد قصائد باللهجة الشعبية الأردنية وقصيدة بالعربية الفصحى، مستثمرا ثورة ‘التونسي محمد البوعزيزي’، لاقت تفاعلاً كبيراً من الحضور، في أمسية أدارتها الفنانة نادرة عمران، وحضرها وزير الثقافة جريس سماوي، ومدير المهرجان أكرم مصاروة، ومحافظ مدينة جرش مازن عبد الله، ورئيس بلديتها بلال المومني، وثلة من أهالي جرش.
حيدر محمود: عن ‘العُقَداءِ المخْبولينَ’.. استهل حيدر محمود قراءاته بقصيدة مهداة إلى أهل جرش منسبا فضل هذه الآثار العظيمة إلى أبناء محافظة جرش ويقول فيها: ‘حجارة جرش.. لم تأتِ من روما/ حجارة هذي المدينةِ/ من جبل كان يسكن فيها/… ولكنْ لأنّا نحب الضيوف كثيراً / نسمي المكان بأسمائهم../ ونسمي الزمان بأسمائهم../ وننسى عظام الجدود التي ما تزال هنا،/ وهي تشبهنا../ وننسى عظام الجدود التي ما تزال هنا،/ وهي تشبهنا.. ولو خرج الآن من قلب هذا الثرى جرشيُّ../ أعلن أسماء من شيدوها!/ وقال لنا: كيف تحمل ‘روما’ على ظهرها جبلاً’/ ثم.. تتركه للذين يجيئون من بعدها طللاً؟/ فيا أيها الجرشيون، هذا المكان،/ وهذا الزمان.. لكُمْ/ ومدينتكم هذه ‘اردنيةْ’/ وكل الحروف التي حفرتها أظافر أجدادكم عربية!’. وقرأ الشاعر نايف أبو عبيد الذي توسط ‘الحيدرين’ – محمود وطلال- بعضا من قصائدة المكتوبة بالمحكية الأردنية، ومن قصيدته ‘الحاكورة’: ‘ يا ريت عندي من قمح حوران بيدر كبير/ واطعم الجيعان/ ولو ظل عندي رمس جرح بذار/ ايد الكريم تبارك الغلة / يا ريت عندي بير ميه وزير/ وطابون صاحي من الصبح بكير/ ورغيف ساخن باركه الختيار/ وطرقوع خاسر يشفي العلة’. كما استحضر أبو عبيد ثورة ‘التونسي محمد البوعزيزي متسائلا: ‘ما عساه فاعلاً في علمه/ أترى ينقص من أحزانه/ لعن الدنيا التي ما أنصفت/ بل مضت تمعن في حرمانه’. الختام كان مع صاحب كلمات اغنية ‘وحدن’ الشاعر طلال حيدر الذي قاطعه الجمهور مصفقا أكثر من مرة، كعادته بدأ برائعته ‘وحدن’، التي غنتها فيروز: ‘وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان/ وحدهن بيقطفوا وراق الزمان/ بيسكروا الغابي بيضلهن متل الشتي يدقوا على بوابي/ يا زمان/ يا عشب داشر فوق هالحيطان/ ضويت ورد الليل عكتابي/ برج الحمام مسور وعالي/ هج الحمام بقيت لحالي/ يا ناطرين التلج ما عاد بدكن ترجعوا/ صرخ عليهن بالشتي/ يا ديب بلكي بيسمعوا /وحدن بيبقوا متل هالغيم العتيق وحدهن وجوهن وعتم الطريق…..’الأمسية الشعرية الثانية: قراءات تمزج بين الخاص المتمرد وقسوة العام، استهلت الأمسية الثانية الشاعرة ميسون أبو بكر بقراءة مجموعة من القصائد من ديوانها ‘نوارس بلون البحر’. ثم قرأ الشاعر زياد العناني قصائد قصيرة تجسد رؤية الشاعر للأشياء من حوله. واختتم الأمسية الشاعر علي العامري بقصائد شفيفة راوحت بين التأملي والرومانسي، وقدّم الشعراء الدكتور زياد أبو لبن المستشار في وزارة الثقافة الأردنيّة. الذي طلب، وبالنظر لتزايد إقبال الحضور في آخر وقت الأمسية قصيدة إضافية من كلّ شاعر ترحيباً بالمتأخرين من الجمهور.
ميسون أبو بكر: ‘أنا لست سواي… ‘قدمت الشاعرة ميسون أبو بكر مجموعة من قصائد ديوانها ‘نوارس بلون البحر’، أسرت الحضور بإلقائها لقصائدها المتمردة، ومن قصيدتها ‘انا لست هن’: ‘أنا لستُ هُن أنا.. لستُ إلا انأي/ امرأة ممهورة بالضياء/ مسكونة بالقصيدة/ سمائي بروق وأرضي مروج/ لي.. مع الحر موعد للحنين/ وموعد للاياب../ مع الغيم أي شرفة للبكاء/ في الصحارى البعيدة لي خيمة من سماء/ وبيت تخفق الارياح فيه/ لي عباءة من نسيج الصباحات/ تشف أسرار قلب الفتاة/ وحين يحين المساء/ أعواد وألبس ظل المساء/ أنا لست سواي.. أنا صوت الحمام / هديل السماء / ثغاء الحقول/ نسيم البوادي / وصمت الحروف/ أنا لوحة من صداي/ أنا البحر في خطواته/ الموج حين ارتحال الحبيب/ نجد حين يفيق العابرون منها إليها/ الحجاز وصوت المآذن.. يثرب حين تغني أناشيدها / حين يطلع نورها / أنا قطرة من سماء تفتح أبوابها للدعاء / يستحيل دمي وردة كالدهان / تحملني النوارس مثل عشبة البحر/ جسرا من هنا للمكان’. القراءة الثانية كانت مع الشاعر زياد العناني ومن قصائده المتفجرة بالأسئلة: لا بأس علي/ ما زلت على قيد الدولة وأقرن سمعتي/ بسمعتها المتمدنة/ اطمئنوا/ أنا في السعادة التي تحتفي بسيدها/ وترفع الرايات والصور/ اطمئنوا/ لم تحدث مأساة / لم تحدث سيئة/ أنا في ذمة الأمن يا أمي / متماسك مثل نعش/ والدليل:
أن الهراوات التي كانت تتمرن بين أضلاعي عادت ساكنة / وأن آخر صورة لجثتي/ لن تستغيث بعد الآن/ ولن تدمع../ حتى الرب الطيب كان حاضرا/ مثلما قالت أمي التي رأته وهو يسير في المقدمة’. ويمضي العناني في تجليه السماوي ليصنع سهما لاصطياد غزالته التي لا تزال هاهنا الفنان يرسم / والغزالة تعدو/ الغابات تصير قرى ومدائن/ والغزالة تعدو/ لذة الصياد/ ماتت/ شاخت/ والغزالة ما زالت تعدو.
ويرتفع زياد بسره صارخا بوجه الكون ما من مرة / لم اجدها /جالسة في كتلة السواد / وتنتظر / انها امي التي دربتها المقابر على ذرف الدموع/ وحين تورطت في الضحك / تمزق وجهها.
وكان الختام مع صاحب ديواني ‘كسوف ابيض’ و’هذي حدوسي/هذي يدي المبهمة’، الشاعر علي العامري المقيم في الامارات، مستحضرا لغة شفيفة، وعذبة، ناقلا جمهور الشعر من قسوة الواقع إلى فردوس الشعر، قرأ قصيدة ‘الغرفة’، و’حبر مضيء’، وفي قصيدته ‘خفاء طليق’ نقرأ ‘أنت بدء الهبوب، وخاتمة الضوء في شرفة تتناثر فيها عطور الاعالي. وأنتِ السماء التي دثرتني. وأنتِ الخيول، الكواكب، رقش الغمام على باب روحي. وأنتِ القرنفل في لثغتي، والسنابل أنت، الشهاب الذي يتدلى من الأبدية حتى حدوسي، وأنتِ الشموع، الرياح، البحار، الطبيعة في رعشة الماء. أنتِ النشيد على جبل في أقاصي الأساطير. أنت الوعول المضيئة. أنت البلاد، الأغاني، الكتاب، العرائش في نومتي، والحرير المطرز، انتِ الجناح، المواقد في شتوة الليل. أنتِ الفراشة فوق غطاء السرير، وأنتِ المسرة، أنت البخور’. ليختتم بقوله: ‘أنتِ الندى في مواعين من زخرف ليلكي وأنتِ القواميس والافق المتمدد في المسك، انتِ الجنون المنقط بالبرق، انتِ المواويل في غرة الليل’. الأمسية الشعرية الثالثة: تقرأ العلاقة مع المكان على ضوء الشموعوفي الأمسية الشعرية الثالثة قرأ على شموع ارتيمس ثلاثة شعراء هم: المتوكل طه من فلسطين، وسهيل بدور من سورية، ومها العتوم من الأردن وقدمها سعد الدين شاهين، مقدمين قصائدهم ذات البعد المكاني بامتياز. ألقى الشاعر المتوكل طه قصائد منها ‘الدخول إلى بترا’، وهي من كتابه الأخير الصادر عن وزارة الثقافة الأردنية بعنوان ‘بترا- ورد القوافل’ ومنها: ‘ أدخلُ في المدينةِ، فأراني أصعد ذروتَها، وأصبح مع مآذنها المدبّبة عواميدَ نور تشقُّ غبشَ الزوابع. وأفترعُ السديمَ الساحرَ، وثمة مدينةٌ تضيء ضحكتُها غرفةَ الكون، أو أنّ ملاكاً قبَّلها، فأحدث هذه الضحكة/ النَهرَ/ الطريقَ/ السيقَ.
أسمعُ صوتَ الماضي، وضحكةَ النهارِ القادمة تبدو البيوتُ كالجواهر القديمة، والأرضُ سريّةً وعميقةً، والسماءُ لبنيّةً واسعة. وثمة ضوء باهر يتبعثر فوقَ سيولِ النار وستائر الدخان الذي كان’. كما ألقى الشاعر السوري سهيل بدور، وهو المعروف بكونه فنانا تشكيليا أكثر منه شاعرا، عدداً من القصائد منها ‘همسات هاربة’:’صبية تتيه بالندى / تصبح وردة مراهقة/ قبلة يمر عليها الإعصار/ تصبح شفاهي/ نسمة ترتد من صدر / لتحولني إلى ضباب /هي الغصة’. واختتمت الأمسية الشاعرة الأردنية الدكتورة مها العتوم بقصائد منها: ‘شارع أو أقل’، و’كم قال لي’، ومنها: ‘ لم لم تقل لي/ ما يقول العازف الوتريُّ/ للحن البعيد:
أراك في سرّي/ وإن أبطأتَ/ كم دندنت كي أغويكَ/ كم لمعت أزراري/ وأوتاري/ لترقصها.. وتقرصها/ لم لم تقل لي/ ما يقول النورس الحسّيُّ/ للبحر:
اقتربْ../ لنكون لونا واحدا للكون/ فضياً.. خلاسياً/ ونقتسم السماء وأرض أجنحتي/ زراقا غارقا في القطن/ والثلج اللذيذ/ أريد أن/ تجتاحني/ وأذوب فيكَ../ أريد أن نمضي بلا وزن/ فخذ رقصي وأجنحتي/ وهَبْني../ من هديرك موجةً/ لتلاطم الإيقاع/ تغزلني.. وأنكثها’. الأمسية الشعرية الرابعة: الطيبي تناجي الشام وقوقزة يجسد الراهن أقتصرت الأمسية الشعرية الرابعة على مشاركة الشاعرة لينا الطيبي والشاعر قيس قوقزة وأدارها التشكيلي حسين نشوان، وغاب عنها لأسباب خاصة- الشاعر العُماني سيف الرحبي’ فانتقلت مشاركته للأمسية الخامسة/ الختامية، في أمسية ناقشت اللحظة الراهنة بكل آلامها وآمالها في محاولة لاقتناص الفرح رغم السواد السائد.
وكان الشاعر قيس قوقزة ابن جرش، صاحب ديوان ‘قصائد مجنونة جداً’، قرأ ‘شظايا مكسرة’ و’كبيرهم الذي علمهم الشعر’، استهل قراءات الأمسية بقصيدة ‘نشيد الظباء’: ‘هَذِي الظِّبَاءُ وأنتَ وَحدَكْ بَعثـِرْ هَواكَ وَألق ِ نَردَكْ/ لا تكـتَـرِثْ ممـَّا يُقالُ فإنَّ مجـدَكَ بَـاتَ مَجْدَكْ/ وَاجنَحْ لقلبِكَ لا لِـوَردِكَ صَارَ وَجْـهُ الأرْضِ وَرْدَكْ/ وَاقصِدْ مقـَاصـِدها العظامَ وَأخـْفِ في عَينيكَ قَصْدَكْ/ مَنْ رَاوَدَتْكَ وَهَيـْتَ لَكْ كَانَتْ لِتَكْسِـرَ فيكَ قَيْدَكْ’. واستحضرت الشاعرة السورية المقيمة في مصر لينا الطيبي وطنها سورية، قائلة ‘أهدي قصيدتي ‘كاوبويز’ إلى وطني الذي أحببته دائما، وبالرغم من هذا لم أحبه كما أحببته اليوم، إلى شعبي والى حالتي في الفيس بوك، الآن في الأردن النقطة الأقرب إلى دم القلب درعا’، وتقول القصيدة: ‘في طفولتي كنت اكره أفلام هوليوود، أكره المجرمين والقتلة المأجورين، الكاوبويز ومطاريد الصحراء، الآن على كرسي يشبهني، يشبه أصابعي التي ماتت وهي تقصف أحرف اللاب توب، يشبه عيني وهما تبحثان عن خبر الموت، يشبه أذني تنصتان إلى أزيز الرصاص وصراخ المارة، الآن أجلس وأفكر لأول مرة في حياتي أكتشف جمال الكلاب الضالة، لا تقتل برصاصة لا تجرح بخنجر. فقط تعض، تعض بوخز مؤلم، تنبح بصوت مزعج، لكنها لا تقتل، والقطط الرائعة قد تخدش سطح الجلد فينبئ عن دم لا يتكشف، كنت أحب الأفلام التي تبكيني، فأذهب لأشاهد فيلم بيانو عشرات المرات لأبكي، أشاهد فيلم المسيح لأبكي، الآن من خلف هذا الحائط، الجدار الخفيف الذي اقرأ فيه الموت، الآن أنا لست أنا لن تبكيني بطلة فيلم بعد اليوم، ولن أدمع لمشهد طفل بريء الوجه يتسول في الشارع، لن أبكي وأنا أشاهد بيانو، لن اضحك، لن ابتسم، فقط، على هذا الكرسي أتشبث تماما لئلا أغرق، سأنصت تماما إلى ما يريد الشعب وما يريد القاتل، سأنظر بعينين مفتوحتين إلى شهادات الدم المدموغة بالعائلة، لن ابكي، بل سأصرخ من أعلى الشرفة، ومن أسفلها، سأدق الشوارع بقدم ملتهبة وأنا أصرخ الشعب يريد، سأحمل في شنطتي بدلا من احمر الشفاه خنجرا صغيرا، وأبدل عطري بمبيد حشرات يعمي، سأحمل هويتي وانزلق على ركبتي، الآن ابنة اليوم أنا، لم اخلق قبل اليوم، وما عرف أسمي صوتي من قبلي، الآن لن أبكي يا سأنظر في عين الكلب وأعضه، وانظر إلى القطة، وهي تتأهب واخمشها، خلقت منذ أيام عمري، يزيد عن شهر بقليل وصار بوسعي أن أبدل نعومة صوتي بالصراخ ووجهي في المرآة بعلم بلادي..’. الأمسية الشعرية الخامسة/ الختامية’: قراءات تعاين جوانيات النفسوبحضور جماهيريّ كبير، ودّع مسرح آرتيمس الجرشي آخر الأمسيات بأمسية أدارها الكاتب مخلد بركات احتشدت بمشاركة خمسة شعراء: العُمانيّ سيف الرّحبيّ الّذي كان قد غاب عن أمسيته المقرّرة، المصريّة هبة عصام الدّين، الإماراتيّة نجوم الغانم، والأردني المقيم في الإمارات يوسف أبو لوز، وابن جرش علي النوباني، في أمسية تميّزت بتناغم بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، كما حضرت السياسية، ولم تغب الصور الشعرية الوجدانية.
استهلت الأمسية بقراءة لسيف الرحبي الذي قرأ قصيدة بعنوان ‘حنين الأعالي’ قال فيها: ‘خلعوا قلوبهم وأوتادهم/ قلبوا الخيام على الأحصنة/ تبادلوا حديثا غامضا/ ورحلوا/ تركوا خلفهم مواقد ذكريات/ سلكوا طريقا غير طريقهم / رأوا شعابا وأفاعي تسيل من اللهب/ رأوا سماءً تنهار على ساكنيها/ ورعودا/ أمزق جلد الأبدية/ جرفوا الأودية والأشجار بأقدام متعبة/ وحنينهم دوما إلى الأعالي التي لن يصلوها أبدا’. وتابع الرحبي صاحب ‘أجراس القطيعة’، و’مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور’، القراءة بمقاطع من قصيدة أخرى قال فيها: ‘شربنا مياها سوداء/ وبالغنا في نقض الحكمة/ ما الذي يجعلنا نرتطم بالصباح كعدو/ ونظل جاثمين على فراشنا الذي نمت عليه الحشائش/ بينما الأمواج تخبط السقف: أراها في قلب المرآة’. قدمت الشّاعرة الإماراتيّة نجوم الغانم باقة من قصائدها لخّصت تجربتها مستفيدة من حسّ الإخراج السينمائيّ في رسم الإطار الجماليّ لقصائدها، محملة قصائدها وجعا مقيما مما وصل اليه حال العرب، بدأت بقصيدة بعنوان ‘قلب العالم’، قالت فيها: ‘لم نعرف ذلك البحر المحتقن/ بخوف أمهاتنا إلا بعد أن رفع/ رأسه عاليا وأكل أقدام الأوطان’. وتابعت الغانم صاحبة ‘مساء الجنة’ و’لا وصف لما أنا فيه’، القراءة لتقول: تلاطم قرب بيوتنا/ رمى علينا موجه الملبد بالقار الأسود/ واخذ أسماكنا/ قالوا الحرب آتيةـ لم تأت بجنودها/ ولكن أرسلت لنا ذخائرها/ عرفنا أن المعركة يمكن أن تقتلنا دون أن تهبط على أرضنا/ صلّت الجدات ليموت النفط / وصلى العالم لئلا يستجيب الله لهن’. هبة عصام: يفتشون عن ممحاةٍ لذاكرة الحزن. المصرية هبة عصام الدين أخذت الشعر وجمهوره إلى مصر الثورة، ومن ديوانها ‘.. أن تأكلنا الوردة’، قرأت خمس قصائد استهلتها بقصيدة ‘عم جرجس’ التي ذكرت قبل الانطلاق بأبياتها أنها من وحي حادث تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية.
قالت: ‘كان بشوشا على ناصيةٍ حزينة/ يبيعُ كشاكيل وحلوى/ يصلي كلما مرَّ به طفلٌ: ‘يا رب احفظهُ’./ ضيءُ فى الآحاد شموعًا/ كان منغمسا في الترانيم/ حين تناثر بغتةً.. دمٌ وغبار/ شيءٌ من الرجل الآن على الحوائط/ لم يعد يفتح دكانهُ لكن الأطفال ما زالوا يمرون/ يمرون دون حلوى/ يكتبون في كراساتهم: حُلَّة بابا نويل.. سرقها الشيطان/ يفتشون وحدهم عن ممحاةٍ لذاكرة الحزن’. ومزج ابن مدينة جرش الشّاعر على النّوبانيّ في قراءاته بين القالب الكلاسيكيّ والحداثة الشّعريّة. وفي قصيدة بعنوان ‘صبية من جدارا اسمها حوران’، يقول: أبا الطيب تعبت راحلتك فاسترح في جعبة الأفق مرفأ للقصائد/ سفينة تتحدى التعب خيمة للنساك يطلبون الوصل فيها/ وكتاب من صهيل الخيل يشرق في أصواتهم لا الشعر يطفي لظى الترحال’. يوسف أبو لوز: مكانة روحك ارتفاعها للأعاليواختتم قراءات الأمسية، ومهرجان جرش الشعري الشّاعر الأردنيّ يوسف أبو لوز الّذي منح المكان روحاً عالية حصدت تفاعل الحضور والشّعراء معها، بقراءة قصيدة بعنوان ‘منفى’ قال فيها: ‘المكان الأعز إليك/ المكان الذي صنته، وحنوت عليه وطفت به كطوافك باسمك أو كخطوط يديك / المكان الذي يختفي فيك والمصطفى من عديد الأماكن، مثل اصطفاء النساء/ المكان الذي يتهدل فوقك مثل هديا الشفاه على شفتيك/ المكان، مكانك أنت/ مكانة روحك حتى ارتفاعها للأعالي/ مكان الحبيب الشفيف الخفيف، مكان الحياة التي لا تشد عليك / هو آخر منفى لديك’. وقرأ أبو لوز صاحب ‘صباح الكاتيوش أيها المخيم’ و ‘فاطمة تذهب مبكراً إلى الحقول’ و’نصوص الدم’ و’ضجر الذئب’ قصيدة ‘الباب’ ومنها: ‘ يا إلهي كم احدودب البابُ/ كم وهن العظم فيه/ وكم شاب/ كم ضعفت عينه العسلية/ مطعونة بالمفاتيح عند الزيارة/ أو كلما صاح بي جرس البيت حتى بكيت عليه لكثرة ما دفعته الأيادي/ وهو لا يتذمر يتأخر/ يفتحه الفاتحون، ويغلقه دون قلب الأعادي/ يا إلهي ولا مرة وقفت خلفه امرأة اشتهيها ثلاثين عاما ولا طرقته بلادي’. انتقاداتانتقد الشاعر مهدي نصيران ‘غياب صوت الشعراء الشباب الأردنيين، من هذه الفعاليات، فهناك أسماء شعراء شباب جميلة، وثرية كان يجب أن يكون لها دور في مهرجان الشعر، في جرش’، وان كان يعتقد ‘أن عودة مهرجان جرش، وعودة الشعر إلى هذا المهرجان، خطوة كبيرة في إعادة الألق للشعر والشعراء’ مطالبا بـ’توسيع قاعدة المشاركة، وإعطاء الشعراء الشباب المبدعين دوراً يستحقونه’ في الدورة المقبلة لجرش.
وانتقد الشاعر نضال برقان عودة الشعر إلى ‘أرتيمس’، معربا عن اعتقاده ‘أن من يشدّ رحاله إلى جرش فإنه لا يفعل ذلك من أجل حضور أمسية شعرية، مع الاحترام الشديد لمن سيقرأ خلالها، في حين كان من الممكن أن تقام تلك الأمسيات في غير مكان في عمان، أو في غيرها من المحافظات، أما حصرها في ‘أرتيمس’ فمن شأنه أن يمثل عقبة أمام حضور الجمهور، الذي بالكاد يحضر الأمسيات الشعرية القريبة منه’، كما نوه برقان إلى أن ‘الأسماء نفسها، فإنها لا تعكس نبض الشارع العربي الجديد، بثوراته وتحولاتها، وراهنه الجديد، فجل الشعراء العرب، كانوا قد شاركوا في الدورات الأخيرة من المهرجان، وبشكل متكرر، ولعل ذلك يعود إلى أن إدارة الجانب الثقافي، الأدبي، في المهرجان لم تتغير، وكان جديرا بالقائمين عليه اختيار مشرفين جدد، قادرين على الإتيان بما هو جديد، ومختلف، علما بأن كثيرا من جمهور أمسيات جرش الشعرية من الأدباء والمثقفين، وبعضهم يحفظ قصائد هؤلاء الشعراء غيبا لكثرة ما رددت على مسامعهم!’. الأمسيات تحط في مقهى ‘ركوة عرب’ في اللويبدةوبدون تخطيط مسبق، صار مقهى ‘ركوة عرب’ التراثي الثقافي محط استراحة الشعر والشعراء، وشهد غير أمسية شعرية، جمعت بين الشعراء المشاركين في مهرجان في مهرجان جرش، وشعراء أردنيين من غير المشاركين في أمسيات المهرجان، احتفاء بضيوف مهرجان جرش والشعراء الأردنيين على حد سواء، بحضور ورعاية عزيز المشايخ، صاحب المقهى الذي صارت طاولاته منصة للشعراء، وصار رواد المقهى ‘جمهور الشعر’ الذي استمع للشعراء: علي العامري، زياد العناني، محمد عريقات، محمد العامري، جمانة مصطفى، يوسف عبد العزيز، عبد الله أبو بكر، غازي الذيبة، هبة عصام، لينا الطيبي، وغيرهم.
الشعراء العرب في حضرة مادبا بمواجهة القدسوفي زيارة نظمتها وزارة الثقافة للشعراء، زاروا فيها مادبا، ووقفوا على جبل نبو في منطقة سياغة شمال غرب مدينة مادبا بحوالى 15كم، وتبعد عن نهر الأردن 18 كم شرقاً وعلى ارتفاع 838 متراً فوق سطح البحر تشرف على نهر الأردن والبحر الميت وأريحا ومن فوق قمة هذا الجبل شاهدوا أنوار القدس وبيت لحم وجبال الخليل. كما زاروا المواقع الأثرية في محافظة مادبا وشاهدوا الأرضيات الفسيفسائية الرائعة في احدى اهم الكنائس في مادبا التي يعود تاريخها إلى العصر البيزنطي كنيسة خريطة مادبا المشهورة عالميا والتي تقع داخل كنيسة الروم الارثوذكس في مادبا، وتشتمل الخريطة على المدن الواقعة بين بيبلوس جبيل في لبنان إلى دمشق شمالا إلى طيبة في مصر جنوبا ومن البحر الأبيض المتوسط غربا إلى فيلادلفيا والبترا شرقا، وأما القدس فهي مركز الخريطة وهذه الخريطة تذكر مدنا مثل اريحا ونابلس واللد ويافا واسدود وعسقلان وبيت جبرين وغزة وقلعة الكرك وغيرها من المدن، كما أن الخريطة تصور الحيوانات والنباتات التي تشتهر بها تلك الاماكن.