ناقد فلسطيني: درويش فرّق بين ثوبيه اليومي والابداعي وموسق السخرية والايديولوجيا

حجم الخط
0

رام الله ـ من توفيق العيسى: عدة محاور حاولنا نقاشها مع الشاعر والناقد فيصل قرقطي تتناول شعر محمود درويش، السخرية والموسيقى والتناص الديني. وعلى الرغم من محاولات البعض لثنينا عن التعرض لموضوع السخرية عند درويش باعتبار أن هناك مواضيع أكثر قيمة وجمالية في شعر درويش، إلا أننا رأينا أن السخرية فرضت ذاتها في كثير من المراحل السياسية والثورية والوجودية في حياة الشاعر ورسالته، فمرة تراه طفلا يسأل والده ببراءة الطفل وسخرية الشاعر ‘أبي أنت أبي أم تراني صرت ابنا للصليب الأحمر’ في قصيدة ‘أغنية ساذجة عن الصليب الأحمر’، وقد تكون قصيدة ‘مديح الظل العالي’ الذي تضمنت سخرية عالية من كل شيء نظرا للظرف السياسي والمواقف العربية من الاجتياح الإسرائيلي للبنان وخروج المقاومة الفلسطينية، فنقرأ ‘غدا يجتمع كل الملوك من العقيد إلى الشهيد’ و ‘اقرأ باسم الفدائي الذي خلق من جزمة أفقا’، ولم تكن السخرية بعيدة تماما عن مكونات الشعر الدرويشي ولا عن نسج المشهد الشعري والملحمة الشعرية الدرويشية، فعلى الرغم من رصانة ما يكتب والشعرية العالية التي قد يعتقد البعض أنها قد تجرحها المقاطع الساخرة والأفكار الساخرة فقد ذهب إلى أبعد من توظيف الكلمة والفكرة الساخرة إلى نسج قصائد ذات شعرية عالية وبمشهد كاريكاتيري.

يتفق الشاعر فيصل قرقطي مع توجهنا على الرغم من أنه يرى أن السخرية لدى درويش لا تجعلنا نقول إنه شاعر ساخر وعلى حد قوله: ‘لو قدر لي أن اكتب عن السخرية فلن أؤلف كتابا اسمه السخرية في شعر درويش’، وهو يضيف أيضا السخرية عند محمود درويش موجودة ولكن ليس بالمعنى المطروح في الشعر العربي، هناك عدة أنواع من السخرية، سخرية باردة كما كان في الاتحاد السوفييتي قديما والأدب السوفييتي، وسخرية لاذعة وعالية وهي التي تحاول أن تقلل من الرجل وفكرته، وهي عند درويش ليست بالباردة ولا جامحة، فالسخرية تتجسد لديه بأنه رفعها إلى المعطى الإيديولوجي في القصيدة، بمعنى أنه رفع السخرية التي نتعامل بها نحن إلى مصاف بعد المعنى الأيديولوجي في القضية الفلسطينية، إذا نظرنا للموضوع من هذه الزاوية سنجد شعر درويش مليئًا بالسخرية وهي توظف الخطاب الفني والخطاب الإبداعي في إطار عال جدا، وفي مراحل أخيرة راح يبتعد تدريجيا عن السخرية، منذ ديوانه ‘لماذا تركت الحصان وحيدا’، حيث ذهب إلى التفاصيل اليومية والحياة البسيطة.

درويش الواثق من تحديه للموت وهزيمته له باسم الفن والإبداع كما جاء في جداريته ‘يا موت هزمتك الفنون’ كان لصراعه مع الموت طابع ساخر، ففي احدى القصائد يتحدث عن الصدف بحياته والتي أنجته من الموت أكثر من مرة ويرى أن من المفترض أن يكون ميتا منذ زمن بعيد لكن وبالصدفة ما زال حيا، وفي هذا المحور يتحدث قرقطي بقوله: في آخر سبع سنوات عاشها درويش وظف السخرية في نقاش الموت والحياة، وهي خاصة حيال المعنى الإيديولوجي والإبداعي، كان يسخر من الموت وكان يشعر أيضا أنه أقوى من الموت. محمود حالة شعرية مترامية الأبعاد لا يمكن أن تقبضه من جهة وتصنفه على أنه شاعر ساخر مثلا، فلا نستطيع أن نقول ذلك، رغم ثيمات سخرية هنا وهناك، للمعنى السياسي والثوري. على الصعيد الشخصي كان لمّاحا وكان يسخر كثيرا، ولكن حينما يذهب إلى النص الشعري كان يتخلص من ثوبه اليومي، وأستطيع أن أقول انه ساخر من الطراز الأول، وبشكل شخصي بعد الخروج من لبنان التقيته فسألني: هل تزوجت؟ فأجبته: بنعم، أجاب هذه أغرب حادثة سير سمعت بها، وهي عالية لكنها ليست مؤذية، حين كان يتجه للقصيدة كان يكتب السخرية الحادة المعبأة بالمعنى الإبداعي والحزينة أحيانا وأخرى البائسة عن الوضع العربي، لكنها كانت تمدنا جميعا بالأمل.

درويش وموسيقى الشعر:

ويرى قرقطي أن درويش شاعر مترامي الأطراف، ولا نبالغ إذا قلنا انه شاعر الملحمة الشعرية العربية، حتى حين ابتعد عنها في مجموعاته الأخيرة منذ ‘لماذا تركت الحصان وحيدا’ وصاعدا وحتى عودته إليها فهو مؤسس هذه الملحمة الشعرية، الملحمة الشعرية ذات الأجراس والخلاخيل والموسيقى والرقصات الهندية والعربية والأندلسية، كل هذا موجود في الملحمة الشعرية الدرويشية، خرج منها إلى حين لكنه عاد إليها، في قصيدة ‘الجدارية’. درويش كان يحب موسيقى الشعر كثيرا وناهيك عن الموسيقى، المفردة الشعرية والوزن الشعري، كان مغرما بالايقاعات والخلاخيل، والموسيقى متدفقة بشكل حيوي وهائل في شعره، منذ بداياته في الخارج اقصد وليس في الوطن أي منذ ديوان ‘هذه صورتها وهذا انتحار عاشق’ حتى قصيدة ‘بيروت’ حين قال ‘سنرقص الساحة ونزوج الليلك’، وحين قال ‘قل لي ومن كبك نهرين في تابوت يا ليت لي قلبك لأموت حين أموت’ هذا المقطع معبأ بالموسيقى الموسيقية وليس الوزنية للعروض، ثمة طيف يختال موسيقيا على بعض المقاطع ليرفعها إلى مصاف النشيد الحيوي والإنساني. فهل أضاف لموسيقى الشعر؟

أضاف لموسيقية موسيقى الشعر العربي موسيقى جديدة ومضامين تصويرية عالية جدا وشاهدي على ذلك المقاطع المدورة والمتواصلة، هذا أعطى بعدا أكثر عمقا للموسيقى، وشعرية النص، وكان مجددا لجهة تصويب المقاطع الشعرية موسيقيا، كالنشيد، كالمقاطع القصيرة والرباعيات كانت تدخل في سياق نصه الشعري، كأنها لازمة موسيقية تريح نفس المتلقي.

يرى الدكتور ‘عرايدي’ في كتابه ‘ البناء المجسم دراسة في طبيعة الشعر عند درويش’ أن الوزن الشعري عند درويش ينقسم إلى ثلاثة أوزان: البحر، النهر والوادي، فنجد أن وزن البحر هي تلك الكلمة الواسعة وسع البحر، أما النهر فهي الأقصر قليلا، أما الوادي فهي تلك المقاطع القصيرة التي توحي لك بنفس قصير لمن يصعد جبلا. ويعلق قرقطي: يمكن أن يكون هذا الحديث صحيحا إلا أنني لا يمكنني أن الغي الوحدة العضوية للبحر والنهر والمجرى في القصيدة لدرويش، فالقصيدة تبدأ من أول كلمة لآخر كلمة متناسقة كالموسيقي الذي يبدأ لحنه بالنهاوند مثلا ويدور في كافة المقامات والألحان إلا أنه يختتم الأغنية بالنهاوند الذي بدأ به، وقصيدة درويش كانت على هذه الشاكلة، وهي مدروسة موسيقيا بعناية شديدة وبنقاء شديد. درويش وقصيدة النثر:’لا بد من نثر الهي كي ينتصر الرسول’. وعن علاقة درويش بقصيدة النثر يضيف قرقطي: درويش لم يكن ضد قصيدة النثر، وأستطيع أن أقول ان نثرية درويش هي أعلى من قصيدة النثر، وربما من هذا المنطلق لم يذهب لكتابة قصيدة النثر، رغم أني لاحظت في بعض الأحيان وفي قصائد ‘خطب الدكتاتور’ ان فيها روح قصيدة النثر، وكما قلت لم يكن ضد قصيدة النثر كان مع الكتابة إلى أبعد مدى. التناص الديني:

وعن التناص الديني يرى قرقطي أن التناص الديني عند درويش لم يذهب باتجاه واحد، بمعنى التناص الإسلامي فقط أو اليهودي فقط، بل كان تناصا إسلاميا مسيحيا يهوديا، بل كان تناصا مفتوحا على الحياة، لإكمال المشهد الوجودي في الحياة، ومن أجل اكمال المشهد الفني في القصيدة وشعرية الحياة، من هنا كان يتعدد ويتنوع بالتناص الديني، الأمر الذي جعل بعض النقاد المتخلفين يتهمونه بالكفر، ولكن لا ‘تابو’ محرم على الكتابة، مسموح أن تكتب في كل شيء.

ولكن ألا يمكن أن يفهم التناص الديني اليهودي بأنه جزء من إسناد الرواية اليهودية؟ يجيبنا قرقطي: على العكس تماما، فمن يكتب الرواية يرث أرض الحكاية كما قال درويش، والتناص الديني اليهودي هو ليس تناصا اسرائيليا، لكنه يرجع إلى التقاطع الدقيق بين الحضارة الكنعانية والديانة اليهودية التي استمدت اساسا من الحضارة الكنعانية كما يقول صاحب كتاب ‘ التوراة الكنعانية’ ‘ ايلي ايديكو’ كبير كهنة أوغاريت ان التوراة اليهودية ما هي إلا عبارة عن التاريخ الوطني للكنعانيين، والتوراة هي تاريخ الكنعانيين اجدادنا وبالتالي هذا التقاطع البنيوي والقوي مع الأسطورة ارتكز عليه درويش في الجانب الكنعاني وأحيانا يظهر أنه يهودي لكنني لست ضد استخدام المرجعية الأسطورية اليهودية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية