بلا شك فان ظهور مبارك يوم الاربعاء الماضي 3 اغسطس 2011 هو حدث تاريخي لا يمكن انكاره ولا التقليل منه. فلأول مرة في تاريخ مصر يحتجز رئيس جمهورية ويعرض امام القضاء وامام العامة من خلال اجهزة التلفاز خلف قفص حديدي في محاكمة له تابعها ملايين المشاهدين في مصر وفي خارج مصر.
ولاول مرة ايضا يحاكم نجلا رئيس الجمهورية ويحتجزا في نفس القفص الحديدي مع والدهما في مفارقة تاريخية هامة فلم يعد باقي من الاسرة الا زوجة الرئيس لتحاكم معه وربما لولا تنازلها عن كل ثروتها وربما لاعتبارات اخرى لاندريها لتمت محاكمتها هي الاخرى في نفس القضية وكنا رأينا الاسرة كلها في قفص واحد. كل احداث يوم الاربعاء هي احداث تاريخية والفضل يعود فيها الى ثوار التحرير الذين اعتصموا لمدة اكثر من اسبوعين من اجل سرعة محاكمة مبارك واعوانه محاكمة علنية. ولكن هل ما حدث يوم الاربعاء الماضي يعني قطيعة مع العهد البائد؟
وهل حل المجالس النيابية والمحليه السابقة يعني نهاية لعصر مضى؟ وهل تغيير الوزارة وحركة تنقلات الشرطة الكبرى الاخيرة وتغيير المحافظين تعني انه لا رجعة الى الماضي؟
بمعنى اخر هل كل ماحدث يعني اننا فعلا قد نجحنا في تغيير النظام؟
فالشعب الذي خرج بالملايين في التحرير وفي كافة محافظات مصر لم يكن هدفه فقط ازاحة الرئيس واسرته ومعاونيه من على كراسيهم ولكن كان هدفه الواضح الذي هتف به طوال ايام الثورة هو ‘ الشعب يريد تغيير النظام ‘. فهدف الشعب لم يكن فقط تغيير بعض الاوجه وتغيير بسيط في بعض السياسات المتبعة بل كان الهدف الرئيسي الذي خرج من اجله الشعب هو تغيير النظام برمته اي قطيعة مع كل سياسات واحداث الماضي وهذا ما نظن انه لم يتحقق الى الان. ونظن انه لن يتحقق اذا ارتاح الثوار واكتفوا بما قد تحقق وعادوا الى منازلهم هانئين مطمئنين فلابد لهم من الضغط المستمر على المجلس العسكري الحاكم المتحالف مع الاسلاميين.
ان الفساد الذي استشري في عهد مبارك طال جهات عدة بدء من الموظف الذي يفتح درج مكتبه لتلقي له فيه بالعشرة جنيهات كي ينهي مصلحتك الى عسكري المرور الذي يتغاضى عن مخالفات السير في نظير جنيه يفرضه على كل مركبة مخالفة الى وزير يسهل استيلاء رجال اعمال فاسدين على اراضي الدولة بثمن بخس في مقابل حصوله على شقة او سيارة هديه من رجل الاعمال ونهاية بريئس جمهورية يتيح لصديقه رجل الاعمال ان يبيع الغاز للخارج بثمن بخس واقل من ثمن بيعه داخل البلاد في مقابل حصوله على بعض الفيلات له ولانجاله وفي مقابل عمولات ربما لم يكشف عنها بعد. فهل يعقل في ظل هذا الحجم من الفساد ان قادة القوات المسلحة الذين هم اعضاء في المجلس العسكري الحاكم الان كانوا بعيدين تماما عن هذا الفساد خصوصا ان اغلبهم خدم مع مبارك لسنوات طويلة وصلت الى العشرين عاما؟ بعض قادة الجيش اذا شركاء في نظام فاسد سواء بالتربح منه او سواء بالصمت عن مقاومة هذا الفساد والاستمرار في مناصبهم دون ان يعترض احدهم او يستقيل من منصبه احتجاجا على هذا الفساد.
وهؤلاء القادة الذين هم جزء من نظام فاسد لن يغيروا ابدا هذا النظام لان تغيير النظام تعني نهايتهم وربما محاكمتهم على كل ما اقترفوه.
من الممكن ان يجملوا النظام بعض الشئ. من الممكن ان يغييروا بعض السياسات والتحالفات. من الممكن ان يغيروا بعض الاشخاص.
لكن لن يقوموا بقيادة تغيير حقيقي يقطع صلتنا تماما مع الماضي لان هذا مستحيل. لان هؤلاء هم ابناء الماضي ولا يمكن ان نأتي باناس من الماضي كي يبنوا لنا المستقبل والدليل على ما اقول انه كانت امامهم فرصة ذهبية للتغيير بعد الثورة. فرصة ذهبية ايام ان حازوا على قبول الجميع كي يقودوا مصر الى تغيير حقيقي يبدأ بوضع دستور جديد يؤسس لدولة مدنية حديثة يتساوى فيها الجميع. ولكنهم للاسف عندما فكروا في ذلك تحت ضغط الثوار فانهم قاموا بترقيع الثوب القديم الذي تمزق وتهرأ من كثرة التريقعات وجلبوا لنا ترزية من الماضي للقيام بعملية الترقيع وهؤلاء الترزية اقصى ما يعرفونه او ما يريدون الباسنا اياه هو الجلابية والقفطان.
فهؤلاء العسكر تحالفوا مع الفاشيين الدينين كي يحصلوا منهم على الشعبية التي يفتقدونها. تحالف بين العسكر القادمين من عهد مبارك الماضي مع اناس اخرين يتمنون عودتنا ليس الى الماضي القريب فقط بل الى الماضي السحيق.
محاكمة مبارك حدث تاريخي نعم ولكنها لا تعني اننا غيرنا النظام. فالتغيير والبناء عملية ليست بمثل هذه السهولة التي يتصورها البعض بل هي عملية تحتاج منا الى النضال واليقظة الدائمة حتى لا يسرق فرحتنا ويسرق ثورتنا دعاة الماضي والمتحالفين معهم.
مجدي جورج