المدرسة السياسية لعدنان سعد الدين (مراقب عام الإخوان السوريين الأسبق)

حجم الخط
0

الدكتور محمد سعيد حوىالأستاذ عدنان سعد الدين رحمه الله (المراقب العام الأسبق لإخوان سورية) قطب من أقطاب الحركة الإسلامية المعاصرة في سورية، وعلى مستوى العالم العربي، وصاحب مدرسة سياسية بامتياز، كما أنه صاحب مدرسة فكرية وتربوية، وقد أصدر العديد من المؤلفات في هذا الصعيد منها: (كتاب في التزكية والسلوك، كتاب مع جارودي في الحوار والأفكار، كتاب البعد الإنساني في الرسالة الإسلامية، إضافة إلى مذكراته التي بلغت خمسة مجلدات، وكان من أهم آثاره السياسية: منهاج الثورة الاسلامية في سورية الذي كتب بدايات الثمانينيات، ويعدّ من الرؤى الفكرية المتقدمة جدا في هذا الميدان). وقد امتاز بشخصية قوية التأثير، مع ما اشتمل عليه من جملة الخصائص الشخصية؛ كالذكاء الحادّ المتوقد، والقدرات الحديثية والخطابية والإقناعية الفريدة، مع جملة من الشمائل الحميدة، حتى وصف بأنه عمريّ الشخصية، ولعل أهم ما امتازت به شخصيته السياسية أنه بمقدار ما كان مرنا في الحركة السياسية، وقادراً على استيعاب المتغيرات، وتقدير المواقف، والتوفيق بين المتناقضات، واجتراح الحلول الوسط، والمهارة في إجراء الحورات السياسية والفكرية المرنة المقنعة عقليا وسياسياً؛ حتى كانت له مشاركاته السياسية الواسعة الايجابية، ودوره الكبير في حل عقد كبيرة، كعلاقة منظمة التحرير الفلسطينية ببعض البلدان، والعلاقة بين الإسلاميين والنظام العراقي السابق، والعلاقة بين العراق والسودان، ودوره في القضية الأفغانية، وغيرها من القضايا المعقدة التي دخل فيها وسيطاً أو محاوراً أو موفقا (ينظر مذكرات سعد الدين ج 5)؛ ومع ذلك وبمقدار مرونته السياسية هذه؛ لما كانت تأتي بعض القضايا السياسية كان لا يجامل فيها ولا يتردد، وخاصة قضية فلسطين، والموقف من احتلال العراق. وعندما كانت تطرح القضية السورية كنت تراه ذلك الرجل الصلب الشامخ القوي الثابت الذي لم يتزحزح عن رأيه، ولا بد من القول هنا: إن قضية المرونة والثبات في الحركة السياسية للاستاذ سعد الدين كانت تحكمها عدة عوامل، أهمها: العامل الفقهي الشرعي؛ فقد كان شديد التحري لحكم الله، ثم إذا اتسع حكم الله في الأمر وجدته يتصرف كجراح ماهر يجري أدق عمليات جراحة أعصاب، كما كان يصف عالم السياسة.

ثم من العوامل التي كانت تحركه بقوة قضية المبادئ العامة في صفاء الحركة السياسية والإخلاص الوطني؛ فلا يمكن أن يتنازل عن حق راسخ، أو يتهاون مع العدو الصهيوني، ومن ثم لم يتنازل بكلمة واحدة في حق القضية الفلسطينية، رافضاً الاعتراف بدولة العدو تحت أي ظرف، وكان شديد التأييد لحركة حماس، لكنه مع ذلك كان حريصاً على علاقة طيبة جدا مع منظمة التحرير، أو مع بعض تياراتها، يوجه وينتقد وينصح ويثني على المواقف الجيدة، ويسعى للتوفيق بين الفصائل، من غير أن يكون ذلك على حساب قناعاته الراسخة تجاه قضية رفض الاعتراف بالعدو.

و القضية الأخرى التي لم يتهاون فيها أبداً قضية المشاركة في مجلس الحكم في العراق الذي صنعه الإحتلال، و كان رافضاً رفضاً كاملاً لكل المبررات التي كان يسوقها بعض الناس في هذا الصدد مما لا يسمح المجال لتفصيله الآن.

و مع ذلك فقد استطاع أن يقدّر دور شيخ شريف في الصومال، و كان من رأيه أن لو تعاونت معه حركة شباب المجاهدين لكان للصومال شأن آخر، لكن القضية التي مثلت رمز الصلابة والقوة المتناهية في شخصيته هي القضية السورية والموقف من النظام السوري. ولا شك أن تفاصيل هذه القضية من التعقيد بمكان، إلا أنه مما يمكن قوله الآن:

استجر الإخوان إلى معركة عسكرية غير متكافئة مع النظام السوري ما بين 79-82 انتهت بمذابح مدينة حماة الفظيعة والفاجعة التي راح ضحيتها نحو من 50 ألف شهيد مدني. ومن البداية لم تكن هذه خطة الجماعة كما يبين سعد الدين في مذكراته ووفق الخطة التي كتبت 77، ولكن لما فُرضت المعركة نفسها لم يكن أحد يتحرك حركة سعد الدين في لقاء السياسين في العالم والصحفيين والمفكرين، شارحاً عدالة قضية الشعب السوري، وحقيقة النظام الدموي الإستبدادي، كما لم يتحرك أحد حركته السياسية والعملية في سبيل ذلك؛ فلما كانت مذبحة حماة وما تلاها من انهيار وضعف وآثار؛ غيّر كثير من الناس آراءهم واجتهاداتهم، ودعوا إلى ضرورة الحوار مع النظام وحلّ المسألة سلمياً…. هنا أستطيع أن أسجل أن عدنان سعد الدين كان رمز الصلابة والرفض المطلق من خلال نظرة إستراتيجية إيمانية بعيدة الغور، مع أنه كان السياسي البارع المرن جدا، فإنه عندما أرسل حافظ أسد عام 80 أمين يكن مفاوضاً وكانت الصدامات على أشدها؛ رضي عدنان سعد الدين أن يتحمل المسؤولية، وأن يقبل التفاوض بشرط أن يطلق أسر معتقلي الإخوان من السجون كبادرة حسن نية، وقد كان وأفرج عن نحو 400- 600، لكن للأسف فإن أصابع رفعت أسد وعض المتحمسين من الإسلاميين أفشلت المبادرة.

المهم وبعد الإنهيار الكبير والخطير وتزلزل الأقدام واضطراب الرؤى بقي عدنان سعد الدين ومعه ثلة من شخصيات الإخوان؛ يشكلون رمز الرفض والصبر والمصابرة والثبات، ضمن رؤية متكاملة، يمكن إيضاحها بإجمال:

أن هذا النظام كالسرطان الذي تفشى خطره في الأمور كلها، وأنه لا ينفع معه إصلاح ولا حوار، كما أنه فقد المصداقية والشرعية وأنه في حقيقته صنيعة تآمر خارجي، فكان أهم أدواره حماية حدود إسرائيل، ولا مانع أن يتخذ بعض الأدوار ظاهريا خلاف ذلك لتأمين استمراره ونجاحه ما كلف به (مذكراته ج3). وإنه وأمام هذه السلوكيات الدموية، واستمرار القتل والتعذيب، وطبيعة النظام التي بلغت الغاية من الفساد والتآمر، وانتهاك حرمات الناس وأموالهم، إضافة للتاريخ الإرهابي للنظام (ومنها الإغتيالات العديدة التي نفذها النظام أو حاول بحق شخصيات سورية وعربية خارج سورية.. إنه أمام كل ذلك لا يجوز للحركة الإسلامية بقياداتها ورموزها ومبادئها ودمائها ومواثيقها أن ترمي بذلك كله وراء ظهرها، وعندما كان يقال له ألا ترى إلى ما حلّ بنا؟ كان من أجوبته: الصبر… الصبر…. الثبات… الثبات……. إنه وفق عدل الله وسنته لابد أن ينال الطغاة الظلمة عقابهم وجزاءهم العادل. ومن سنة الله أن ينتقم للثكالى والأرامل والمظلومين… إن زوال الظلمة آت عما قريب لا محالة، ويردد: (ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا) ويكاد يقول أحيانا إني أرى ذلك أمام عيني.

ويقول: إننا إذا لم نكن نستطع أن نفعل الآن شيئا؛ فإنه يسعنا الصمت والصبر والإعداد الداخلي، والبناء الروحي والتربوي والفكري، إلى لحظة حاسمة قادمة، ثم يمضي عدنان سعد الدين إلى بارئه في 31/7/2010 على هذه الرؤية والنظرة، من غير أي تبديل أو تردد أو تراجع. ولم يمض سوى عام على وفاته حتى رأينا ما كان يحدثنا به أنه آمال رأي العين؛ وإذا بهذه الانتفاضة المباركة التي ستحدث التحول العظيم إن شاء الله، الذي طالما كان يبشر به.

علينا أن نؤكد هنا أنه كان يرفض كل أشكال الطائفية؛ فبرغم الجراح والظلم والمعاناة من النظام كان يؤكد أننا لا يمكن أن نظلم أحداً، أو أن ننتقم من أحد بريء، وأنه لن يحاسب الا المجرم بغض النظر عن مذهبه و طائفته، وضمن محاكمة عادلة، ينظر: مذكراته ج4 / ص430 وقد كانت سجية دائمة فيه أنه لا يمكن أن يقطع أو ينقطع عن أحد مهما كانت وجهات النظر متباينة، بل كثيرا ما يكون المبادر إلى وصل من قطعه والسبّاق إلى زيارة من أساء له، وكان يدعو الله دائما أن يلقاه وليس في قلبه على أحد غل، أو لأحد عنده مظلمة، معلنا مسامحته لجميع الخلق، وكان حريصا قبل وفاته على زيارة من استطاع من إخوانه الموافقين والمخالفين، ومع أنه كان صريحا قويا في طرح آرائه و نقده؛ مما سبب له الكثير من المتاعب؛ كان شديد الحرص على التوفيق بين أركان المعارضة وجميع أطياف الشعب، حريصا على التواصل مع جميع المفكرين والمثقفين والسياسين لا يقطع أحداً ولا ينقطع عن أحد، ولما طرحت شخصيا بعض الأفكار لإيجاد مخرج للجماعة لتقوم بدورها من الداخل لم يوافقني لكنه حرص على دوام المودة والعلاقة إلى آخر لحظة.

إن الحديث عن الاستاذ سعد الدين واسع متعدد الجوانب لا يتسع المقام للوفاء بها، فاكتفي بهذه الكلمات؛ وفاءً وتذكيرا ببعض سجاياه ومواقفه في الذكرى الأولى لرحيله رحمه الله.’ كاتب وأكاديمي سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية