القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: في شهر رمضان يحفل حي الحسين دون غيره من أحياء المناطق الشعبية بالقاهرة بالعديد من الاحتفالات الدينية فطوال ثلاثين ليلة تقام السرادقات ويتوافد المداحين الى ساحة مقام سيد الشهداء. حيث الموطن الذي اعتادوه لمقابلة جمهورهم الذي ينتظرهم من العام الى العام، من أبرز هؤلاء المداحين والمنشدين خضرة محمد خضر ومتقال الصغير ابن الريس متقال والشيخ يس التهامي، والأخير قصر حضورة للقاهرة على مناسبتين فقط المولد النبوي الشريف وشهر رمضان، وذلك بعد ان ذاع صيته واتسعت شهرته فخرجت عن الحدود الإقليمية لتمتد إلى رحاب العالمية فياسين التهامي نموذج لا يضاهيه في عظمته وخشوعه الفني حين يغني غير الشيخ سيد النقشبندي والشيخ طوبار فلا يزال صوته شابا في العشرين من عمره برغم انه كشخص قد تجاوز الستين عاما، يلقب التهامي بـ’بلبل الصعيد’، تطايرت أنباؤه سريعا فغذا صوته العاصمة قبل أن يشرفها بحضوره، تردد اسمه كثيرا الى ان صار واحدا من أهم وأبرز منشدي جيله، أولاد البلد الطيبين هم جمهوره ومريديه وقاعدته العريضة فمتى كان الشيخ وأينما وجد كان هؤلاء يتحلقون حوله ويموتون عشقا في صوته العذب الذي يأخذ بألبابهم فيسبحون في ملكوته وتذهب أرواحهم معه حيث يشاء، انها قمة الإنسجام والتماهي والعشق، حالة أشبه بالصوفية تربط هذا الرجل بنعوعيات كثيرة من جمهوره على اختلاف ثقافاتهم ومستوياتهم العلمية، انطلق يس التهامي من صعيد مصر، شاب أزهري دارس لعلوم الفقه والتفسير والعروض والنحب، محب للغة العربية ينطقها صحيحة سليمة بجرسها وايقاعها الموسيقي فيضف اليها جمالا على جمالها وحيث انه يمتلك حنجرة ذهبية ويتمتع بقبول شخص ويحمل وجهه سمات تعبيرية تناسب إحساس الفنان ورهافة مشاعره فقد اتجه للانشاد الديني بحكم دراسته الأزهرية وثقافته التي لا تخرج عن هذا الطور، ولأن محيط حياته كان مقصورا على المنطقة الجنوبية من الصعيد فقد اكتسب شهرته هناك بفضل إحيائه لحفلات المولد النبوي والليالي التي يقيمها الأعيان، ولما كان صوته جاذبا ومؤثرا التفتت إليه شركات انتاج الكاسيت بوصفه فنانا صاعدا آن ذاك يقدم فناً نوعياً فريداً يقع في منزلة خاصة بين الفن الشعبي التراثي والموشحات الدينية، وقد تميز التهامي بطابع صوفي كاد أن ينقرض فهو يستقي كلمات مواويله وإنشاده من شعر عمر ابن الفارض ويملك القدرة على التلون والتدرج الموسيقي والأدائي بسلاسة غير مسبوقة فيطوع صوته حسب ما تقتضي الجملة اللحنية التي يمنحها من روحه شجنا اصيلا في نفسه وحزنا يستقر في وجدانه، وهذه طبيعة يولد بها أصحاب المواهب ومن تتنازعهم أحاسيس الصوفية ويرون أنفسهم عدما امام عظمة الخالق، ظل الشيخ الجليل يتحرك في دوائره المحلية الضيقة فترة طويلة معتمدا في انتشاره على شرائط الكاسيت التي كانت وقت ظهوره قبل نحو ثلاثين عاما وسيلة مجدية لتحقيق النجاح فما من سائق على طريق القاهرة الصعيد إلا ويضع في سيارته مجموعة مختارة من إبداعات الشيخ يس لذا كان اسمه مرادفا لحالة الشجن التي يخلقها السفر في رحلة الذهاب والإياب وفنه بطبيعة الحال هو زاد المسافر في الساعات الطويلة والطريق الموحش فكثيرا ما تحد المسافرين في سيارات الرحلات والأجرة يتمايلون طربا ونشوة مع آهاته وتنهداته متوحدين معه فيما يشدو ويقول فما إن يسمعوه يترنم بكلمات ابن الفارض، ان كنت في حكم الشريعة عاصيا، يصرخون قبل أن يكمل الجملة مأخوذين بحلاوة الصوت وتدفق الإحساس وشدة التأثر فتلك هي العلاقة الحرة غير المحكومة بشروط بين الفنان وجمهوره فكل منهما يقرأ طالع الآخر ويضبط موجاته على الفعل ورد الفعل، حيث الفعل هنا هو الفن ورد الفعل يتمثل في الانفعالات التلقائية التي تخرج بغير ترتيب فبين الوصلة الغنائية والوصلة يردد الشيخ يس لفظ الجلالة ‘يارب’ مطولا إياه كأنه الاستجداء في طلب العفو والمغفرة ومع إنها مجرد جملة اعتراضية إلا أن لها مفعول السحر لدى المريدين والسميعة.
