لا تنسنا يا أخي من دعائك

حجم الخط
0

نعجز عن تصور حالة السعادة و الرضى التي شعر بها عمر بن الخطاب و الرسول صلى الله عليه و سلم يوصيه بالدعاء بعد أن أذن له بالعمرة قائلا’ لا تنسانا يا أخي من دعائك’ و لا نجد أبلغ من وصف الفاروق رضي الله عنه لها ‘فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا’. رسول الله، أحب خلق الله الى الله، المجاب دعاؤه، المغفور ذنبه، المقبول عمله، رائد الأمة الى الجنة و مفتّح أبوابها يطلب من أخيه الدعاء تحببا و توثيقا لأواصر الأخوة و تطبيقا لسنته التي أخبر أتباعه عنها و بشرهم بأجرها و فضلها فقال ‘دَعْوةُ المرءِ المُسْلِمِ لأَخيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابةٌ عِنْد رأْسِهِ ملَكٌ مُوكَّلٌ كلَّمَا دعا لأَخِيهِ بخيرٍ قَال المَلَكُ المُوكَّلُ بِهِ: آمِينَ، ولَكَ بمِثْلٍ’موقف يجعلنا نتحسر أننا لم ندرك رسولنا، و نتطلع ليوم نكون فيه أهلا لتطبيق سنته و أهلا لذخرى نبينا و شفاعته، يوم يسقينا بيده الشريفة من حوضه المورود شربة لا نظمأ بعدها، و نتعوذ من أن نكون من الذين يقول لهم’سحقا سحقا فقد غيرتم بعدي!’و قد مدح الله المؤمنين لذات الفعل فقال تعالى’ والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان’، و أمر النبي فقال ‘و استغفر لذنبك و للمؤمنين و المؤمنات’، وقال إخبارًا عن إبراهيم عليه السلام أنه دعا ‘ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب’. نعجز كذلك عن تصور شدة المعاناة و الألم و العجز التي جعلت الصحابة الذين ذاقوا صنوف العذاب يتوجهون الى رسول الله رغبة في دعاءه المستجاب و يقولون له ‘ الأ تدعو لنا؟ الأ تستنصر لنا’ فيوجههم الى الصبر و يبشرهم بعاقبته.

و قد قال أحد العلماء أن أفضل الدعاء و أضمنه إجابة أن تدعو الله بلسان لم تعصيه به! فتحير الناس! فما من إنسان الا و قد عصى الله بلسانه! فأجابهم: و لكنكم لم تعصوا بلسان اخوانكم، فاطلبوا دعاءهم و احرصوا عليه، و استكثروا من الصالحين فإن لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة فلعلك تدخل في شفاعة أخيك.

و من ذاق حلاوة أن يهدي له أخوه شيئا من دعاءه ويعطيه من وقته و قلبه و مشاعره، و يفرح لفرحه داعيا الله أن يتم نعمته عليه، و ينغم لهمه داعيا الله أن يفرج كربه، سيعلم أن لا شيء كالدعاء يثبت المحبة في القلب و يرسي دعائم الإيمان فقد جاء في الحديث’ أوثق عرى الإيمان الحب في الله’ و هذه المحبة التي يزينها الدعاء هي التي أجزلت أجر الأخوة فجعلت للمتحابين في الله منابر من نور يوم القيامة يغبطهم عليها النبييون و الشهداء، و هي الخلة التي تدوم وتتصل عندما تنقطع الصلات و يهرب الناس من أحبابهم و يعادونهم الا اخوتهم المتقين.

وقد كانت هذه العلاقات مدخل الصحابة للتواصي بالحق و الصبر فكانوا يلقون بعضهم و يقولون ‘اجلس بنا نؤمن ساعة’ يجمعون بين محبة لقاء الاخوان و الأنس بهم و الأنس بطاعة الله، و قد ذكر أبي وائل قال: انطلقت أنا و أخي حتى دخلنا على الربيع بن خيثم فإذا هو جالس في مسجده فسلمنا عليه فرد علينا السلام ثم قال: ما جاء بكم؟ قلنا: جئنا لتذكر الله عزوجل فنذكره معك، و تحمد الله و نحمده معك.

و ما أحوجنا بالإضافة الى دعاء المحبة للاخوة أن نجتهد في دعاء النصرة للأمة و نستنصر الله للمجاهدين و المستضعفين فوق كل أرض و تحت كل سماء كي لا تصيبنا استغاثة ذلك المسلم الذي أتى الكعبة من بلاد حرب و تعلق بأستارها داعيا ‘اللهم إني أشكو إليك المسلمين نسونا حتى في الدعاء’!. لا تنسانا يا أخي من دعائك: إن أنت قمت إلى الصلاة بليل خوف أو رجاءْ.. تدعو الإله تضرعا والعين قرحها البكاءْ. فاذكر أخاً لك بالذنوب قد سد أرجاء الفضاءْ.. فاجعل له ما تنتقيه من الدعاءْ.. ‘فلعل دعوة محسن تنجيه من ذاك الشقاءْ.

د. ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية