آرتر شوبنهاورديديه ريموندإن المتعة التي تنبع من إشباع رغبة تختفي بمجرد تحقيقها تظهر أن السعادة لا وجود لها. فالإنسان مكرس للألم والملل وهما مفتاحا التجربة العدمية حسب آرتر شوبنهاور. يقول شوبنهاور إن الحياة هي عملية لا تغطي نفقاتها. وبذلك تكون المهمة الأساسية للفلسفة كما يفهمها ويطبقها شوبنهاور هي فرض خيبة الأمل وإظهار كيف أن الحياة هي عملية لا تستحق العناء. لأن الفيلسوف الذي يتبع نهج شوبنهاور هو قبل كل شيء مخيب للآمال. فالفلسفة هي أولا مصيدة لخيبات الأمل ودراسة للاشيء الذي يغطي الكثير من المفاهيم التي اعتاد الناس عليها لرسم طريقهم في الحياة والفكر كما هو الحال بالنسبة لأفكار السببية بحد ذاتها والغاية الحقيقية والمستقبل المغَيٍرِ في العمق بمعنى التاريخ من وجهة نظر هيغل. من بين العديد من خيبات الأمل هذه تحتل فكرة أن الإنسان، فردا كان أو إنسانا في الغالب داخل المجتمع والتاريخ، ينحو باتجاه شيء ما وهو السعادة بالنسبة إلى الفرد كيفما كان المحتوى الخاص والمبهم الذي يتخيله كل إنسان لهذه الكلمة. بينما ستبدد تجربة الملل هذا الوهم الأساسي بإظهارها أن ما يربو إليه الإنسان عندما يتكلم عن السعادة هو في كل الأحوال لاشيء، حيث أنه لاشيء يجَرب ولم يجرب من قبل. في قلب شبكة الأوهام يتضح إذن اللاشيء باعتباره مرآة حقيقية للقبرات ALOUETTES حيث تضيع إلى الأبد أغلب الأوهام الإنسانية فأفكار الغايات والمستقبل ليست في العمق سوى استبدالات لهذا الموضوع الأساسي المتمثل في الإيمان بإمكانية السعادة. من هنا تتبين الأهمية المنهجية للملل إذ لا يُظهر فقط لشوبنهاور فلسفته الخاصة لكنه أيضا سيساهم باعتباره سلاحا فعالا بطريقة خاصة لتعليم باقي الناس كيفية التخلي عن أوهامهم. بعد الإحساس بالملل واستيعاب جوهر فلسفته سيأتي الدور على التحسيس به للكشف عن حقيقة الفلسفة المشكلَة. تعريف الناس بعدوهم الخاص هو حشرهم في الفلسفة وجعلهم فلاسفة بالقوة.
ساعة الملل إن الملل تجربة، لكنها من نوع خاص، نتعلم فيها أن نجرب اللاشيء في الوقت الذي كنا نتوقع أن نجرب شيئا ما. والملل هو مفاجأة الغياب، غياب شيء كنا نتوقعه وننتظره تقريبا في ساعة محددة لكنه لم يأت ولن يأتي أبدا. ساعة الملل متوقعة منذ البداية حيث ستدق كلما حصل الرضا وأشبعت حاجة ما، إذ يعتبر شوبنهاور أن الرضا، باعتباره نهاية الألم وبعكسه، غير قابل للتجريب. فالرضا والسعادة كما يسميها الناس ليست في العمق وفي الأصل سوى سلبية لا مجال فيها للإيجابية. ليست هناك حالة من الرضا بحد ذاتها ولا بحركتها الخاصة تتوجه إلينا، بل لابد من أن يكون رضا عن رغبة ما. والرغبة، أو بصيغة أخرى الممنوع، هي شرط أولي لكل متعة. بينما نجد أن الرغبة يوقفها الرضا وبطبيعة الحال المتعة أيضا. وهذا بحد ذاته سلبية أساسية وضرورية بدون استدعاء للرضا، إذ عندما نترك إيجابية الألم التي يمكن تجربتها لا نجد أي إيجابية للرضا غير القابل للتجريب قط. فعدم القدرة على الإحساس بالسعادة وهذا النقص في الإحساس ‘بعدم الألم’ يحدد بدقة شروط تواجد الملل. فبدل تجربة الملل يجب إذن التكلم عن هذا الأخير باعتباره تجربة مستحيلة. استحالة تجريبية لصيغة السعادة بصفتها مفتاحا لتجربة الملل، ويعبر شوبنهاور عن ذلك في مقال آخر بطريقة أكثر دقة: إننا نحس بالألم وليس غياب الألم ونحس بالقلق وليس غياب القلق ونحس بالخوف وليس الأمن. نحس بالرغبة كما نحس بالجوع والعطش ولكن بمجرد تلبية الرغبة تصبح كما هو الحال بالنسبة إلى القطع التي نتذوقها والتي تختفي بالنسبة لأحاسيسنا في نفس الآن الذي نبتلعها فيه. فكما تذوب الفاكهة بمتعة يتغير غيابها ببهجة. كما كتب بول فاليري في مدافن البحرLE CIMETIERE MARIN . ولكن هذا الأخير هو شاعر للسعادة ( لنجري إلى الماء لنبعث من جديد أحياء) وليس مثل شوبنهاور ميتافيزيقي للملل. وبذلك يقبل بين انتهاء الرغبة وبداية الارتواء وقتا لتجربة السعادة، فهناك وقت مهما كان قصيرا تتغير فيه الفاكهة إلى بهجة…. بالنسبة إلى شوبنهاور سوف يرى الأشياء من منظور قاتم، فليس غياب الفاكهة هو الذي يتغير للبهجة ولكن بالخصوص وبطريقة عامة تتحول هذه البهجة، إذا وسعنا القول، حتى قبل أن تُجرب بصفتها بهجة. بمعنى أنه لم يكن من المتوقع، في نظام العالم الذي هو نظام قوة الإرادة، وقت للاستمتاع وهذا ما يجعل الملل الذي يعبر عن استحالة تجربة المتعة هو مفتاح التجربة العدمية. ونفهم في نفس الآن لماذا الملل، كما تعبر عن ذلك بطريقة جميلة الكلمة الألمانية langeweil، هو مرض الزمن، فهذا الأخير هو المسئول الأكبر عن الملل لأنه لم يحدد وقتا لتجربة المتعة. فبين الرغبة التي هي ألم والملل الذي هو نهاية الألم لا يوجد مجال لتحول ولا حيز للسعادة يتاح فيه للمتعة أن تجرب. وذلك ما يلخصه شوبنهاور في مقولته: الحياة تتأرجح كعقرب الساعة من اليمين إلى اليسار ومن العذاب إلى الملل. يعلن شوبنهاور هنا عن نظرية جديرة بالاهتمام تخص طريقة عمل المتعة ستجعل منه عرضة للعديد من أوهام التحليل النفسي حيث سينعته أحد المحللين النفسيين الألمان بإصابته بالعجز الجنسي. فهو لا يؤكد أن لا وجود للمتعة وأن الألم هو الحقيقة فقط، وهذا ما ينفيه الوجود اليومي لكل منهما، ولكنه أيضا يتجاهل أن عديدا من التجارب الإنسانية يتخللها الألم بتزامن مع المتعة. فلا وجود لمتعة دون توتر كما يتضح ذلك بجلاء في المتعة الجنسية. وكذلك يشع الحزن غالبا في تجربة السعادة. حيث يوجد نوع من التشابك الدائم والقوي بين المتعة والألم والفرح والبؤس. فلا توجد متعة خالصة كما توجد آلام خالصة. وأخيرا هناك تذبذبات دائمة داخل كل ألم. والألم الدائم يبقى استثناء.
هذا المستوى الأول من عدمية شوبنهاور الذي يؤكد على وجود الألم ولا وجود المتعة سيكتمل بمستوى ثان ناتج عن الأول وأكثر عمقا لكونه أكثر تطرفا. فبالفعل سيشرح شوبنهاور في كتابه العالم بصفته قوة إرادة وتمثل LE MONDE COMME VOLONTE ET COMME REPRESENTATION أن الإحساس بالدهشة باعتباره أول ربيع التفكير الفلسفي يبزغ فوق الميزة غير المفهومة بل حتى غير المعللة للوجود.
انبهار مؤلم. يرى شوبنهاور في المفاجأة منبعا للتفكير الفلسفي، معتمدا في ذلك على أفلاطون في le th”t’te وعلى أرسطو في la m’taphysique. وهو يعني بالمفاجأة قابلية اعتبار وجود ما مفاجئا وافتراضيا ما لم تستطع العلاقات السببية العادية أن تشرحه إلا بطريقة سطحية وبذلك يعتبرها ‘أي المفاجأة’ أصل كل تفكير فلسفي. ولكن هذه المفاجأة لدى شوبنهاور ليست فكرية خالصة فهي تقترن كما نعلم بنغمة مؤلمة: فالاندهاش الفلسفي إذن في العمق هو مفاجأة مؤلمة. فالفلسفة تبتدئ باتفاق مصغر كما هو الحال في افتتاحية دون جوان don juan . وبذلك فإن هذا التفاجؤ المؤلم والذهول الصامت الذي يتكلم عنه دائما شوبنهاور بخصوص العرض المقدم من طرف الوجود لا يخص فقط الأحزان. فالإعلان الفاضح والمفاجئ في الآن نفسه بأن الإنسان المعرض أصلا للألم والقادر عليه، هو من جهة أخرى غير قادر على السعادة. ولا تكفي، بطريقة أخرى، تجربة الألم في إنتاج الاندهاش الفلسفي كما يتصوره شوبنهاور، بل يحتاج أيضا إلى تجربة استحالة السعادة، وهنا كما سنرى تتضح تجربة الملل. فالوجود لن يكون لا مفاجئا ولا فاضحا إذا كان مركبا من السعادة والألم حيث تعوض بعض السعادة بعض الآلام. ولكن ألام الوجود، حسب شوبنهاور، لا تعوضها أي سعادة. وهذا الفراغ الذي يظهر في الوقت الذي ننتظر فيه إيجابية السعادة أو المتعة هو بالضبط ما نسميه الملل.
تمهيد للفلسفة إذن، فإن لم يكن الملل المنبع الوحيد فهو على الأقل واحد من منبعي تجربة الاندهاش التي تمهد للفلسفة ويبقى المنبع الآخر هو الحزن. بالإضافة إلى ذلك، يكون الملل من بين هذين المنبعين هو الأهم حيث يحدد في آخر لحظة تجربة المفاجأة وبذلك يقرر لوحده البداية الفعلية للفعل الفلسفي.
فالحزن يمكن تقبله في الأقصى كما رأينا سابقا، فما هو مصيري ومحدد ليس عدم التعويض بل الغياب الفعلي للسعادة. هو القول أن ما يحدد الاندهاش الفلسفي و الفلسفة التي تنتج عنه هو استحالة تجربة السعادة أو بصيغة أخرى هو الملل. بينما وجود السعادة في قلب الآلام يكون له تأثير التعويض عن هذه الأخيرة وكذا شرحها تقريبا لكل الأفراح والأحزان وأخيرا التخفيف وحتى الإخفاء الكلي لإحساس العار والغربة بمواجهة العالم، هذا ما كان عليه كما نعلم الخط الفلسفي لليبنيز leibniz كما هو الحال في LA THEODICEE. ولكن في الوقت الذي تصبح فيه الرغبات أشباحا زائلة في كل الأحوال ولا وجود حقيقي لها يكون من الواضح أن كل عملية للتبرير بالطريقة الليبنيزية ( نسبة إلى leibniz ) ستكون مستحيلة. وليس ما يتهم فورا LA THEODICEE هو ضآلة الرغبات بل غيابها. فلكي تعوض السعادة في العالم عن الأحزان يجب أولا أن تكون السعادة شرطا مسبقا حسب شوبنهاور ليس محققا، فالملل تكون له دائما الغلبة، ووقت الرغبة غائب لما لا نهاية. فتجربة الملل توضح إذن نقصا أساسيا وفراغا يمنع -باعتبار المعنى الميتافيزيقي- على العالم أن يشرح نفسه بنفسه. إذ تظهر كتجربة ميتافيزيقية بجدارة وتسلط الضوء على عدم قدرة العالم على التبرير وتبرز مثل الألم أو أكثر منه الرغبة الميتافيزيقية للإنسانية. يقوم شوبنهاور بالحسابات. الكثير من الآلام من أجل القليل من الخير. لقد حافظ الفيلسوف على هذه المحاسبة منذ شبابه عند عودته مع والديه من جولة في أوربا في صغره. سيرى في زيارتهم لسجن تولون le bagne de toulan مجازا للصيرورة الإنسانية حيث لاحظ أن الملل يتجلى على كل الوجوه عند الطبقة الغنية. مجموع سيئات الوجود يفوق حسناته. ولكي لا يقول شوبنهاور يكفي على LE CANDIDE لفولتير الذي وضح بطريقة جيدة هذه الخاتمة السلبية، يعلن في ‘LE MONDE COMME VOLONTE ET COMME REPRESENTATION ‘العالم كرغبة وكتمثل’ ، تصريحا ميتافيزيقيا ليؤكد من جديد هذا الاستنتاج لأن لا أحد يستطيع أن يحصي حسنات وسيئات العالم. فمجموع أيامه وآلامه لا منتهية وغير محسوبة. وهنا أيضا افتراض غير قابل للبرهنة. في نهاية هذه العملية الفلسفية يعتبر شوبنهاور أنه من الأفضل أن نحاول استبعاد الرغبة والتخلي عن الإرادة والوصول إلى الراحة ولكنها راحة داكنة. ‘ إذن، لقد استطعنا الخلاص بالحسنى’ كما همس قبل موته. آخر مستوى لعدميته الأكثر تطرفا لأنه الأكثر نهائيا. وهذا النفي للحياة يصل إليه ضدا على ما يجب أن يثيره ألا وهو الفن. الملل المعاش ممل والملل المتأمل يثير الانتباه. نفس الشيء بالنسبة لأخلاق شوبنهاور التي لا تعتمد على طريقة التحرك في العالم ولكن بالأحرى على طريقة للخروج منه. الفن والأخلاق تستجيب لهذا الإنقاذ الفلسفي الساخر. فبالدعوة إلى التخلي الطوعي يكون شوبنهاور رسول الهدوء المقلق. لا نستطيع أن نكون صدى جيدا لفلسفة شوبنهاور، ففلسفته مقلقة. فمثل هذه الفلسفة هي يائسة بدون شك. ولا يخطئ نيتشه في ذلك عندما يتساءل عن السلطة والقوة التي تتحمل خطورة أن تترك له حرية الانطلاق. كاتب المقالة: DIDIER RAYMONDLE MAGASINE LITTERAIREHORS SERIE N 10ترجمة: أنس شاكر العمراني