الامتحان الاصعب للثوار الليبيين

حجم الخط
0

رأي القدس يواجه المجلس الانتقالي الليبي المؤقت مسألتين على درجة كبيرة من الاهمية، الاولى تتمثل في كيفية توحيد صفوفه، وازالة الخلافات المتفاقمة بين التيارات المختلفة المنضوية تحت عباءته، والثانية تتلخص في كيفية تحقيق انتصارات عسكرية على الارض تقربه من هدفه الرئيسي في السيطرة على مدينة طرابلس وانهاء حكم الزعيم الليبي معمر القذافي وانصاره.

طائرات حلف الناتو التي تقصف مواقع النظام الليبي وتمهد الطريق للثوار للتقدم عسكريا مثلما حدث في جبل نفوسة ومصراتة قد تستطيع المساهمة بدور كبير في تمهيد الطريق لدخول طرابلس على المدى البعيد اذا استمرت في عملياتها العسكرية، ولكنها لا تستطيع بالقطع توحيد صفوف الثوار وانهاء الخلافات المتفاقمة بينهم، والجناح العلماني من جهة، والتيار الاسلامي المتشدد على وجه الخصوص.

الخلافات بين التيارين الرئيسيين في المعارضة الليبية تفاقمت منذ الاسابيع الاولى لاندلاع شرارة الثورة ضد الزعيم الليبي وحكمه، حيث بات واضحا ان كل تيار يتبنى اجندات سياسية وعقائدية مختلفة بل متناقضة مع الطرف الآخر، ووصل التباين في المواقف قمته اثر قيام مجموعة اسلامية متشددة (سرية ابو عبيدة الجراح) باغتيال اللواء عبدالفتاح يونس العبيدي القائد العسكري لقوات الثوار وحرق جثته انتقاما لانه كان من ابرز رجالات حكم القذافي لاكثر من اربعين عاما، وكان وزيرا للداخلية عندما نفذ النظام مذبحة سجن بوسليم التي سقط فيها اكثر من 1200 معظمهم من السلفيين الاسلاميين.

الاسلاميون ينظرون بعين الريبة والشك الى العلمانيين القادمين من المهاجر الاوروبية والامريكية، ووصل هذا الشك ذروته عندما بدأ الليبراليون العلمانيون يتحدثون عن دستور ليبي جديد يحاكي الدساتير الغربية، ويتناقض في بعض بنوده مع الشريعة الاسلامية واحكامها.

الاهم من ذلك ان معظم المقاتلين في صفوف الثوار ضد نظام الزعيم الليبي هم من الاسلاميين المتشددين، بينما اكتفى الليبراليون العلمانيون في معظم الاحيان بالتركيز على كيفية اقامة شبكة علاقات دولية، وكسب الانصار والاعترافات بالمجلس الوطني بسبب اتصالاتهم القوية بالخارج، والغرب على وجه الخصوص، وقد اثمرت هذه الجهود في الحصول على اعتراف اكثر من ثلاثين دولة على رأسها الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا الى جانب تركيا وبعض الدول العربية.

النظام الليبي ادرك وجود هذه الفجوة بين الاسلاميين والعلمانيين، وحاول استثمارها لصالحه باجراء اتصالات مع قيادات التيار الاسلامي، والدكتور علي الصلابي الشخصية الاسلامية المحترمة التي اقامت علاقات وثيقة مع سيف الاسلام القذافي اثمرت عن الافراج عن العديد من المعتقلين الاسلاميين في سجون النظام، وعودة اعداد كبيرة من السياسيين الاسلاميين المتواجدين في المهاجر الاوروبية الى بلدهم.

الدكتور الصلابي شخصية اسلامية ‘براغماتية’، ولم ينكر اجراء اتصالات مع نظام العقيد، واكد انه لا يؤمن بسياسة الاقصاء للآخر، ومنفتح على الجميع، ولكنه نفى نفياً قاطعاً في احاديثه لقناة ‘الجزيرة’ الفضائية ان يكون قد توصل الى اتفاق مع النظام لتشكيل تحالف لمحاربة العلمانيين، وقال ان تسريب سيف الاسلام القذافي لانباء الاتصالات في حديث الى صحيفة ‘نيويورك تايمز’ يهدف الى شق صفوف الثوار، وشدد على انها محاولة مكشوفة لن يكتب لها النجاح.

اصدار السيد مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي الليبي مرسوماً بحل كامل للمكتب التنفيذي (مجلس الوزراء) هو اول اعتراف بارز بعدم نجاح هذا المجلس في مهمته في ادارة المناطق الخاضعة لسلطة الثوار، فقد فصل جميع اعضائه، واعاد تكليف محمود جبريل بتشكيل المجلس من جديد بعد انقسام في صفوف اعضاء المجلس الوطني الاربعين بين مطالب بتكليف شخصية اخرى ومؤيد لبقائه في موقعه لعدم اغضاب القوى الخارجية، والاوروبية على وجه الخصوص الداعمة له.

الشرط الابرز الذي وضعه المجلس مقابل تكليف السيد جبريل هو ان يتواجد في بنغازي بصورة دائمة، وهذا يعتبر شرطاً صعباً اذا علمنا انه اي السيد جبريل وعددا كبيرا من اعضاء وزارته يقضون معظم الوقت في الخارج، ومدينة الدوحة القطرية على وجه الخصوص، ويزورون بنغازي كضيوف مثلما قال اكثر من عضو في المجلس الوطني اثناء التصويت على مسألة تكليف السيد جبريل بتشكيل الوزارة الجديدة من عدمه.

الوزارة الليبية الاولى التي شكلها السيد جبريل كانت تضم في معظمها وجوهاً علمانية، وهذا امر قد لا يتكرر في الوزارة الجديدة التي من المفترض ان تضم نسبة كبيرة من الاسلاميين سيطالبون حتماً بان يكون لهم دور في كيفية ادارة الوزارات السيادية مثل المال والنفط والخارجية، والاعلام وهي الوزارات التي كان يسيطر عليها العلمانيون وحلفاؤهم.

الوزارة الجديدة، وباختصار شديد، تشكل اختباراً صعباً للسيد عبد الجليل وزعامته، ومدى قدرته على توحيد صفوف الثوار وصهرهم في جسد واحد وبما يؤدي الى انهاء الخلافات او تقليصها الى حدودها الدنيا على الاقل، وهذا ما يفسر تأخر تشكيل الوزارة الجديدة حتى الآن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية