اغتيال العلماء النوويين التحدي الاكبر للاستخبارات الايرانية

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي

ماذا يعني الاعتراف الاسرائيلي باغتيال العالم الايراني، دريوش رضائي الذي اغتيل الشهر الماضي بالقرب من دار حضانة ابنته في احد شوارع طهران؟ ألا يخشى الكيان الصهيوني من عقوبة دولية لارتكاب جريمة الاغتيال مع سبق الاصرار والترصد ثم الاعتراف والتباهي بها؟ ثم أليس من الممكن ان يدفع هذا الاعتراف السلطات الايرانية لاتخاذ تدبيرات أشد لحماية علمائها ومواطنيها من جرائم الاغتيال الاسرائيلية؟ وربما السؤال الذي لا يقل أهمية عن ذلك: هل ستنحصر الاغتيالات بالعلماء الايرانيين ام ستمتد الى القادة السياسيين والنشطاء الفلسطينيين خصوصا مع التوجه لاعلان دولة فلسطينية مستقلة؟ ثمة حقائق يجدر ذكرها قبل الشروع بالاجابة على التساؤلات السابقة. اولها ان جريمة الاغتيال المذكورة التي حدثت في وضح النهار وباعتراف رسمي من الجهة التي قامت بها ليست الاولى ولن تكون الاخيرة، بل ربما يشجع عدم الرد الايراني بالمثل والصمت الدولي جهاز ‘الموساد’ الاسرائيلي على توسيع دائرة الاغتيالات. فهناك مسلسل من استهداف العلماء العرب والمسلمين خصوصا في مصر منذ اكثر من نصف قرن. ثانيها: ان الاغتيال ممنوع دوليا لانه ينضوي تحت عنوان ‘القتل خارج القانون’ وهو ممارسة محرمة وفق القانون الدولي. فبالاضافة لرفض اغلب الدول الغربية (في ما عدا الولايات المتحدة) عقوبة الاعدام، فهناك مبدأ ثابت يمنع تنفيذ اعمال القتل خارج القانون، اي خارج الاطر القضائية والمحاكمات العادلة، وتناضل المنظمات الحقوقية الدولية مثل منظمة العفو الدولية ومجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة ضد القتل خارج القانون. ثالثها: ان ‘اسرائيل’ تشعر بان من حقها توسيع دائرة عمل اجهزة استخباراتها الى خارج حدود فلسطين المحتلة، وتعتبر كل ما تراه ‘تهديدا’ لامنها هدفا مشروعا للقتل او التفجير. ولذلك لم تتوقف جرائم الاغتيال منذ اربعين عاما، وقد تصاعدت في العقدين الاخيرين مخترقة حدود الدول الاخرى، من تونس الى دبي. وفي عالم تهيمن عليه قوى التضليل والهيمنة الغربية، لم يعد لقيم العدالة والمساواة في المعاملة واقامة حكم القانون، وتطبيق الشرائع الدولية، دور في توجيه سياسات دول ‘العالم الحر’ التي ما فتئت، حتى هذه اللحظة، تصر على دعم الاحتلال والاستبداد والديكتاتورية. رابعها: ان استهداف ايران ليس محصورا بحدودها الجغرافية، بل انه استهداف للامتين العربية والاسلامية، خصوصا في المجال العلمي والتكنولوجي. فمن اهم اسباب التخلف ضعفهما في هذين المجالين، وتوجه بعض دولهما لتبذير اموال الامة لاقتناء معدات تكنولوجية متطورة من الغرب باسعار باهظة، ومنها صفقات السلاح العملاقة التي تعتبر هدرا غير مبرر لتلك الاموال.

لقد اصبح المشروع النووي الايراني الهم الاكبر للدول الغربية، بتحريض مباشر ومتواصل من الكيان الاسرائيلي. فهذا المشروع مستهدف لامور عديدة: اولها انه يساهم في تطوير المهارات العلمية والتكنولوجية الايرانية، وثانيها ان امتلاك التكنولوجيا النووية يوسع مجال التطور العلمي والتصنيعي خصوصا في المجال العسكري، وثالثها انه يخل بالتفوق الذي فرضه الغرب في الجوانب العسكرية والعلمية في المنطقة لصالح الكيان الاسرائيلي، ورابعها انه سوف يوفر لايران دورا اقليميا في المستقبل من خلال نقل امكاناتها للدول العربية والاسلامية المجاورة. ولذلك اصبح مستهدفا بشكل مباشر ومكشوف وبدون مجاملة او دبلوماسية. هذا في الوقت الذي يتم التغاضي عن كافة اختراقات الكيان الاسرائيلي للمواثيق الدولية، فينتج السلاح النووي ويرفض التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا يسمح لمفتشيها بزيارة منشآته النووية خصوصا مفاعل ديمونا بصحراء النقب. الضغوط الغربية على ايران توسعت كثيرا، وهي تهدف لحصار الجمهورية الاسلامية على كافة الصعدان. فبالاضافة للتجسس المتواصل عليها سواء بتسريب العملاء الى العمق الايراني، ام بالتجسس من خلال الاقمار الصناعية المسلطة على كافة مناطق ايران، ام عبر وسائل ‘السايبر’، هناك الاستهداف على صعدان شتى منها ما يلي: اولا الحصار الاقتصادي الشامل الذي بلغ في الوقت الحالي ذروته، بمنع التعامل المصرفي مع ايران. وتعاني طهران من هذا الحصار كثيرا، فهي لا تستطيع استلام العائدات النفطية بالطرق المصرفية المعتادة، بل تضطر في اغلب الاحيان لاسلوب التبادل التجاري بدلا من الاستلام النقدي. ثانيا: الضغوط الدبلوماسية، واستهداف الاشخاص المرتبطين بالمشروع النووي والتكنولوجي والعلمي بحرمانهم من حرية السفر او التعامل المالي او العلمي. وقبل شهور اصدر البرلمان الاوربي قائمة بـ 32 مسؤولا ايرانيا يمنع التعامل معهم. ثالثا: تفتيش السفن الايرانية او المتوجهة الى ايران في اعالي البحار، كما حدث للسفينة التي كانت متوجهة من فنلندا الى الجزائر في تموز/يوليو 2009، التي قيل انها تحمل صواريخ روسية الى ايران. وما اكثر السفن التي تم تفتيشها من قبل الاساطيل الاسرائيلية بدعوى انها تنقل اسلحة ايرانية لحزب الله وحماس. رابعا: منع الطلبة الايرانيين من الدراسة في الجامعات الغربية خصوصا في التخصصات ذات الطابع النووي او التكنولوجي المتطور، وقد توسع ذلك المنع ليشمل الطلاب من بلدان عربية واسلامية شتى خشية من انتقال التكنولوجيا والقدرات العلمية الى بلدان المسلمين. خامسا: السعي المتواصل لتقسيم ايران باثارة الفتن العرقية والمذهبية، سواء ببث افكار التفتيت والتمزق ام باعمال العنف كالتفجيرات التي حدثت في اقليم خوزستان وزاهدان والتي قتل فيها الكثير من الايرانيين، من بينهم مسؤولون بالحرس الثوري. سادسا: الاثارة المتواصلة للفتنة الطائفية بهدف اقامة الحواجز النفسية والدينية بين دول المسلمين وشعوبهم. ومنذ الايام الاولى للثورة الاسلامية، بدأ المشروع الطائفي يتخذ ابعادا خطيرة غذتها الحرب العراقية – الايرانية، وما يزال لهبها يتصاعد كوسيلة لاحتواء الحالة الثورية العربية. سابعا: توجيه المال النفطي العربي لتمويل مشروعات اعلامية تكرس حالة العداء مع ايران، وتعيد تدوير المصطلحات التي كانت على حافة الانقراض كالصفوية والمجوسية والشيعية، كل ذلك لمنع تبلور فكرة الوحدة الاسلامية واستعادة الهوية الدينية لهذه الشعوب.

بدأ استهداف العلماء الايرانيين منذ ان اتضح ان الجمهورية الاسلامية مصممة على الاستمرار في اقتناء التكنولوجيا النووية وتطويرها باستقلال عن الغرب. وفي العامين الماضيين قتل اربعة من علمائها، فضلا عن الذين اختطفوا عندما كانوا خارج البلاد. فقد سبق اغتيال البروفيسور رضائي اغتيال الدكتور مسعود علي محمدي في 12 كانون الثاني/يناير 2010 وهو عالم الفيزياء الرياضية المتخصص في الجسيمات، وقد اغتيل بانفجار عندما كان خارجا من منزله للذهاب الى جامعة طهران. وفي 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2010 اغتيل العالم النووي مجيد شهرياري، بقنبلة الصقت بسيارته، ويعتقد انه كان يعمل في المشروع النووي جنبا إلى جنب مع العالم الاخر فريدون عباسي.

واتهمت السلطات الإيرانية جهاز الموساد بعملية اغتياله. أما فريدون عباسي، فقد نجا من محاولة اغتيال دبرت له في احد شوارع طهران، وعين بعد ذلك رئيسا لمنظمة الطاقة الذرية الايرانية. ويمكن القول ان العام 2007 كان بداية مشروع الاغتيالات الاسرائيلية للعلماء الايرانيين. فقد اغتيل أردشير حسن بور عالم الفيزياء النووية، بعد ان دس السم في طعامة، وكان يعد من أبرز علماء ايران في التصنيع العسكري وكان يدير مركز الدراسات الكهرومغناطيسية النووية الذي أسس عام 2005 وبرغم فرض السلطات الإيرانية إجراءات امنية مشددة على علمائها النوويين في أعقاب اغتيال العالم مجيد شهرياري، فقد تواصلت عمليات الاغتيال وآخرها اغتيال دريوش رضائي. فما الذي حدث؟ كيف استطاع اعداء ايران الوصول بهذه السهولة لشخصية مرموقة يفترض انها تحظى بحماية خاصة؟ الامر المؤكد ان هذه الاعمال لن تؤثر كثيرا على سير المشروع، ولكنها مؤشر لخلل أمني واستخباراتي غير قليل. كما انها سوف تشجع الصهاينة على ارتكاب المزيد من الجرائم خصوصا مع استمرار الدعم السياسي والمعنوي الغربي، وبالتحديد من الولايات المتحدة الامريكية. الاسرائيليون يعلمون ان هذه الاغتيالات لن توقف المشروع، ولكنها تأمل ان تؤدي لاحداث شروخ صغيرة او كبيرة في المؤسسة السياسية الايرانية، ولذلك فعلى ايران الاستعداد لخوض حرب استخباراتية شرسة مع اعدائها، وعدم الاكتفاء بموقف الدفاع السلبي.

الامر الذي يستدعي الاهتمام سياسات التوسع والهيمنة التي تنطوي عليها الاستراتيجية الاسرائيلية المدعومة امريكيا، ولذلك ففي الوقت الذي يستهدف فيه علماء ايران، لا توفر آلة القتل الاسرائيلية علماء المسلمين الآخرين. فعلى مدى الاعوام الثمانية التي اعقبت سقوط نظام صدام حسين، قتل اكثر من 500 من العلماء العراقيين بالاغتيال والتفجير. فبرغم ان العراق ليس مهتما في الوقت الحاضر بمشاريعه العلمية والتكنولوجية، الا ان الاسرائيليين يخططون للمستقبل فيستهدفون العلماء قبل ان يتمكنوا من بدء مشاريع متطورة تؤثر على ميزان القوى في الشرق الاوسط. ولم يوفر الاسرائيليون علماء مصر والعراق ولبنان سابقا. وقد عدد الكاتب علي بدوان بعض العلماء العرب الذين تمت تصفيتهم بأيدي الصهاينة وذكر منهم: المصري الدكتور يحيى أمين المشد، الدكتورة والعالمة المصرية في أبحاث الذرة الدكتورة سميرة موسى، وعالم الذرة المصري سمير نجيب، والدكتور في الفيزياء النووية نبيل القليني، والدكتور الفلسطيني في الفيزياء النووية نبيل احمد فليفل، والدكتور العلامة علي مصطفى مشرفة الذي تتلمذ على ألبرت اينشتين وكان أهم مساعديه في الوصول للنظرية النسبية وأطلق عليه اينشتاين العرب، والدكتور جمال حمدان، والدكتورة سلوى حبيب، والدكتور سعيد سيد بدير، والعالم اللبناني رمال حسن رمال الذي كان يعتبر أحد أهم علماء العصر في مجال فيزياء المواد، واللبناني الدكتور حسن كامل صباح (أديسون العرب)، والدكتورة السعودية سامية عبد الرحيم ميمني. في ضوء هذه الحقائق حان الوقت لموقف عربي اسلامي موحد ازاء هذه الجرائم التي ترتكب من قبل الصهاينة بدون رادع دولي او وازع من الضمير. واذا كان الايرانيون يستهدفون اليوم بشكل مباشر ضمن مشاريع استهداف منابع القوة لدى الامة، فان كافة علماء العرب والمسلمين مستهدفون كذلك بالطرق والاساليب نفسها. المشكلة ان الضغوط الغربية على الدول العربية تمنعها من متابعة الجرائم حتى تصل الى نهايات واضحة. ولذلك اصبحت قضية اغتيال الفلسطيني محمود المبحوح في طي النسيان، بعد ان مارست واشنطن ضغوطا على مسؤولي دولة الامارات للتوقف عن مطاردة قتلة المبحوح. وفي كل مرة ترتكب ‘اسرائيل’ جريمة اغتيال او قتل يتم التغاضي عن الجريمة وتودع في ملفات النسيان. وهذا ما حدث مع جريمة اغتيال جهاد الوزير (أبو جهاد) في تونس في نيسان/ابريل 1988، وصلاح خلف (أبو أياد) في 14 كانون الثاني/يناير 1991 . وفي 22 اذار/مارس 1990 اغتيل العالم الكندي، جيرالد بول الذي اشتهر بتصميم ‘المدفع العملاق’ للرئيس العراقي السابق، صدام حسين. واستهدفه الاسرائيليون بالقتل خارج شقته في بروكسل. وفي 12 شباط/فبراير 2008 اغتيل المناضل اللبناني، عماد مغنية (الحاج رضوان) بتفجير سيارته بالقرب من شقته بكفر سوسة في دمشق.

الواضح ان كافة الاجراءات التي اتخذت حتى الآن ضد ايران، بهدف وقف مشروعها النووي لم تحقق النتائج المطلوبة المتمثلة اساسا بالتخلي عن ذلك المشروع في جانبه التصنيعي. ولذلك تتواصل الضغوط على طهران من الدول الغربية التي ازداد قلقها في الشهور الاخيرة نتيجة الثورات العربية. فالغرب الذي يعاني من مشاكل اقتصادية ومعنوية جمة يرى حظوظه السياسية في العالم تتلاشى تدريجيا بعد مسلسل من الحروب على مدى العقود الثلاثة الماضية، ويعتقد ان ايران جزء من المتاعب التي ادت به الى هذا الوضع، حيث الازمات الاقتصادية تتوالى بشكل مضطرد بدون ان يبدو في الافق ملامح لانتهائها. وجاء ربيع الثورات العربية ليضع الغرب امام خيارات صعبة: فهل يدعم المسار الديمقراطي ويتصدر للانظمة الاستبدادية؟ ام يكتفي باساليبه الحالية التي تتلخص بدعم الوضع الراهن وما به من انظمة استبدادية ويتظاهر بغير ذلك؟ لقد ازدادت مشاكل الغرب تعقيدا، واصبح عليه ان يختار بين الاهتمام ببعض القيم الاساسية في المشروع الغربي وفي مقدمتها ترويج الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، او الاستمرار في الموقف السابق الداعم بدون حدود للانظمة القمعية. وفي الوقت الذي لا يبدو اي من هذه الخيارات مقبولا، ترى الدول الغربية ان الامور في منطقة الشرق الاوسط تسير في خط يتناغم مع ما تريده طهران، بما في ذلك الثورات المتواصلة التي تعتبر استكمالا لمشروع التغيير الذي بدأته ايران خلال ثورتها. وبين هذا وذلك يسعى الكيان الصهيوني لاستعادة المبادرة والاقدام على ضربات استباقية ضد من تعتبرهم اعداء الكيان الاسرائيلي. ولكن جرائم الاغتيال بالشكل الذي تمارسه ‘اسرائيل’ اصبح نغمة مرفوضة وممارسة من شأنها تعقيد الامور بدون طائل مادي او مردود سياسي. أيا كان الامر فقد اصبح مطلوبا من الانظمة العربية والاسلامية خصوصا ايران التحلي باليقظة والوعي والتأهب لكافة الاحتمالات. فالاسرائيليون يدركون ان اهم سلاح لديهم، وهو الحرب والعدوان ضد العرب لم يعد فاعلا، ولذلك عمدوا للاغتيالات على امل ان يحدث ذلك خللا في دوائر القرار السياسي والاستراتيجي العربي الاسلامي. لو تحقق ذلك فسوف يكون انجازا حققته سياسة الاغتيالات بعد فشل كافة الوسائل الاخرى وفي مقدمتها الحرب العسكرية. والسؤال الملح هنا: كيف يمكن احتواء هذا الخطر! هذه هو التحدي الذي تواجهه اجهزة امن الدول العربية والاسلامية واستخباراتها.” كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية