سورية والصحوة الخليجية المتأخرة

حجم الخط
0

رأي القدس انتقال الموقف الخليجي، والسعودي منه بالذات، من حالة الصمت الى الادانة الشديدة للممارسات القمعية التي يرتكبها النظام السوري ضد شعبه يوحي بان عزلة هذا النظام ستتصاعد في الايام او الاسابيع القليلة المقبلة، وان عدد اصدقائه في تناقص متسارع.

الدول الخليجية ظلت طوال الاشهر الخمسة الاخيرة من الازمة السورية تحاول مسك العصا من الوسط، او بالاحرى تتبنى مواقف مزدوجة، ففي الوقت الذي كان المسؤولون الخليجيون من الزوار شبه الدائمين للعاصمة السورية، يلتقون الرئيس بشار الاسد ويؤكدون على دعمهم له واستقرار بلاده، كان الاعلام الخليجي، والسعودي (العربية) والقطري (الجزيرة) يقف بقوة الى جانب الثورة الشعبية السورية، ويفتح شاشاته على مصراعيها امام قيادات المعارضة السورية.

في اليومين الاخيرين انقلبت المعادلة رأسا على عقب، وتطابقت المواقف الرسمية الخليجية مع التوجهات الاعلامية في ادانة اعمال العنف التي ترتكبها قوات النظام العسكرية والامنية تجاه المحتجين في مختلف المدن والقرى السورية، ويسقط من جرائها مئات الشهداء والجرحى بصفة يومية.

بداية هذا الانقلاب جاءت في بيان صدر عن دول مجلس التعاون الخليجي ندد باعمال العنف هذه وطالب بوقفها فورا، تلاه بيان مماثل عن جامعة الدول العربية كرر المواقف نفسها، وطالب الرئيس السوري بشار الاسد بادخال اصلاحات جذرية، مما يوحي بان بيان الجامعة هذا جاء بايعاز من المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، لان امين عام الجامعة العربية الدكتور نبيل العربي زار دمشق والتقى الرئيس الاسد، وادلى بتصريحات مؤيدة للموقف السوري الرسمي في وجه الانتفاضة الشعبية المطالبة بالتغيير الديمقراطي.

الدول الخليجية كانت تقف في خندق الانظمة العربية ضد الثورات الشعبية خوفا من انتقال لهيبها الى طرف ثوبها فتحرقه، ولذلك ايدت الرئيس حسني مبارك ونظامه ضد ثورة ميدان التحرير، بل ومارست ضغوطا شديدة على الولايات المتحدة الامريكية ورئيسها باراك اوباما للتدخل بقوة لانقاذ نظام الرئيس مبارك من الانهيار، والمكالمة الغاضبة بين العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس الامريكي في هذا الاطار ما زالت ماثلة للاذهان.

صحيح ان بعض الحكومات الخليجية تدخلت لمصلحة الثوار في الازمة الليبية وارسلت طائرات حربية مقاتلة (قطر والامارات) او طائرات تجسس من طراز ايواكس (السعودية) للقتال الى جانب قوات الناتو ضد كتائب الزعيم الليبي معمر القذافي، ولكن الصحيح ايضا انها لم تقدم اي مساعدة مادية للمعارضة السورية، وفعاليات الانتفاضة على الارض، واكتفت بالصمت. حتى ان وزير الخارجية السوري وليد المعلم لخص هذا الموقف بقوله ان الحكومة القطرية معنا ومحطة ‘الجزيرة’ ضدنا بعد استقباله لنظيره القطري الشيخ حمد بن جبر بن جاسم آل ثاني.

الاعلام السوري الذي كان يخص قطر و’جزيرتها’ بالهجوم طوال الاشهر الماضية بدأ يوسع دائرة هجومه اعتبارا من يوم امس، بحيث يضيف السعودية الى قائمة اهدافه بعد الكلمة القوية التي وجهها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز مساء امس الاول الى ‘اشقائه’ في سورية، قال فيها ان بلاده لا تقبل ما يجري في سورية من اعمال قتل، وطالب القيادة السورية باصلاحات شاملة، واعلن استدعاء السفير السعودي في دمشق الى الرياض من اجل التشاور.

فهذه هي المرة الاولى ومنذ سنوات يخرج هذا الاعلام عن الخطوط الحمر التي وضعها لنفسه، او وضعتها له قيادته، ويرد بقوة على ما وصفه بالتدخل في الشأن السوري الداخلي، ويصف كلام العاهل السعودي بانه رسالة ‘تهديد امريكية’، ويؤكد ان السعودية اولى بالاصلاحات من سورية، مثلما جاء في مقال لصحيفة ‘الوطن’ المقربة من الحكومة السورية.

وكان ممن الطبيعي ان تعرب الادارة الامريكية من خلال الناطق باسمها عن سعادتها الغامرة بهذا الموقف العربي القوي من النظام السوري، خاصة ان هذا الترحيب تزامن مع ارسال مسؤول الملف السوري في وزارة الخارجية الامريكية الى انقرة لبحث الاوضاع في سورية مع القيادة التركية، وتحميل السيد احمد داوود اوغلو وزير الخارجية التركي الذي سيزور سورية اليوم رسالة شديدة اللهجة الى القيادة السورية.

واضح من خلال كل ما تقدم ان الادارة الامريكية تحشد الحلفاء للتدخل في سورية بطريقة او باخرى، وربما تضطلع تركيا بدور رأس الحربة في هذا الخصوص اذا ما تفاقمت اعمال القتل التي ينفذها النظام السوري ضد شعبه، فلم يكن من قبيل الصدفة ان يهدد رجب طيب اردوغان رئيس وزراء تركياهذا النظام بان صبر تركيا بدأ ينفد، وانها لا تستطيع ان تقف مكتوفة الايدي تجاه ما يحدث في سورية من اعمال قتل.

نتمنى ان تتوقف اعمال القتل التي يمارسها النظام السوري وبطريقة وحشية ضد شعبه لقطع الطريق على اي تدخل خارجي، لان هذا النظام سيتحمل كل النتائج المترتبة عليه، لانه لم يستمع مطلقا الى جميع النصائح والنداءات التي تطالبه بالتعقل والحكمة، والتوقف عن اللجوء الى الحلول الامنية الدموية ضد شعبه.

يقيننا ان النظام لن يحتكم الى صوت العقل، وسيواصل النهج نفسه اي الزج بقوات الامن والجيش في مواجهة المحتجين المطالبين بالعدالة والمساواة والكرامة من ابناء شعبه، وهنا تكمن الكارثة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية