احمد محمّد امين
فيرونا ليست مدينة عادية، فلها مثلنا ذاكرة ٌتضجّ بالحكايات، ذاكرة ٌ من التماثيل والآثار الشاخصة والبيوت المتخمة بالحكايات، تنتشرُ في شوارعها الفسيحة وأزقتها الضيقة.
فيها خُلوقٌ جاءوا من اقاصي القارات والأزمنة. النهارُ في ضحاه، بيد أن وتيرة السخونة عالية قياساً الى البلد الذي جئنا منه. فشتان ما بين ستوكهولم في الشمال الأوروبي وبين فيرونا في الشمال الإيطالي. ومذْ أن انطلقنا من الساحة التي أوقفنا فيها سيارتنا حتى هذه الساحة الفسيحة المكتظة بالبشر من كلّ قارة وجنسية كنتُ اتخيّل نفسي في حلم غرائبي. تماثيل برونز، ابطال ٌ على صهوات جياد لها قوائمُ طائرة تسبحُ في الفراغ. ثمّ عددٌ من الممثلين صبغوا اجسادهم من قمة الرأس حتى أخمص القدمين بألوان فضية وزرق وحمر وصفر أشبهُ بمهرجي السيرك. ما عدا واحداً منهم ضخماً كما لو كان جندياً رومانياً عاد من تلافيف القرون البعيدة.. لكنه يُحدّثُ السوّاح بلغة القرن الحادي والعشرين.. وعلى ميمنتنا ملعب روماني دائري أوشك أنْ تتداعى جدرانه، بيد أن يد الإصلاح تقوم بترميم ما تداعى منه. الكاميراتُ تتسابق في التقاط الصور، اناسٌ من الصين واليابان والبرازيل والولايات المتحدة ومن افريقيا، ومن اقطار اوروبية، يجرون في الأزقة الضيقة كما يجري السيل في مجاريه. بعضهم يتوقفون، يلجون المحال التجارية للتبضع والقاء النظر. ثمّ يجري بهم السيلُ ثانية ًالى دارة جولييت ليستقدموا حكاية حبّها الفاجع مع روميو. ويقفوا امام الباب وتحت الشرفة الحجر التي كانت تطلّ منها عليه. ما زلنا نسألُ ويسألُ غيرُنا. فيأخذنا زقاقٌ الى سواه، حتى بانت فوهة ُ بوابة مفتوحة مقوّسة السقف. يمرّعبرَها العابرُ تُجاه البيت المقصود/ بيتِ جولييت / على الميمنة والميسرة جداران يزدحمان بالكتابات، والأسماء، واشرطة اسمال ملونة وأقفالٌ مُغلقة معلقة على سياج حديد مشبك. وتذكرت مراقدنا الدينية حيثُ يُعلق الزوّار على اسيجة الحديد المحيطة بها اشرطة اقمشة لعلّ الراقد في قبره يشفعُ لهم. لكنّ السيّاح هنا يتبرّكون بالحبّ الخالد بين حبيبين نّسجت حولهما حكايا كثيرة بلغت مبلغ الأساطير. المساحةُ المربعة أمام الباب مكتظة بمحبي العشق، فلا يستطيع المرءُ أن يخطو خطوة ً الا بصعوبة.. جدارا المدخل وكذا بقيةُ الجدران تشتبك فيها الكتابات. كتاباتٌ فوق كتابات حتى يستحيل تبيّن كلماتها وقراءتها. في نهاية الفسحة المربعة، وقبالة فوهة المدخل تمثالُ برونزٍ لـ’جولييت’ المحتفظة برواء جمالها حتى هذه اللحظة، واقفة ونهداها بارزان، تقف فوق دكّة مربعة. ويقف الحضور في طابور لالتقاط صورٍ معها، فرادى اومثنى وثلاث. لكنْ لا بدّ من أن يضع أحدهم يده على نهدها الأيمن، يتبرك به. ضحكٌ وكركرات وصراخ وخجل تلتقطها الكاميرات الألكترونية. وفيما كنتُ انتظر دوري لالتقاط صورة مع هذه المتوارية في عمق الزمن والحاضرة هنا تأريخاً واسطورة وذاكرة ً كانت عيناي تُحلقان فوق رأسي تحدّقان في شرفتها الحجر التي ترتفع فوق رؤوسنا قرابة أربعة أمتار. ربّتما كان يقفُ روميو في مكاني مسمراً عينيه فيها، في الحبيبة التي يجيئُها كلما واتته الفرصة ُ بعيداً عن أعين الناس.. من مكان وقوفي كان يبثّها اشواقه ولواعجه وقصائد شعرية تتناغم مع المناسبة، هنا يقف الناسُ أطيافاً أطيافاً لإستقدام الماضي واشعال جذوة العشق المنطفئة فيهم. الدنيا حاضرة ٌ ساخنة حواليهم بكلّ معاييرها الجدلية والأسطورية. وعندنا ينخرط زائرُ الأثر الدارس في العويل وطلب المغفرة ناسين أنه اعجزُ من أن يحققَ لهم مطالبهم. هنا الفرح والأملُ والمتعةُ وقضاء أجمل ساعات العمر. وهناك اليأسُ والحسرةُ واللهاثُ وراء السراب. نعم شرفةُ الحجر ليست كشرفاتنا في مبتدأ القرن الجديد مكتظة بضوء النهار والأزهار. لكنها أكثرُ خلوداً وحضوراً وقدسية منها. انها الحكاية الخالدة التي صنعها شكسبير كما لو عاش حياة العاشقين لحظة ً لحظة، على الرغم من أنه لم يزرْ فيرونا. ولا شدّ الرحالَ اليها. بل التقط تفاصيل حكاياتها من أفواه الناس ومن متون ذاكرتهم. وله تاجر البندقية ويوليوس قيصر وعطيل ومسرحيات اخرى نسيتها كلّ أجوائها ايطالية وابطالها ايطاليون.. شكسبير فلتة ابداعية لا نظير له، وما كتبه عن ايطاليا فوق مدارك الكاتب الإيطالي. من هنا تتأتّى العبقريةُ. ولا ينالها الا ذو حظّ عظيم.
كنتُ خلال هذه التداعيات اتقدّمُ خطوات تُجاه تمثالها، وسطَ اللغط والحوارات بمختلف اللغات. وصلنا الدورُ وقفت زوجتي لصقَ جولييت التمثال وامسكت بذراعها الأيمن، وامسكتُ أنا بذراع زوجتي. فليس لائقاً في نظرنا نحنُ المشرقيين والوالجين في سبعينيات العمر أن نُمسك بثدي جولييت كما هي العادة، والتقط َ لنا ابني صورتين جوار تأريخ العشق التراجيدي. وحين جاء دور ابني فقد قفز فوق دكّة الحجر ووضع يده اليمنى فوق نهدها الأيمن الذي كان اكثر صقلاً ولمعاناً من الأيسر، لكثرة الإحتكاك به، التقطتُ له صورتين. ثمّ التقطتُ صوراً لآخرين معها، وصوراً للشرفة القاحلة.. كان الجدارُ المشبك خلفها يزدحمُ بالكتابات والخرق والأقفال.. ثمّ تركنا هذا الكم من البشر وراءنا وخرجنا نبحثُ عن مطعم قريب.. وبلغنا بغيتنا. ولمّا ازل استعيد صور ذلك المكان الذي غدا مزاراً يأتيه السوّاحُ من كلّ فجّ ٍعميق. وعدتُ مرّةً اخرى استعيدُ تفاصيلَ مسرحية شكسبير.. تذكرت بعض ابطالها، وما جرى فيها من حوادث من مبتدأ لقاء العاشقين حتى نهايتهما الفاجعة.. ومرّ مثلّ خيط رفيع صراعُ اُسرة روميو / مونتاغيو / واسرةُ جولييت / كابوليت / والفتاة ُروزالين التي كان يُحبّها روميو من طرف واحد قبل أن يلتقي جولييت.. وجاء من اجلها متنكراً الى الحفلة التنكرية في بيت جولييت.
نعم، السفر متعة ٌ، حلمٌ ساخنٌ تعيشُ تفصيلاته وتلمسها، ثمّ تنساها أو تهربُ منك، لكننا نؤرشفها بالصور وتستعيدها الذاكرةُ الجمعية / أيْ يذكّرُ بعضُنا بعضاً بما خفي عنا وبما غشيه الذبولُ النسيانُ. هنا الماضي حاضرٌ بكلّ الائه وتراجيدته وما شابَهُ من حروب طاحنة وعداوات بين الاُسر والأشخاص، لكنّ الناسَ يأخذون من ماضيهم دروساً وعبراً ويتجاوزون أخطاءَه لبناء المستقبل الذي يحتضن الجميع، بكل اطيافهم، من دون استثناء. ليتنا نأخذ من تأريخنا الغابر دروساً لتمتين الأواصر وتعميق الصلات واسكات سورة الحقد والغضب.. فلدينا آلافُ القصص والحكايا تُمجّد العشق وتُعلي من شأن العلاقات البشرية.. الا اننا نقوم بوأد ما في تراثنا من القصص العاطفية ونقمع من يعيدُها الى الأذهان.. وليس ببعيد عنا منعُ كتاب ألف ليلة وليلة، وقصائد مجنون ليلى، واشعار نزار قباني. نحن نخطو الى الوراء وغيرنا يتقدّمُ. وما اوسع المساحاتِ والمسافاتِ ما بيننا وبينهم.. ؛ ؛