د. كفاح درويش
لعل من بعض ما يحفل به تاريخنا العربي من الموروثات التراثية المعروفة والمشهورة على امتداد وطننا العربي الكبير المقاهي الشعبية، وبما عرفت به من مظاهر وألوان شعبية، تفرد بها الإنسان العربي، حيث كانت تعتبر مكانا ومأوى للتسلية والترويح، ومكانا لملتقى الأصدقاء والمعارف، كما كانت تحفل في بعض البلاد العربية، ومنذ القدم بجانب ترويحي وتثقيفي في آن واحد، اختص براوي السير والمنشد الديني وعازف الربابة، حيث يقدم هؤلاء من خلالها لروادها وزبائنها نتاجهم من هذه الفنون، التي كانت في ذلك الوقت عبارة عن برامج ترويحية، كما هو المذياع والتلفاز هذه الأيام.
شكلت المقاهي علامة بارزة في المجتمع العربي، ومفردة مهمة من مفردات حياتهم، فالمقهى في الوطن العربي أشبه بجامعة شعبية محدودة يتحدد مستواها بمستوى مرتاديها ومستوى الخدمة التي تقدمها، وتلونت ما بين الراقية والشعبية، فهي عند البعض ملاذ للهروب من هموم الحياة، وعند البعض مكان لتجمع الأصحاب ومتنفس لهم يخرجون فيه مكنونات أنفسهم ومناقشة تجارب حياتهم، وعند البعض يعتبر جلسة ثقافية وفنية، وعند البعض أشبه بمنتدى سياسي، فتشكل هذه الأحاديث في مجملها أرشيفا حيا لتاريخ الشعوب، فقد فرضت المقاهي نفسها وبقوة على الساحة الاجتماعية، وصار الكل يرتادها الصغير والكبير، الغني والفقير، وتصدرت المقاهي أولويات المتقاعدين الذين وجدوا في الجلوس على طاولات المقهى الصغيرة للعب الورق والطاولة والدومينو ملاذا جديدا لقضاء ساعات اليوم، فينسون هموم الحياة اليوم، خاصة وأن الشوارع التي تحتضن المقاهي تكون حية بالأصوات التي تتعالى جراء تجمعاتهم اليومية، وإيقاع الحياة السريع وضغوط الحياة اليومية أصبحا يؤثران بشكل سلبي على العلاقات الاجتماعية. لعل زمنية المقهى أصبحت تضاهي مختلف الأزمنة الأخرى مثل العمل والمنزل، فمواعيد المقهى لم تعد مواعيد ثانوية مقارنة بغيرها. والمقهى الذي تم اختزال اسمه في العودة إلى المصطلح التاريخي القهوة، لا يعتبر عنصرا هامشيا كما ينعت في الذاكرة على أنه كثيرا ما يكون مكانا لتبديد الوقت، وإنما هو عنصر رئيسي في البنية المعمارية للمدينة الحديثة.
يعتبر بعض المؤرخين أن ظاهرة المقهى لم تحظ باهتمام المؤرخين وخاصة المؤرخين العرب، لذلك يلاحظ ندرة الدراسات والأبحاث المخصصة لهذا الموضوع حتى أنها بقيت ظاهرة مجهولة من طرفهم، وربما يعود ذلك إلى نظرة موروثة تنظر إلى الظاهرة على أنها ذات طبيعة هامشية، قبل أن تحظى باهتمام المختصين في ميادين أخرى من ذلك علم الهندسة والاقتصاد والعمارة. طرأت العديد من التغييرات على المقاهي الشعبية قبل أن تصل إلى شكلها الحالي سواء من حيث نوعية الزبائن أو من حيث الطراز المعماري والهندسي ووسائل العمل. فمن حيث الزبائن كانت المقاهي قديما تقتصر على استقبال العامة دون الخاصة، ولم تخل المقاهي من الفنون السائدة وقتئذ وهي السير الشعبية التي يحكيها القاص الشعبي أو الحكواتي، وهي شخصية شعبية معروفة محببة في الوطن العربي، ويعد الحكواتي من أهم وسائل الفرجة والمتعة والتسلية وتزخر قصصه بالعبر والثقافات المختلفة التي تقوي الروح المعنوية وأواصر الترابط والمثل العليا. وهي مهنة عرفتها بلاد الشام منذ مطلع القرن التاسع عشر، وحظيت بشعبية كبيرة جعلتها جزءا من التراث الشعبي، وهي ظاهرة مشتركة تميزت بها المدن الكبرى وفي مقدمتها دمشق وحلب وحمص وطرابلس وبيروت وصيدا وحيفا. كما لم تخل المقاهي من الرقص والغناء، وألعاب خيال الظل وفنون الأدب التي كانت تقدم بأسلوب زجلي. وكان ‘بيرم التونسي’ أول من جعل الأرغول فنا مكتوبا في العام 1924، ونقل هذا الفن إلى الغناء وغنت له السيدة ‘أم كلثوم’ الاغنية المشهورة ‘الأولة في الغرام والحب شبكوني، والثانية بالامتثال والصبر أمروني، والثالثة من غير معاد راحوا وفاتوني’ في حديقة الأزبكية سنة1974م. واستقبلت بعض المقاهي العروض المسرحية مثل عروض ‘أبو خليل القباني’ والعروض السينمائية الصامتة ثم الناطقة، فكان المقهى يمثل المنبر الثقافي لذلك العصر وقناة الاتصال الأساسية.
هناك ارتباط وثيق بين المقهى والمثقف، وهذا الارتباط جاء عبر علاقة حميمية في القرن الماضي بين أهم عمالقة الأدب والفن والمقاهي، حيث أصبحت المقاهي عبارة عن مدارس تعلم فيها الأدباء والشعراء الكثير من العلوم والمعارف من خلال الحوارات التي تعقد فيما بينهم. فالمقهى هو ذلك المكان الذي يعتبر منجما للمفكرين والمبدعين والذي خرج منه أشهر الكتاب والرسامين والمبدعين… مثل نجيب محفوظ حيث شهدت المقاهي ولادة أعظم مؤلفاته وكتاباته، والأديب البرازيلي ‘باولو كويلو’ الذي كان يعشق القبوع في المقاهي وجعلها نافذته على الحياة… وهناك الكثير من الفلاسفة والأدباء الفرنسيين الذين يشاركونه نفس الرأي أمثال ‘سارتر’، و’سيمون دو بوفوار’ وغيرهما الذين ولدت إبداعاتهم في مثل هذه المقاهي وسط ضجيج الناس. وربما كانت كذلك ملهمة العلماء، وبحسب ما ذكر فإن الفلكي العالمي ‘هيلي’ استكمل نظريته في دوران القمر حول الأرض في أحد مقاهي لندن الشعبية، لينتهي الجدل حول الجاذبية التي أشغلت الكون منذ سقوط تفاحة ‘نيوتن’. يبدو من المستحيل أن نضع اليد على مثقف أو أديب تشكل خارج فضاء المقهى، أو من دون المعونة التي يقدمها هذا الفضاء المكاني الاجتماعي، الذي غدا بصيغة أو أخرى نوعا من الحديقة الخلفية لمجمل النشاط الثقافي الرسمي، أو المؤسسي ونوعا من المعهد الشعبي والارتجالي للتدرب على خبرات الجدال والنقاش وتبادل الآراء والمواقف، وأيضا نوعا من المنتدى الذي تجرى فيه عمليات تبادل الكتب، ومحطة أساسية يرتادها الجميع حين يبحثون بعضهم عن البعض. إن المقهى الشعبي مثل نوعا من الحاضنة الاجتماعية لإحساس الأديب والمثقف وحضوره، وإذا كان الأديب يحتاج للخلوة والانزواء بعيدا عن الضجيج ليكتب نصوصه، فإنه بالمقابل يحتاج إلى المجتمع وأناسه لاستلهام موضوعاته، فلا أدب من دون قراء. يعتبر المجتمع العربي في جميع طبقاته الشعبية والنخبوية، من محبي المقاهي، صحيح أن المقاهي ظاهرة موجودة في أنحاء العالم، لكنها ليست بنفس الأهمية في جميع البلدان، ففي بلدان أوروبا المقاهي لدى الفرنسيين والسويسريين مثلا هي أكثر وفرة وشعبية من إيطاليا. أما في البلدان العربية، فيمكن القول إن ظهور المقاهي الشعبية تزامن مع ظهور العواصم العربية والمدن خصوصا في نهايات القرن التاسع عشر. ومع حلول القرن العشرين، أصبحت المقاهي الشعبية في القاهرة وبغداد وبلاد الشام تؤدي نفس الدور الذي تؤديه المقاهي الشعبية في أوروبا، فلم يقف المقهى عند حدود كونه مكانا لشرب القهوة والنارجيلة ولعب الورق، بل يعد عنصرا أساسيا من عناصر بنيتها الحضارية، وأحد أهم أركان الحياة الاجتماعية والثقافية، فقد شكل المقهى في خمسينيات القرن الماضي مرحلة ذهبية من حيث تحوله من مجرد أماكن للتسلية والمتعة والترويح عن النفس إلى زوايا وأركان المنتديات الثقافية المتنوعة لبعض الاهتمامات الفكرية والسياسية والشعبية نتيجة لوجود كثير من المفكرين والأدباء والسياسيين من أعمدة ورواد وزبائن هذه المقاهي. ولعل من شواهد هذه المقاهي المعروفة على مستوى الوطن العربي، مقهى ‘ريش’ في القاهرة الذي انطلقت منه أفكار التحرير وأحلام التحرر السياسي والثقافي على حد سواء، حيث تشير المصادر التاريخية إلى أن في هذا المقهى جلس ‘جمال عبد الناصر’ يخطط لثورة تموز، وكتب على إحدى طاولاته الشاعر العراقي ‘عبد الوهاب البياتي’ كثيرا من أشعاره، وكان من رواده ‘طه حسين’ و ‘العقاد’ و’جمال الغيطاني’ و ‘أحمد فؤاد نجم’ و ‘أمل دنقل’. أما مقهى ‘الفيشاوي’ أحد أقدم المقاهي القديمة في مصر وهو مقهى تراثي يمتاز بمذاق خاص، ويشعر المرء وهو يجلس فيه بعبق التاريخ، وللمقهى أهمية كبيرة في التاريخ المصري، فقد لعب دورا كبيرا في الحركة الأدبية والثقافية، ويكفي أن ‘نجيب محفوظ’ قد كتب معظم أعماله في هذا المقهى. كما أن هناك فنانين عالميين تشكيليين كانوا يجلسون على المقهى ويرسمون لوحاتهم المستوحاة من حي الحسين وخان الخليلي. كما أن علماء الأزهر كانوا يجلسون عقب صلاة الجمعة أسبوعيا في قاعة خاصة بهم اسمها قاعة ‘البيسفور’ ويتناقشون في أمور الدين. ويحتفظ المقهى بسجل زيارات عليه توقيعات كبار الشخصيات السياسية والفنية والثقافية العربية والغربية. لقد كان المقهى المصري أحد أهم أركان الحياة الاجتماعية والثقافية المصرية، بحيث رسم لنا صورة تقدمه مدارا لحركة الحياة، مكانا ليس فاصلا تماما بين الحياة العامة والخاصة لرواده، وهي صورة تكشف في طياتها عن البعد الوظيفي للمقهى، وهي الصورة التي لم تبتعد عنها الرواية العربية، مستفيدة من المقهى بوصفه علامة على الواقع، فالمقهى جدير بتقديم الكثير من الحياة الواقعية التي لم يكن بإمكان الرواية العربية في مرحلة صعودها أن تتجاوزها، وأن تقارب مقاربتها للإنسان العربي. أما في بغداد، فمن المعروف أن المقاهي منذ بداية القرن الماضي لعبت فيه دورا في إنضاج وتطوير الكثير من الاتجاهات الشعرية مثل مقهى ‘الزهاوي’ وهو أقدم مقهى يجمع النخب الثقافية من وجوه المجتمع وأدبائه، منهم ‘جميل صدقي الزهاوي’ و’ الشاعر معروف الرصافي’ و’ شاعر العراق الكبير’ محمد مهدي الجواهري’. ومن هذا المقهى كان الزهاوي يرد على مقالات عباس العقاد التي تناقلتها الصحافة العراقية والمصرية تحت عنوان المعارك الأدبية. أما في دمشق فيعتبر مقهى ‘النوفرة’ أقدم مقاهي دمشق، ويقع خلف الجامع الأموي، ولا يزال يحافظ على تقاليده القديمة حتى يومنا هذا، ومنها الحكواتي. أما في ‘عمان’ فقد كان للمقهى دوره الجديد في الحركة الثقافية، إضافة إلى الدور البارز في الحركة السياسية، وبقيت المقاهي تتبادل الأدوار والأسماء فلم يكن ‘مؤنس الرزاز’ سعيدا بانتقاله إلى مقهى العاصمة ثم إلى مقهى ‘عمون’ في أول شارع السلط، وهناك انتظمت حكايات الأدباء وقصصهم. ويبقى المقهى شاهدا تاريخيا على تحولاته وأدواره وحكاياته الإنسانية وإبداعات مثقفيه حيث وجدوا مكانا يلوذون به حين يريدون التحرر من سلطة المكان وسلطة النص وسلطة الدولة.
ومع التطور الهائل الذي طرأ على الحياة العربية، أصبح المقهى المعاصر مركزا لجذب شباب متعلم من الجنسين، وتختفي معه المقاعد الخشبية لصالح تلك البلاستيكية، وتختفي مشروبات السحلب والتمر الهندي لصالح المشروبات الغازية، وتتقلص ألعاب الدومينو والطاولة لصالح الألعاب الالكترونية، ويختفي المغنون الشعبيون لصالح شاشات التلفاز الضخمة.
طقوس المقاهي هذه الأيام تغيرت وتبدلت بكل ما فيها انطلاقا من روادها وحتى مساحتها ومحتواها، وطريقة تقديمها لما يروق هذه الأيام لأغلب شباب العصر من النرجيلة والشاي بالإضافة إلى ورق اللعب مستهلكين معظم وقت النهار ما بين سحب المعسل، وبين أصواتهم المتعالية جراء لعبة الورق وتنازعاتها. غير أن تلك التغييرات على أهميتها الظاهرية، تخفي تغييرات أعمق وأخطر في دلالتها، فالمقهى تاريخيا لم يكن مجرد مكان للترويح عن النفس، بل كان أيضا محلا للقاء والحوار والتواصل الاجتماعي. وليست مصادفة أن احتل المقهى مكانه في الأدب المحفوظي. أما اليوم فيبدو مرتادو المقاهي كل في عالمه الخاص، ومن المدهش أن الانترنت قد جعل الفرد منفصلا عن الجالس بجواره على بعد سنتيمترات، كل يخاطب العالم الافتراضي بطريقته، فهل تصبح المقاهي الالكترونية بديلا عن المقاهي العادية؟ إن مقاهي الانترنت أو الفيس بوك لا تعتبر مقاهي بالمعنى المعروف بل هي مكان يستفاد منه في كافة المناقشات والحوارات فهي مقاه ثقافية من الدرجة الأولى، حيث أغلبية الأعضاء ينشرون على المقهى القصص والروايات، وأيضا المواقف التي يمر بها كل شخص كي يستفيد الآخر منه.
أعتقد أن المقاهي الإلكترونية ليست بديلا للمقاهي العادية بدليل عدم اختفاء المقاهي من الشارع، فالمقاهي الشعبية كانت في البداية مصدر تعارف، وطريقة فعالة لاتصال الجنس الواحد… وكانت وما زالت بمثابة برلمانات صغيرة يلتقي فيها المثقفون وعامة الناس للتداول في شؤون البلاد وشؤونهم الشخصية، وظلت على مدى سنين طويلة تعكس حركة الشارع العربي وإيقاعات ونبض حياتهم اليومية، ولهذا الاعتبار كانت المقاهي محط اهتمام الأعمال الدرامية في الكثير من المسلسلات التاريخية والأعمال الأدبية والروائية، وهذا ليس بالمستغرب طالما أن هذه المقاهي كانت المكان الذي عقد فيه الكثير من الاجتماعات، وسجل الكثير من الأحداث في حياة المواطن العربي…*كاتبة من الاردن