زهرة مرعي’الغالبون’ عنوان لمسلسل رمضاني تبثه قناة المنار اللبنانية يصح تصنيفه بكل راحة بال أنه من الإنتاجات الأشد أقناعاً في الجانب التقني، والأكثر إقناعاً في تجسيد المشاهد من قبل الممثلين، والأكثر واقعية لجهة تجسيد المشهد العسكري في كافة متطلباته، وكذلك في مقاربة المشهد العسكري البشري الصهيوني.
في ‘الغالبون’ نحن مع مشاهد متلاحقة لا هنات فيها ولا إضافات لملء ثغرة هنا أو إطالة هناك لمط الزمن. إذ أن المُشاهد يتواصل على الدوام مع صورة مشغولة بعناية من خلال ممثلين متألقين وجذابين في حركتهم ومشاعرهم البعيدة عن الإدعاء. وإن لم يكن هذا الحكم ينسحب على الجميع فأقله على أكثريتهم وكل في موقعه.
تحدثنا عن آلية ومسار وتقنية المسلسل دون أن نشير بأن العنوان يجسد المضمون، فالغالبون يؤرخ لنشأة المقاومة الإسلامية بوجه العدو الصهيوني بعد إحتلاله لجزء كبير من الأراضي اللبنانية في إجتياح سنة 1982، وصولاً إلى سنة 1985 حين أرغم هذا العدو على انسحابه الأول حتى الليطاني وتخوم قضاء جزين. وفي هذا الصدد يكون المُشاهد على تماس دائم مع رجال المقاومة والبيئة المقاومة التي يتواجدون فيها، وبخاصة في الجنوب. وهكذا تتجلى المقاومة كحالة تتكامل مع الحياة والأفكار أو تكملها. ويظهر المقاومون في تلك المرحلة متمكنون من إلحاق الضربات المتتالية بالعدو وبيسر شديد ودون أن يتمكن من النيل منهم.
في ‘الغالبون’ وبخاصة في حلقاته الأولى كان هناك تواجد في مسار المشاهد للمقاومة الفلسطينية التي كان القضاء عليها هدفاً معلناً للعدو. كذلك كان تجسيد لتواجد لبناني ضمن هذه المقاومة من خلال شخصية ناصر. وفي مقاربة حية لمعركة مثلث خلدة قريباً من مطار بيروت بوجه العدو، كان ذكر لتواجد عسكري وطني لبناني وكذلك فلسطيني، ويأتي هذا من ضمن الأمانة التاريخية وإحتراماً للشهداء الذين سقطوا في تلك المعركة. لكننا كمشاهدين وشهود في الوقت نفسه على مرحلة مفصلية في حياة لبنان توقعنا بعد مجزرة صبرا وشاتيلا رؤية إحتلال أول عاصمة عربية. وطبعاً هو مشهد مؤلم، لكن كان من الضروري عدم إغفال هذا الحدث والإكتفاء بذكر عملية الويمبي الشهيرة والتي بعدها ‘صرنا نواجه عمليات عسكرية مختلفة’. كان ضرورياً أن تعرف الأجيال بأن بيروت وعلى مدى أيام كانت أرضاً تهتز تحت أقدام العدو بفعل العمليات المتلاحقة وخاصة في الليل. وأن هذا العدو صار يجول الشوارع طالباً عدم إطلاق النار عليه لأنه يريد الإنسحاب. وفي معركة بيروت التي إستمرت لأيام كان تجسيد حي من دون سابق تصور وتصميم لشعار وحدة المقاومة والشعب. فالشعب هو من إحتضن المقاومين. وبحسب إعترافات جنود العدو فإن أحدهم لم يجد في بيروت من يقول له كم الساعة. هذه المعارك التي سقط فيها شهداء كانت بداية الإنتصار على العدو، وليس لطيفاً أو محقاً إغفالها لأن المقاومة الإسلامية كانت لم تتبلور بعد، وكانت فقط من فعل شباب الأحزاب الوطنية واليسارية. فالمقاومة فعل مستمر حتى وإن تبدلت الشعارات وصارت الدوافع إيمانية وبأن قتال العدو واجب شرعي. وكذلك قول الشيخ راغب حرب ‘طبعنا مفطور على مقاومة الظلم والإستبداد’. وإن كنا نحمل كل الإحترام لشعار ‘قتال العدو واجب شرعي’، فنحن لا نغفل أهمية الكثير من الشعوب المناضلة من أجل التحرير والإستقلال وفي طليعتها الشعب الفيتنامي الذي قاتل الأميركيين لسنوات إنطلاقاً من الواجب الوطني. ولا شك بأن المقاومة الإسلامية إستفادت من تجربة الثوار الفيتكونغ وأستوحت منها. فهي مقاومة دخلت التاريخ وصارت درساً عسكرياً أكاديمياً، تماماً كما دخلته في مرحلة لاحقة مع المقاومة الإسلامية. كذلك لا يمكن المرور ببساطة على عشرات الشهداء والجرحى الذين قاتلوا العدو الصهيوني إنطلاقاً من الواجب الوطني والعقائدي، وكانت عمليات إستشهادية متعددة ومن قبل فتيات مناضلات. لهذا كان مشهد التقريع ب’الأستاذ ناجي الوطنجي’ نافراً إلى حد ما. فالوطنية لا تنهزم، البشر هم من يهزمون لضعف مبرر في هذا الإنسان أو ذاك. كذلك كان نافراً مشهد ‘البنت المتحررة’. وكأن كل متحررة يمكن أن تقع في غرام عميل؟ فالفتيات اللواتي قمن بعمليات إستشهادية كما سناء محيدلي كنّ حاسرات الرؤوس. وبهذه المناسبة كان لافتاً أن ‘المتحررة’ وكذلك زوجة ناصر الفلسطينية التي إستشهدت في مجزرة صبرا وشاتيلا كانتا الفتاتين الوحيدتين غير المحجبتين. وربما كان في ذلك بعض المبالغة.
في الشكل إتخذ مسلسل الغالبون قرار القطيعة في التعبير عن العاطفة الطبيعية بين الأم وإبنها وبين الأخت وأخيها. فعندما عاد علي من المعتقل الصهيوني قبله والده بلهفة، وبقيت عاطفة الأم والأخت في ضمير الغائب. كذلك كانت النساء محجبات حتى خلال النوم. ربما يصنف البعض هذه الملاحظات من ضمن الشكليات، لكنها في أساس الفعل العاطفي الواقعي والإنساني. كذلك كانت لهجة الممثل نفسه تختلف بين مشهد وآخر. ونشير إلى أن المواطنين الجنوبيين أنفسهم تساءلوا ‘هيك منحكي نحنا’؟ فالتشديد على الكسر في الكلام كان مبالغاً فيه. في المشاهد التي تابعناها حتى الآن يمكن التأكيد على روعة شخصية الشيخ راغب حرب التي أداها الممثل القدير عمار شلق الذي قاربه حتى في الشكل. وكذلك على المشهد الشعبي الجامع الذي قاوم العدو في جبشيت حوالى ثلاث مرات كان شديد الإقناع. والأكثر إقناعاً على الإطلاق في تلك المشاهد التي مرّت خضوع كل من الممثلين طوني عيسى ومازن معضم للإختبار والإمتحان في صلابة الموقف من قبل رجال المقاومة الإسلامية. كان مشهد التعذيب المبرح يجعلنا نصدق أن الشابين في قبضة العدو. ولا بد من ذكر الممثل القدير أحمد الزين، والممثلين دارين حمزة، وفاء شرارة، مجدي مشموشي وآخرين. فقد شارك في المسلسل حوالى ال200 ممثل لبناني. جميعهم كانوا على قدر المسؤولية التي ألقيت على عاتقهم وبخاصة هؤلاء الذين جسدوا أدوار ضباط العدو كبيار داغر وبيار جماجيان.’الغالبون’ من كتابة فتح الله عمر وإخراج باسل الخطيب الذي ساهم إلى جانب قناة المنار في إدخال المسلسل اللبناني حيز الأعمال العالمية، وهو لكان فعل حقيقة كما حصل مع مسلسل الإجتياح، لولا ذلك الحصار الرسمي الذي يحيط بحزب الله عربياً ودولياً.
سياسيون سعوديون يفتون في الديمقراطية السورية؟
الأكثر حداثة في تجليات المشهد التلفزيوني ذلك الإنهماك السعودي بوقف العنف الرسمي السوري بحق الشعب الثائر مطالباً بالحرية والكرامة، كانت تلك المحادثة التي جرت عشية السبت الأحد بين العاهل السعودي الملك عبد الله والرئيس الأميركي باراك أوباما، وفيها ‘قلق مشترك وعميق من جراء إستخدام الحكومة السورية العنف ضد مواطنيها’! وكانت إشادة امريكية بموقف الملك عبدالله ‘القوي ومطالبته للرئيس السوري بشار الأسد بوقف آلة القمع ضد المتظاهرين’! وإلى ذلك الموقف المثير للجدل يتجلى الصحافيون السعوديون على قناتي الجزيرة والعربية في خطابهم الديمقراطي التحرري والإنفتاحي! وهكذا بين الملك عبدالله و’الملك’ أوباما وجوقة الصحافيين محترفي التزوير يكتمل المشهد ليصبح كاريكاتورياً مضحكاً بإمتياز. فعشية محادثة أوباما ‘الملك’ والملك عبد الله أي في يوم الجمعة كان في السعودية قمع للتظاهرات وإعتقالات، لكن ‘لا مين شاف ولا مين دري’. في حديث الثورة من قناة الجزيرة طالب الصحافي السعودي بحرية التظاهر في سوريا، وحرية التعبير، وعدم المس بالمتظاهرين وكذلك بإطلاق المعتقلين! هي مطالب مشروعة، ومن حق كل مواطن في هذا العالم أن يقف بوجه كل ظلم يتعرض له إنسان، وليس فقط الظلم والقمع الذي يتعرض له الشعب السوري. لكن السؤال مشروع إن كان فاقد الشيء قادر على إعطائه. فكيف لبلد تغيب فيه الناس في غياهب السجون أن يطالب بإطلاق المعتقلين؟ كيف لملك أن يدعو لوقف القمع ضد شعب شقيق وهو كان السباق في المشاركة بقمع شعب شقيق على حدوده البحرية وبالدبابات تماماً كما يفعل النظام السوري.
والأطرف في هذا المشهد السعودي الكاريكاتوري أن تظاهرات الشعب السعودي ضد الظلم وضد الجوع والبطالة تقمع، في حين تسمح السلطات للسوريين للعاملين في السعودية بالتظاهر ضد نظام بشار الأسد. أليس في ذلك مفارقة؟ وأهم ما أورده الإعلام في الأسبوع الماضي أن السفير السعودي لدى سوريا تلقى دعوة إستدعائه للتشاور عشية العنف السوري الرسمي المفرط، حين كان على مائدة إفطار دعا إليها مسؤولون سوريون وبينهم سياسيون وعسكريون وفي فندق الفور سيزون!
أما على شاشة العربية ومع منتهى الرمحي في بانوراما فكان الصحافي السعودي يوجه اللوم لداوود أوغلو لأنه أعطى الأسد مزيداً من الفرصة لقمع شعبه، ووجد في ذلك مساندة مباشرة لعملية القتل الرسمية السورية. وهو من شدة فطنته وجد أن المجتمع العربي وكذلك الدولي لم يكن ليتحرك لولا ‘بيان الملك عبدالله’؟ وبحسب هذا الصحافي فإن ‘تركيا والسعودية هما الآن الركيزة الإسلامية الوحيدة’. ووصف هذا الصحافي سوريا بالجار الآمن لإسرائيل، ونسي أن يقول بأن هذه الأخيرة ترتجف عندما تسمع بكلمة سعودية.
في التفسير السياسي يأتي البيان السعودي الصادر عن الملك في خانة الخضوع للضغط الأميركي الساعي لمحاصرة نظام بشار الأسد. ومن نتائج هذا الضغط أن أصبح الملك عبد الله والسعودية مصدراً للديمقراطية والتسامح. ولهذا استحق الملك ذلك الإتصال من أوباما ‘الملك’ فشد على يده لأنه سمع الكلام وخضع للتوجيهات. في حين أن الملك عبدالله ‘بذات نفسه’ وبعيداً عن أية املاءات لم يكن ليحرك ساكناً لو أباد بشار الأسد الشعب السوري بأكمله. المهم عنده هيبة النظام، أي نظام عربي كان. فكل هواجسه محصورة في هذه الأيام بأن لا تصبح الثورة عدوى سريعة الإنتشار كالملاريا في أفريقيا، أو كأنفلونزا فصل الشتاء. حينها لن تكون للمضادات الحيوية فائدة. وهل نسينا مواقف السعودية الداعمة لبقاء حسني مبارك في السلطة حتى اخر لحظة، وقبل ذلك وقوفها مع زين العابدين بن علي والاصرار على استضافته؟
صحافية من لبنان[email protected]