بدأت الأصوات تتصّاعد من كل حدبٍ وصوبٍ تجاه القمع الوحشيّ في سورية، وكلّه لعمري جاء بعد حضّ الوزيرة الأمريكية المبجلّة العرب لأخذ دورٍ أقوى، والخروج عن صمتهم، وليس هذا مربط الفرس، ولكنّي هنا أحب أن أشير إلى أفكارٍ تتجاذبني وأنا أفكر بسبب استبعاد وزير الدفاع واستبداله، واهم ما يجول في خاطري حول أسباب الإقالةتتنازع أيّ إنسانٍ يفكّر في هذا الأمر عدّة احتمالاتٍ.
أوّلها: خيانة وتعامل مع الخارج، ومن هذا الخارج؟ لعله حلف يحاك ضد النظام الفاشيّ في دمشق، ولعله بقيادة أمريكا، التي اعتادت أن تخترق عدوّها من الداخل قبل أن توجّه له ضربة من الخارج، ولنا في نظام صدّام أسوة في هذا المجال، حيث لم يسقط إلا بعد خيانة ضباط كبار في الجيش، ولنا في ذلك التحليلات السعودية لخطاب الملك عبد الله، حيث أن الملك كما يقولون، لديه اطلاع على ما يحاك ضد نظام الأسد، وهذه الخيانة ليست لأنّ الوزير شريف ولكن لأنه قد وُعِد بالكثير والله أعلم.
ثانيها: لعل النّظام أراد أن يقول لتركيا ومن ورائها أمريكا التي بعثت برسالة للنظام مع أحمد داود أوغلو، لقد أقلنا وزير الدّفاع المتورط بإدخال الدبّابات إلى المدن، وهذا إن كان صحيحًا فإنه يدلّ على غباءٍ متراكم، فهذه الكذبة لن يصدقها حتّى ابن جارتنا الصّغير، وأنا شخصيًا أستبعده مع إصراري على الغباء المتراكم.
ثالثها: خلافات حول آليات التّعامل مع المظاهرات والاحتجاجات داخل المدن، وهذا أيضًا مستبعدٌ، لما لكل سوريّ من علم بطبيعة هذا النظام ورجالاته، الذين جُبلوا على قسوة القلب واستعباد المواطن، من أساسهم إلى رأسهم، لا نستثني منهم أحدًا. ولعلّي بالمثقف العربيّ إذ يقرأ هذه العبارة يحسبني أنّي متحاملٌ كثيرًا ولكنّي أحسب أنّي أحسنت صنعًا، وعبارتي تصف الحال بدقة لمن لا يعرف هذا النظام ولم يذق مرارات حكمه، ويؤيّد حكمي عدم وجود شريف واحدٍ من رجالات النظام العسكريين والسياسيين سفراء وغيرهم قد أعلن حتى اللحظة عن حتى استيائه من تصرفات النّظام، وهذا يدلّ على الطريقة التي كان ينتقي فيها النظام رجالاته، على أسس الجشع وقلة الضمير، والتّبعية العمياء، مقابل منافع ومكاسب لا يحلم بها دون ذل الخضوع لقيادته التي ستسحقه إن رفض عرضها هذا أو حاول أن يفكر بأن يكون شريفًا.
رابعها: النّظام وجد في وزير دفاعه ضعفًا ما، لا يؤهله لقيادة حربٍ متوقعة في اللحظة الحاضرة، وهذا أمرٌ ممكن، إذا كان وزير الدفاع في سورية هو من يقوم بقيادة الجيش فعليًّا، وهذا يرجع إلى التركيبة الأمنية المعقدة المتشابكة في النّظام السّوريّ.
ورب قائلٍ: ولمَ ترفض الرّواية الرّسميّة في الأساس؟! والجواب على ذلك يكمن في تساؤل: ولماذا ساءت حالة الوزير القدير في هذه اللحظة العصيبة التي تمر بها سورية؟! ألم يكن بمقدور النّظام الصبر على حالة وزيره الذي احتفظ به حتى في التشكيلة الأخيرة من الحكومة الجديدة وعدم خلق كل هذه التساؤلات حوله وحول وضع النظام وتخبطه؟! هذان التساؤلان يطيحان بالرّواية الرسمية أرضًا، ويرميانها في مستنقع الروايات التي تترى على ألسنة المدافعين عن النّظام، من وجود عصابات مسلحة تقتل الأمن والمتظاهرين على حد سواء، وخروج المتظاهرين لشكر الله على نعمة هطول المطر، وغيرها كثيرة، بالإضافة إذا كنا قد ربطنا هذه الإقالة بطريقة النّظام بالتخلص من رجالاته ممن يخرج عن طاعته، عن طريق الإقامة الجبرية والاغتيالات وربطها بانتحارٍ وظروفٍ غريبة، فهل سيموت الوزير قريبًا بمرضه هذا؟ أو هناك روايةٌ جديدة؟ ويأتيك بالأخبار من لم تزود.
حامد الحمصيّ