‘إشراقات’ في ترجمة انكليزية:
ابراهيم درويشمنذ ان صدرت مجموعة ارثر رامبو (1854 -1891) ‘إشراقات’ وهي مجموعة من المخطوطات والرسائل او المدونات التي كتبها الشاعر واصدرت في باريس في عام 1886 بعد ان طلق الشاعر الشعر وقرر العمل على السفن التجارية وان يسوح في العالم ويستقر في القرن الافريقي. فإن هذه القصائد المصاغة من خلال قصيدة النثر حيرت النقاد والقراء لما فيها من كثافة شعرية وعالم فنتازي وسحري، وعمق وعودة للطفولة، وحديث عن مدن سحرية ومدن مقرفة قتلتها الحداثة وسكانها يعيشون في سخام المداخن ‘فقط من شرفة نافذتي، ارى اشباحا جديدة تتدحرج من خلال الدخان الابدي الخارج من مداخن الفحم الحجري’، وفيها يصور الغضب، والموت البارد بدون دموع، والجريمة، ومدنا بسطت فيها اللغة الى ادنى معانيها، قصائد المدن والمدن الجديدة- الميتروبوليس هي إشراقات الشاعر على معنى المدينة وسكانها واشباحها وضبابية الحياة فيها ومحاولته فك لغزها، ‘ما هي المدن’؟ يتساءل في قصيدة اخرى، ويجيب انها جبال، مشبها اياها بجبال لبنان وبنسلفانيا حيث تنبع الاحلام منها، وشاليهات كريستالية، هي مدن الحلم التي يقرأ الشاعر تواريخها بفنتازية ويعيدها الى الميثولوجيا اليونانية. في قصائده عن الطفولة وعن الجني الذي يشبه الاله يدخل رامبو عالما مليئا بالسحر والرموز عن البحار والسفن والاطياف والمهرجانات والاحلام في قصيدة ‘فجر’، انه حلم يخرق فيه الشاعر الحجب، واحدا بعد الاخر، والفجر هو الطفل، ‘فجر وطفل يسقطان في قاع الغابة، وعندما صحوت كان المساء قد حل’. في عالم رامبو يتلبس كل شيء عالما من السحر، في الازهار عيون وقفازات ثعالب وسجاد مزركش وضفائر. وفي الازهار يرى الها بعيون زرقاء كبيرة وجسد ابيض مثل الثلج والسماء، حوله ازهار نابتة جديدة وورود. يخلق رامبو في هذه القصائد التي تخوض في موضوعات شتى الطفولة والفيضانات والخوف والديمقراطية والانتظار الليلي عالما منسابا متصلا احيانا ومفككا للأحاسيس الانسانية. في عالم كهذا يدخل الشاعر عالمه الخاص، ففي قصيدته طفولة التي اشرنا اليها في البداية يرسم رامبو عالما ملغزا في قصر ريفي ‘شاتو’ يعيش فيه سكان رسمهم او قدمهم كمخلوقات قوطية مظلمة ‘هي هذه الفتاة الصغيرة الميتة، خلف دغل من الازهار- تهبط الام الصغيرة الميتة عن الدرج، والرجال الكبار دفنوا الى جانب جدار من الازهار’. ومن اجل ان يعطينا حس الهجر والفراغ الذي يعيشه هذا المجتمع الريفي يقدم لنا صورة عن الطريق الواسع الاحمر في الجنوب وفيه منظر لأوراق الشجر اللامعة ـ الذهبية التي تندفع وهي تحدث ازيزا وهي تقترب من النزل. في قصيدة طفولة يتجسد الشاعر في اكثر من شكل فهو ملاك يصلي على مصطبة، ‘انا العالم الباحث الجالس على كرسي اسود، انا الماشي على الطرق الواسعة ـ السريعة، وهو يحدق طويلا في كآبة الشمس الغاربة المغسلة بالذهب’. في طفولة وفي الجزء الاخير منها يعيش الشاعر او المتكلم في قبر مستأجر في قاع بعيد من الارض السفلية، ويشعر بالملل والغضب الذي يرافقه الخوف والجحيم، ‘على البعد من صالوني الارضي، بيوت تتجذر وغيوم تتجمع’. في عالم ‘الإشراقات’ يدخل رامبو عوالم مقفرة وريفا وفيضانات تغمر مسالخ للحيوانات التي ينساب منها الحليب والدم، انه عالم ما بعد الطوفان الذي ترحل عنه القافلة تاركة النزل القائم على تلة من الثلج، وفي هذا العالم الموحش البارد يعوي ابن اوى، الطوفان وان تراجع لكن الماء والحزن يحييه، ويبدو الطوفان في عالمه الحقيقي غير الطوفان الذي يعتمل في داخله، وهنا يقول ان الساحرة التي تشعل فحمها في قدر من الفخار ‘لن تحكي لنا ما تعرفه وما لا نعرفه نحن’. تتراوح قصائد ‘إشراقات’ بين الطويلة والقصيرة، ففي قصيدة ‘رحيل’ وهي تقول بصوت ‘ شاهد ما يكفي في كل السموات، اخذ ما يكفي من اصوات المدن في المساء وساعات الغروب، دائما، عرف ما يكفي، محطات الحياة، يا ايتها الاصوات والرؤى.. رحيل وسط الاصوات والعاطفة’. في قصيدة للعقل ‘نقرة على طبل يخرج كل الاصوات ويحدث توازنا.. تصل من الديمومة وكلكم تذهبون الى كل مكان’. يحشد رامبو في قصائده مئات الصور والتفاصيل ويراكمها كالتلال، ويحافظ من خلال هذه التفاصيل على تماسك القصائد من اجل خلق تواصل بينها، وفي القصائد رموز شرقية ويونانية ومن الف ليلة وليلة وصبايا صينيات واغان سيبيرية. وفي عالم رامبو الموحل، يخلق اجواء بربرية عنيفة ‘منذ عهد بعيد قبل الايام والفصول والبشر والبلدان.. علم اللحم الدموي على وجه البحار القطبية الحريري والازهار غير موجودة.. تلك التي استعيدت من ابواب البطولة التي لا تزال تهاجم قلوبنا ورؤسنا… بعيدا عن القاتل القديم.. يا راية اللحم المدمية على وجه البحار القطبية الحريري والازهار.. حلاوة… فحم حجري ينزل من ثورة الغابات’. يخلق رامبو من البشاعة هنا والفحم ورغوة الدخان عالما من الحلاوة والموسيقى ويختم قصيدته’ ايتها الحلاوة، ايها العالم، ايتها الموسيقى، وهناك، اشكال، حلوى، ضفائر، عيون تعوم، والبياض يغلي الى قاع براكين القطب والكهوف.. حلاوة’. في اخر الرحلة مع رامبو وإشراقاته يواجه القارئ قصيدة ‘الجني’، وهذه القصيدة حسب مترجم المجموعة من اعظم القصائد التي كتبت وقارئ القصيدة يربط بين عطاء وقدرات الجني وحضوره بحضور القوة العلوية والتي تبدأ ‘ هو من حنانه وحضوره منذ ان فتح بيته لزبد لشتاء ولطنين الصيف’ و’نتذكره وهو يسافر وان ذهب ذهب عشقه فإنه سيرتد،.. هو لن يذهب ولن ينزل من السماء مرة اخرى’. هو الجني الاله الجديد لرامبو. ويصف اشبيري القصيدة بأنها ‘ من اعظم القصائد التي كتبت، هنا جني يشبه المسيح الذي يتجاوز حبه التقاليد الدينية يحضر من اجل انقاذ العالم من كل الترددات والدفعات بموسيقى كثيفة’. ‘إشراقات’ رامبو ترجمها من الفرنسية الى الانكليزية جون اشبيري، حيث قدمها في نسخة ثنائية اللغة فرنسية انكليزية للمقارنة بين صوت- ايقاع القصائد في ترجمتها الانكليزية وصوتها الاصلي الفرنسي. ويحكي المترجم قصة ‘الإشراقات’ هذه حيث يقول ان الشاعر سلمها الى صديقه بول فيرلين في اخر لقاء جمعهما في شتوتغارت عام 1875، وكان فيرلين قد اطلق سراحه من السجن في بلجيكا حيث قضى فترة سجن فيها بعد ان اطلق النار على صديقه الشاعر، واصاب يده، وكان رامبو يريد من فيرلين ان يحمل المذكرات هذه الى صديقه جيرمين نوفو الذي كان يعتقد ان الاخير سيقوم بالبحث عن ناشر له. ويقول اشبيري ان قصة المذكرات ستتحول الى واحدة من الالغاز الادبية، ويتساءل ان كان السبب يتعلق بتردد فيرلين في ارسالها لانه لا يريد دفع ثمن الطابع البريدي خاصة انه اشتكى من كلفة الطرد ‘2.7 فرنك فرنسي’، ويرى المترجم ان اللغز يتعلق بقرار رامبو الاعتزال عن الكتابة وكتابة الشعر للعمل في السفن التجارية التي كانت تتاجر في كل شيء، مع ان المترجم ينفي ان كان رامبو قد تاجر في العبيد. ومن هنا فرامبو لم يكن واعيا لنشر الديوان الذي كتب مقدمته فيرلين نفسه، لانه كان قد سافر، وكان الشاعر قد لاحق اجراءات اصدار ديوانه ‘موسم في الجحيم’ والذي كان حسب اعتقاد النقاد وداع الشاعر للشعر والشعراء، مع ان قصائد ‘الإشراقات’ يعود بعضها الى اقامة رامبو في لندن مع فيرلين، واخرى تعود الى زيارته ونوفو الى لندن والبعض الاخر مؤرخ في تواريخ لاحقة في فرنسا. ويقول المترجم ان ترتيب الديوان وقصائده ليس من عمل رامبو. ويرى المترجم ان قصائد رامبو النثرية هي في جوهرها حديثة وان حداثتنا هي بسبب رامبو الذي قادنا لها. اهمية ترجمة اشبيري انه هو نفسه شاعر نشر الكثير من الاعمال في قصيدة النثر منها ديوانه المهم ‘ثلاث قصائد’ (1972). بالنسبة للقارئ الذي يعرف الفرنسية فالسؤال يظل هل يقرأ القصائد لانها ترجمة اشبيري ام انها قصائده هي بعد ان ‘انكلزها’؟ ، وايا كان الحال فرامبو يعتبر من اهم الاصوات في الشعر في عالم القرن التاسع عشر وهو في الفرنسية صنو ايملي ديكنسون وويتمان في الانكليزية. واهمية الشاعر رامبو انه قال دفقته الشعرية وافرغها عندما وصل العشرين من عمره، وعمره الشعري او عبقريته الشعرية لا تتجاوز الخمسة اعوام حيث كتب الشعر بالفرنسية واللاتينية وعندما ارسل بعضها الى بول فيرلين في باريس، رد الشاعر بارساله بطاقة سفر لرامبو للقائه ومعها رسالة قصيرة دعوة ‘ تعالي ايتها الروح العظيمة، نطلب حضورك ونتنظرك’، وبحضور رامبو لباريس يبدأ حياة جديدة تنتهي بهجر فيرلين لزوجته واولاده وهربه مع رامبو الى بلجيكا ومن ثم للندن، حيث بدءا علاقة حب مضطربة انتهت في بروكسل برصاصة اخترقت يد رامبو. خمس سنوات في الشعر وموت في الشباب حولت رامبو الى قديس في عالم الشعر ومؤثر في المدرسة الرمزية والسيريالية، كما ان اثره واضح على الفنان بابلو بيكاسو وعلى المغني بوب ديلان. ‘إشراقات’ ديوان حافل بالدهشة والعالم العجائبي، هنا شاعر يحلم بحرب راشدة قوية عالمها غير متوقع، حرب بسيطة مثل العبارة الموسيقية. وهنا شاعر ينتظر الجني وخطواته وهجرته السريعة اسرع من الغزوات القديمة.Illuminations by Arthur Rimbaud translated by John Ashbery Carcanet/ London- 2011John Ashbery