جاءت نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية بمثابة جرس الإنذار الذي لابد أن تنتبه له جميع القوى والحركات السياسية في مصر، فالشارع المصري الذي خرج فرحا بالديمقراطية لأول مرة منذ عقود طويلة، ليعبر عن رأيه طواعية وبحرية، لم يتغير بعد، ومازال في حاجة ماسة إلى جهود أكثر لرفع مستوى الوعي الشعبي لدى أفراده بالممارسة السياسية الصحيحة بعيدا عن أي مؤثر يستهدف عاطفة الشارع المصري بمسلميه واقباطه، متجاهلا عقل المواطن المصري لتوضيح الأسباب الداعية إلى رفض أو قبول التعديلات الدستورية. لذلك وبغض النظر عن الاسلوب الذي اتبع، وبعيدا عن المصداقية والأهداف الحقيقية خلف قيادات هذه التيارات الدينية، فإنني اعترف بانه علينا جميعا ان نرفع القبعة لكل من التيار السلفي وجماعة الاخوان المسلمين، اللذين برهنا للجميع على أنهما الأكثر علما بطبيعة الشعب المصري. والأكثر تنظيما بين الحركات والقوى السياسية، على الرغم من أنها المرة الأولى التي يخرجــــون فيها للعــــمل السياسي علنا وبحرية، بعد أن حررتهم ثورة الخامس والعشـــرين من يناير، ورفعت من أمامهم جميع الحواجز التي صنعها الجهاز الامني من أجلهم في العهد السابق، إلا ان الأسلوب الذي اتبعه كل من التيار السلفي والاخوان المسلمين في الترويج لقبول التعديـــلات الدستـــورية، لحشد المسلمين في كل صوب وتوجيهـــهم إلى صنـــاديق الاقتــراع.
لم يختلف كثيرا عن أسلوب النظام السابق، فقديما كان النظام يزور صناديق الانتخاب، أما الآن فأنصار التيار الديني يزيفون الأسباب والمبررات، بل يختلقون أسبابا غير موجودة كي تساعدهم على الوصول إلى غايتهم، إلا أن هذا الأسلوب مرفوض تماما رغم نجاحهم في تنفيذه، لأنه يعبر عن نوع من عدم الأمانة والافتقار إلى المسؤولية تجاه الشارع المصري، خاصة الأغلبية المسلمة التي تم استغلالها بطريقة فجة، فالتذرع بالمادة الثانية من دون ان يكون لها اي علاقة بالتعديلات المطروحة، جعل من الاستفتاء صراعا دينيا بين طوائف الشعب المصري. وأدى الى اتجاه بعض بسطاء الشارع المصري الى حد اتهام الرافضين للتعديلات بالعداء تجاه الدين الإسلامي، وبالطبع من بين هؤلاء الملقبين بالأعداء؛ المسلمون الليبراليون والماركسيون والاشتراكيون، فمبدأ اذا لم تكن معي فأنت ضدي روجت له التيارات الاسلامية بشكل اساسي، واعتمد على الطبقة العريضة في المجتمع المصري من الأميين وقليلي الوعي السياسي، فذهبوا يتحدثون عن نصرة الاسلام تارة، وتارة اخرى يتحدثون عن الاستقرار، ونعم هي مفتاح الجنة، ولا هي مفتاح الجحيم.
كذلك تتحمل الكنيسة في مصر جزءا كبيرا من هذا اللوم، فالطريقة التي تدخلت بها الكنيسة لتوجيه رعاياها كانت غير مناسبة ومرفوضة أيضا، فلا يجوز الحديث عن مصالح او مكاسب فئوية عندما تكون القضية المطروحة قضية تمس الوطن بأكمله، لذلك وجب على الكنيسة ألا تعتمد على هذا الأسلوب في الترويج لاتجاه معين، لأنه عمليا في حالة وجود هذا النوع من الصراع قبل التوجه لصناديق الاقتراع، فإن ذلك سيكون داعيا أكثر قوة لتشبث الطرف الآخر برأي مخــــالف، خاصة عند التطرق بأي صورة من الصور للمادة الثانية من الدستور، التي تحفظ حقــــوق الأغلبية بتحديد ديانتهم ولغتهم على انها الديانة واللغـــة الرسمية للدولة، وان مبادئ ديانتهم هي المصدر الرئيــــسي للتشريع من دون أي مساس أو انتقاص من حقوق الأقليات، وهو مبدأ تشريعي معمول به في معظم دول العالم، بل بعض مواد الدستور بهذه الدول، تحدد ديانة ومذهب من يحق لهم الترشح لمنصب رئيس الجمهورية أو رئاسة الحكومة. الآن علينا ان ننظر للمستقبل بعين ثاقبة وبرؤية واعية، وان نعمل معا يدا بيد، حركات سياسية وأحزابا، كي نحقق الانتشار بطريقة فعالة بين أبناء الشعب المصري بمختلف فئاته، وأن نصل إلى المواطن المصري في كل مكان، طارقين بابه بأنفسنا، وحتى نتعلم جيدا من أخطائنا، فعلينا ان نتوقف عن مخاطبة فئة واحدة فقط من الشعب المصري، فئة النخبة المثقفة، وان نعمل بطريقة أكثر شمولا، وأكثر تنظيما، حتى لا نترك المواطن المصري فريسة سهلة بين أيدي التيارات الدينية، تداعب حسه الديني وتعزف على وتر نصرة الدين الذي قد يصل بنا يوما إلى حافة الهاوية والاشتعال الطائفي في مصر، فنحن لم نخرج إلى الشوارع والميادين يوم 25 يناير لنستبدل سيطرة النظام القديم والحزب الأوحد، بسيطرة الجماعات الإسلامية التي أطلقت علينا أعداء الإسلام، لمجرد أننا مسلمون نرفض ان نقول نعم للتعديلات الدستورية ونطالب بدستور جديد.
هاني الفرماوي[email protected]