‘في الحي الذي لا يموت’ جديد رانة نزّالعمان ـ ‘القدس العربي’:’منذ العنوان المفصح عن التباس والداعي بالتالي لوقفة تأمل وذكاء التأويل. تفسح لنا رانة نزال المجال واسعاً لحرية القراءات’، هكذا يكتب إلياس فركوح في محاورته لديوان رانة نزال ‘في الحي الذي لا يموت’ والصادر عن دار أزمنة. ويُتابع القول ‘فبدلاً من أن تؤطر نصها الممتد الشاسع بوضوح يماثل فضيحة الكتابات المسيجة برثاثة منطوقاتها؛ تدع دواخلها تنداح في محاولة للقبض على غموضها وتفكيكه ولتدعنا، نحن القرّاء، أحراراً أيضاً في كيفية تشكيل رؤانا إليها! أوليس في نقطة الابتداء هذه تحفيز ليقظة الثّقافة فينا. وامتحان لمداها، وتحديق مباشر في مدى حرية التلقي لدينا؟بهذه التوطئة التي تعالقت مع النص الشعري الذي هو مسرحة لحوار بين اثنين على لسان الأنثى، ترجمة للفعل في تصادمه وبحثه عن ذاته في الآخر، النّص الذي أهدته رانة نزّال بقولها : ‘له في بياض غيابه’؛ لتكشف بذلك عن صراع المحلوم وتضاده مع الواقعي، عن نظرة مثالية تحض الواقع مترجية أن يكون على شاكلة المثال وأن يكفّ هذا الواقع عن تصدير أرجاسه وأوجاسه وأن يعلو في معراجه، أن يزفر زفرات الإنوجاد والتحقّق في قسوة أحياناً، وفي حنوّ غامر أحايين أخرى تحرّك رانة نزّال دفة الحوار في نصها الأخير ‘ في الحي الذي لا يموت’ والصادر عن دار أزمنة وهو العمل الشعري الرابع بعد مجموعاتها ‘فيما كان’ و ‘مزاج أزرق’ و ‘بيت العين’ لتطرح ذاتها من خلال نص بصري اللافت فيه أنّها حولته وبالتعاون مع مؤسسة فولت للدعاية والإعلان إلى نص مسموع سجلته بصوتها في ترجمة أخرى ضمن المسموع للشعر بمصاحبة المؤثرات الصوتية، وهي تجربة تقول عنها نزال انها تجربة ماتعة حيث أتاحت لها فرصة نقل الإحساس والشعور عبر الأداء، ومكّنتها من الاقتراب من قرّائها سمعياً ناهيك عن القراءة البصرية للنص التي يتابع إلياس فركوح تعليقه عليها بقوله : ‘نحن حيال نص يطالب بالحوار، لا الانصياع لعادة الاستجابات القرائية الحاسمة المحسومة، قبولاً أو رفضاً. وربما من هنا تتأتى له خصوبة التعدّد والتقاطعات الكلفيلة بحمله، وحملنا في الوقت نفسه، نحو آفاق التلذّذ بأكثر من معنى ـ إن كُنا من ذواقة الكتابة / القراءة حقاً’.وعن النص تقول نزّال : ‘هي تجربة مغايرة فالنص ممتد، ويتكئ على القارئ إذ يشحذ مخيلة القارئ، ليستقطب الحوارية، وفيه يحضر الطّلل بقوّة، بل صارت عرفاً مألوفاً ومحموداً أيضاً، إذ بفضله يظل المحلوم معلّقاً في كوة الأبد’. ومن النص الذي توزّع على مئة وست عشرة صفحة وبغلاف لفوتوغراف شاريل يومان من أندونيسيا بتحويل غرافيكي وبتصميم قامت به دار أزمنة تقول نزّال:’ترحّم هذا العمر على أيامه الخواليوصرتي الخاليةكُفِّن سوادها ببياض البرق الخاطفورقص الفرح رقصته المحمومةلم يثنه بين جنحيةتغلغل الفقدبلزاده لهواًمجوناًعسفاًكان يدري بالذي يدريه من الخواتيم الكالحات’وتتابع:’تائقة إلى تقواكأناوصلاتك الزاهدة فيّلدعائكورجائكللثغر الجائع أن…ظلي في أديم صلاتيودوام ضراعتها كي تبقىوتظلّي خضراء’وإذا تتداعى الذكريات والصور في دفق غزير، وحرارة لاهبة، وبلغة حيّة نابضة، تناكف رانة الآخر وتوارب عن حب عميق خائف راعف يخشى التسليم إذ ديدنه الاختبار، اختبار الآخر لا عن غبن أو زهو بل عن خوف لتصدع قلب تكسّرت فيه النصال على النصال فتقول:’آهيا أنتأي كفن أبيض يتسع لكن هذا الجرحوقرب أي سعفة ستحفر قبراًيتسع لاثنينأنا وأنا في الموتفماذا سوف نكتب على الرعشة الصمّاءفي سكوتناوالشوق الكامن ابن الحبّ الضاليتأوهفتنكفىء دمعةٌ الصبر في جفونهنقشاً بربريّ الطبع’نحن هنا بإزاء نص شعري وأداء صوتي ملحق به، مغذًّ له في تجربة جديدة تنضاف إلى حشد التجارب الشعرية التي تنتقل بالمقروء إلى آفاق تجريبية أخرى ومنها الملحق المسموع الذي يرافق ‘في الحي’ نص من خلال حواره الجارح والصارخ مع الآخر يحكي الوطن، ويحكي الغربة، ويحكي لواعج الروح.نص يتابع إلياس فركوح قوله فيه: ‘أهو شعر أم شذرات مجبولة بأرواحٍ تتسيل شعراً يحاول التخفي بلا طائل؟ وتأتي إجابة إلياس ‘لم يكن لتساؤلي هذا لهفة الوقوع على جواب. بقدر ما جاء تثويراً آخر لماهية الجمال الغامضة التي تأسرنا دون أن تكشف عن حدود لها أو تعريفات: فالجمال إذ يتفلّت من التأطير، إنما ينطلق بعيداً عن نصال التعريف. قراءتنا هي الكفيلة بموضعة الجمال. آخذة بالاعتبار ركونه إلى الحركة الدائمة والمراوغة. وطرده للتعيينات المتآكلة’.تقول نزال:’وحده يحرس صورة المحبوب كما يشتهيويحفظهابإطار الصمتحين يكون سهو المحب عن البوحوتباغته الأحوال ليتقلب في دفاترهامريضاً ولهاناًمتلكىء المشيورؤاه في حذرها مستلقية رمت شالها تبعاًوالتياعاً’وتتابع’ في فسحة العزاءوفي الحي الذي لا يموتأتوضأ زهد حروفيوأيمّم صوب الورقوأعلّق أورادي ودعائيعلني أدنوإذ لا متسع في الأرض لمن ينحر أوهامه علىمصاطب التمني’