تصوروا لو ان أحد المنجمين المشاهير تنبأ في ليلة رأس السنة، أن عام 2011 سوف يشهد كل هذه الأحداث في العالم العربي، بل لو ذكر حتى إن رئيسا عربيا سوف يزاح عن كرسيه وبإرادة شعبية، لما صدقه أحد بل لقهقه الجميع من طرافة الفكرة ذلك أن الحاكم العربي وبخلاف كل الأنظمة الموجودة في العالم، ظل ولعقود طويلة يحكم البلاد من مصدر الهي، فهو القائد الأوحد في كل شيء، وهو الأب لكل العباد صاحب العزة والعظمة والكبرياء، يحكم على المرء بإشارة من إصبعه فإما أن يعتق المرء لوجه الله ووجه القائد بعد أن يكون قد دان بالولاء له وللعائلة الكريمة ولأولي الأمر من حوله أو أن يرحل إلى العالم الآخر بقدرة قادر في حال اختار العكس.
الحاكم العربي ظن ان سكون الشعوب وصمتها هما رضا بالواقع، ولم يعرف أن الأعشاب الصغيرة تشق طريقها للشمس من بين الصخور، فهذا الشعب وقف مع زعمائه في الأوقات الصعبة، خاض معارك التحرير في وجه المستعمر الأجنبي ناضل خلف القيادة لبناء الأوطان الكريمة، قدم الغالي والنفيس، قدم الدماء من اجل أن تبقى راية الوطن خفاقة عالية، رضي بالفقر والجوع والصبر على الآلام حتى لا يوسم بخيانة الأمانة والخروج عن الجماعة، صبر طويلا وطويلا على أمل التغيير، على أمل أن يلين قلب القائد فيقوم ببعض الإصلاحات ويوزع بعض الهبات حتى يعتاش الأبناء، ويقتات العجزة، ولكن القائد صم اذنيه عن بكاء الأطفال وعويل النساء، واخذ يبدد ثروات البلاد على ملذاته وملذات أبنائه وأعوانه وعلى أدوات البطش بالناس والمعارضين، وهو على ثقة أن الجرح لا يؤلم الأموات، لكن كما قالت أم كلثوم للصبر حدود، فقد طفح الكيل بهذه الشعوب الحية فهبت تقوم بالثورة في وجه الأنظمة الاستبدادية، لتغير بثوراتها مجرى التاريخ ولتسقط أنظمة ما كان أحد يحلم إنها يوما ما ستهتز عن عروشها، وأبعدتهم عن الكرسي الذي ظنوا انه سيبقى ممهورا باسمهم وأسماء أولادهم من بعدهم، بيد ان هذه الأنظمة لا ترحم العباد حتى أثناء سقوطها، فتأبى الرحيل إلا على برك الدماء، تهدد وتتوعد الجماهير بالمجازر والمذابح فيما تنذر العالم الغربي بخطر التطرف الإسلامي والأزمات الاقتصادية، كما يحدث اليوم في ليبيا حيث يخوض العقيد معركته الأخيرة ضد شعبه معتمدا على المرتزقة، وسلاح الطيران الفتاك، لكن كل هذه الأمور لم تعد تنفع الطغاة، فميدان التحرير اثبت إن إرادة الشعوب لا تقهر وان العدالة والحرية والعيش الكريم هي قيم إنسانية مشتركة سوف تبقى مطلب كل حر على وجه البسيطة وستهون دونها كل الصعاب والمهالك. إن الشباب هم طاقة التغيير وهم عنفوانها، وان النخب السياسية الهرمة سلطة كانت أم معارضة ساهمت إلى حد كبير في التأخر العربي عن مواكبة قيم الحضارة، إن دولة مثل تركيا خرجت من انقلاب عسكري عام 1980 استطاعت وخلال عقود قليلة أن تبني لنفسها مكانة مرموقة بين الدول المتحضرة نتيجة لسياسة الانفتاح على الشعب، لقد قال لها يوما الرئيس الأمريكي اوباما إن عليها أن تتصالح مع تاريخها ومع شعبها، وفعلا ها هي تتصالح مع شعبها وتفتح الملف تلو الآخر كي تحل كل المشاكل التي مازال بعضها عالقا حتى اليوم.
إن على الدول العربية التي ما تزال بعيدة عن الثورات، أن تعي ان الحرية هي مفتاح التقدم، وان البدء بالحوار والمصالحة بين الشعوب والأنظمة هو افضل من سفك الدماء والإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن، وان العالم الغربي لن يحمي أحدا من الأنظمة صديقة كانت أم عدوة، فالشعوب وحدها هي من تقرر حياتها، واقعها ومستقبلها، ولم تعد تقبل بالرضوخ والخنوع لإرادة فرد أو جماعة ما، وها هو الشعب العربي يخط بدمائه اليوم ملحمة تشكل الولادة العسيرة لبداية جديدة للتاريخ العربي.2011 هو البداية الحقيقية للتاريخ الشرقي الحديث الذي سيحتاج إلى كثير من الدراسات والتحليل وسيرغم حتما منجمي العالم على التفكير ألف مرة قبل البوح بأي من توقعاتهم المستقبلية وتنجيماتهم.
الدكتور شمدين شمدين ـ سورية[email protected]