احمد السنوسي أساطير اليونان القديمة التي تناقلتها الشعوب والأمم عبر العصور قد تصدق على وضعها الحالي. ومن بين تلك الميثولوجيات الموحية قصة ‘أبي الهول’ (الشفانكس) ذلك المخلوق ذو المظهر الأنثوي المرعب بجسد أسد مُجّنح، يعترض سبيل المارة ويلقي عليهم سؤالا واحداً ان عجزوا عن الاجابة عنه كان مصيرهم الموت المحتوم.وحده ‘أوديب’ ملك ‘مدينة طيبة’ نجا من الموت، ربما لأن أهوالاً أخطر من الموت تنتظره في نهاية المطاف، بعد ان أجاب عن سؤال أبي الهول: ‘من هو ذلك المخلوق الذي له صوت واحد، والذي يمشي في البداية على أربع، ثم على رجلين اثنتين، ثم يمشي على ثلاثة’؟فكان جواب ‘أوديب’ : ‘انه الانسان من طفولته يمشي على أربعة، وحين يشبّ يمشي على قدمين، وحين يشيخ يستعين بعكازة او عصا حتى يستقيم سيره’.وقد مرت اليونان الحكيمة من تلك المراحل كلها الى ان اصبحت اليوم تمشي على ثلاثة بعد ان تساورها الوهم بإمكان الاتكاء على عصا الاتحاد الاوروبي من اجل انقاذها من الورطة المالية والاقتصادية والاجتماعية المزمنة وغير المسبوقة في تاريخها العريق، لكن اوروبا تنكرت لها بعد ان استفادت لقرون طويلة من حكمة اليونان وبعد نظر فلاسفته من ارسطو الى سقراط مروراً بأفلاطون، ومن نبوغ علمائه في الرياضيات مثل بيطاغورس ومن ابداع ادبائه من هوميروس صاحب الاليادة والأودية الى أوريبيد وصوفوكلس صاحب مسرحيات ‘أنتيغون’ و’أوديب ملكاً’ و’إلكترا’ ووصولا الى اريسطوفان، مبدع مسرحية ‘الضفادع’، ومن اجتهادات علمائه الذين احدثوا ثورة عميقة في مجال الطب مثل أبي قراط الذي هيمنت نظرياته كليا وكانت مرجعية اساسية لأطباء العالم منذ ذلك الزمان الى اليوم. وفوق هذا وذاك فان اللغة الاغريقية قد مدّت اللغات الاوروبية برصيد لا ينضب من التعابير والألفاظ والتركيبات اللغوية سارية المفعول الى يومنا هذا.وفي مقابل نداء الاستغاته اليوناني بشركائه في الاتحاد الاوروبي جاء رد فعل يتسم بالتعالي والتحقير والتسابق على اعطاء الدروس لحكومة اثينا في مجال تدبير المديونية في دول منطقة ‘الأورو’، فيما كانت الجماهير اليونانية المسحوقة تنزل الى شارع الاحتجاج للتعبير عن رفضها لما يسمى بـ’اجراءات التقشف’ المفروضة على محدودي الدخل، وقد سال دم الرافضين بغزارة في شوارع العاصمة اليونانية منذ شهر حزيران/يونيو الماضي.والمثير ان دول الاتحاد الاوربي تلتقي مع الولايات المتحدة في التعاطي مع الأزمات الهيكلية المالية حيث انها تحمل الفقراء والمستضعفين تكلفة تهور المافيات من المضاربين في القطاع الخاص الذين دأبوا على المقامرة البورصوية الى ان تسببوا في انهيار القلعة المالية العالمية مثل قصر من ورق. فوجدت الدول التي تعتبر حلقات ضعيفة في منظومة الاتحاد الاوروبي نفسها تؤدي الثمن نيابة عن الآخرين، فكانت البداية مع اليونان التي نفض الاوروبيون ايديهم من حكمتها وعطاءاتها الوفيرة، ثم جاء الدور على اسبانيا والبرتغال وايرلندا التي تعيش شعوبها حاليا ويلات البطالة والعوز والحاجة واصبحوا عالة على حكومات لم تفلح سوى في الدفع بشعوبها ودولها الى الافلاس المبين. في الماضي كانت الدول الاوروبية تخرج ورقة المديونية من اجل استعمار دول اخرى كما حدث مع المغرب والجزائر، حيث زعمت فرنسا انها ستدخل المنطقة المغاربية من اجل استرداد الديون والفوائد المترتبة عنها.واليوم ها هي اليونان وباقي الحلقات الهشة في الاتحاد الاوروبي عاجزة تماما عن الوفاء لديونها المستحقة عنها لدى الابناك والمؤمنين الذين يطالبونها بأداء الدين الى آخر فلس منه، دفعة واحدة ودون تأخير.الحل الاستعماري القديم لن يفيد اوروبا من اجل حل المعضلة اليونانية لكون الاتحاد الاوروبي اقيم اولا وقبل الهمّ الاقتصادي من اجل وضع حد نهائي لحالة التحارب التي عرفتها القارة حتى منتصف القرن العشرين لكن الحرب الحقيقية التي تشنها الابناك الاوروبية ضد المسحوقين داخل الاتحاد تنذر بإحياء النعرات النائمة تحت الرماد، بعد ان يصل مسلسل تفقير الشعوب الى منتهاه، والذي جعل اليونان تمشي اليوم بدون عكازة تستند اليها، ولعلها قد تجد في تراثها سنداً وعوناً، لتوجه رسالة واضحة الى شعوب اخرى من خارج القارة الاوروبية، وخصوصاً من المنطقة المغاربية، التي وضعت بيضها كله في سلة الاتحاد الاوروبي، متناسية ان اوروبا لم ترحم حتى أقرب المقربين اليها، فما ادراك مصير شعوب لا ترى فيها اوروبا سوى خزانات لتصدير الهجرة السرية والثورات الشعبية العارمة وما خفي كان اعظم من ‘قنابلها’ الموقوتة. كاتب وفنان مغربي