في واحدة من حفلاته وقف التهامي ينشد إنشاده الطبيعي وعند لحظة يعرفها اصحاب الخبرة ومن تدربت آذانهم على صوته انتفض الجميع قياما متخلين عن حذرهم وصمتهم ودخلوا في وصلة من الذكر والتمايل تعبيرا عن استغراقهم في اللحظة الآسرة ولم يفرغوا من نشوتهم إلا حين انتهى المنشد من إنشاده.
ومع إن يس التهامي لم يدرس الموسيقى ولم يمارسها كعازف إلا أن حنجرته تتميز بتعدد المقامات الموسيقية فصوته ينتمي الى طبقة التينور العالي وهو أعلى طبقة في الصوت الذكوري، كما ان لديه القدرة على التدرج اللحني، إ يشابه في هذه الخاصية الشيخ النقشبندي صاحب الامتياز في القرارات والجوابات والجواد الجامح فلي التجليات الإنشادية على حد تعبير أحد المحللين الموسيقيين فالنقشبندي عزفا انفراديا على قيثارة النغم يؤدي فن التواشيح ملتزما بالإيقاع والنوتة ويبتهل متجليا فيخرج عن قانون السيكا والدوكا والحجاز والجهاركا، والراست والبياتي وكل المقامات، هو خارق للطبيعة وللعلم الموسيقي، لا يزال صوته حتى الآن الإيعاز السحري بالخشوع والبكاءو الترادف للحالة الإيمانية، وكذلك الشيخ طوبار تنويع على هذا الفن الديني المرتبط بتلقائية الأداء وبصيرة المنشد أكثر مما هو مرتبط بالإيقاع والصولفيج والفوكاليز فالفطرة الغنية الثرية ليست في حاجة الى الاصطلاحات الموسيقية الإيطالية التي تربى عليها خريجو الأكاديميات الفنية ومعاهد الكونسرفتوار والموسيقى العربية.
ثمة عوامل مشتركة كثيرة تربط بين النقشبندي وطوبار والشيخ يس ربما يأتي في مقدمتها الموهبة الفطرية والإحساس الصوفي، وإن بدا واضحا بقوة عند يس الذي لا ينشد غلا الشعر الصوفي الخالص لإبن عربي والحلاج وعمر ابن الفارض فهو من يقول في إنشودته رفاق الصبر، عين سر مس قلباً فاستعر قيل كان الحب من قبل خلق البشر حيث لا كان شغل ولا قيد صور أيا ملهمي من أنا؟
أنت تعلم من أنا أنا فيك أحيا منذ بدءك كان حبيبي أشهد إنيك وني هناك فكنت هو وشاهدت إياي والنور بهجتي.
على هذا المنوال يتواصل شيخ الصوفية مع ربه مناجياً إياه أن يشمله بعطفه ورعايته مستعطفاً وخاشعاً وذليلاً.
تتعدد المدارس الإنشادية وتختلف الأساليب ويبقى لكل منشد نفسه الخاص وأدواته الفريد وسره الذي لا يعلمه إلا مانح الموهبة لمن يريد.