الشخصية الشريرة في النظام السياسي

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرو

وصف بعض كتاب العلوم الدينية والفلسفية والإجتماع الشخصية الشيطانية، الشخصية الشريرة، بأنها تتميز برغبتين مهيمنتين على تفكيرها وكل أفعالها: الطمع الشديد في الإستحواذ على الثروة والرغبة القوية الجارفة بالإستئثار بكل أنواع السلطة. تلك الشخصية لا تشبع قط، إذ تظل تضيف وتراكم الثروة والسلطة مهما كانت العقبات ومهما كانت المحاذير الأخلاقية والقيمية ومهما كان عدد الضحايا والمظلومين.

من خلال تراكم وتعاظم الثروة والسلطة تستطيع تلك الشخصية أن تبقي على تحكمها بمن حولها وبما حولها من خلال شراء الذمم والولاءات الإنتهازية أو من خلال زرع الخوف والرهبة في النفوس الضعيفة. والنتيجة هي خضوع المجتمع وأفراده لحكم الغلبة والإفساد والترويع.

قد تكون هناك صفات أخرى للشخصية الشيطانية الشريرة كقسوة القلب وغياب تأنيب الضمير والأنانية المفرطة والحسد التدميري للآخرين المنافسين وغيرها. لكن ما يهمنا هو أن الدراسات النفسية والتجارب الإجتماعية تؤكد وجود مثل تلك الشخصية وإتصافها بصورة مفجعة بالطمع المأساوي المجنون لجمع الثروة والسلطة، وبالتالي طرحنا للسؤال الآتي: هل أننا أمام وصفٍ محكم للحالة السياسية العربية على وجه العموم؟

فأولاً، أظهرت جميع ثورات الربيع العربي الحالي بأن حكم الإستبداد والطغيان، مهما كان البلد فقيراً كما هو الحال في اليمن، قام على تكديس الثروة المادية والمعنوية والسلطة السياسية والأمنية المطلقة في يد فرد واحد بمساعدة من عائلته ومجموعة صغيرة من زبانيته. لم يحكم أي من الذين سقطوا أو في طريقهم للسقوط بالثروة وحدها أو بالسلطة وحدها. لقد تعددت مناهج وأساليب استعمالهما، لكنهما بقيا السلاح العربي المشترك الذي استعمله الطغاة عبر العقود الطويلة الماضية.

وثانياً، فان الأساس الذي تقوم عليه الدولة الريعية، والدول العربية جميعها ريعية بنسب متفاوتة، هو إما سرقة السلطة باسم شرعيات خارج إرادة المجتمعات ثم جمع الثروة لإسنادها، وإما الإستئثار بثروة هي في الأساس ملك لكل أفراد المجتمع ثم بناء السلطة والإستحواذ على كل مؤسساتها لإسناد بقائها في أياد قليلة. من هنا تقوم الدولة الريعية على شراء الذمم والزبونية والولاءات غير الوطنية أو على بناء أجهزة متعددة متنافسة قمعية أمنية للتخويف وللعقاب وللقتل المعنوي.

نعود للشخصية الشريرة التي تتصف بممارستها لتلك الرغبتين الخطيرتين على حساب المجتمعات وساكنيها: إنها حتماً لا تولد هكذا، كما يؤكد المفكرون والعلماء، وإنما هي حصيلة ظروف ومواقف مساعدة وحصيلة أنظمة مسهلة بل ودافعة نحو تواجد مثل هذه الشخصيات.

إذن فالسؤال التالي الذي يطرح نفسه بقوة هو: ما هي الظروف والأنظمة العربية التي سمحت وسهلت وشجعت على توالد هذا العدد الكبير من مثل تلك الشخصيات في الحياة السياسية العربية عبر الغالبية الساحقة من أقطار الوطن العربي وعلى مستويات متعددة من تركيبة تلك الحياة السياسية؟

الجواب على هذا السؤال هام للغاية لشباب الثورة العربية المباركة عند الانتقال من مرحلة ثورة الإسقاط والإزاحة إلى مرحلة ثورة البناء بايديولوجيتها ومشاريعها ومناهج عملها.

النظام السياسي الذي لا يقوم على الشرعية الديمقراطية، بمعنى أن لا يقبل المجتمع قط أن يحكمه كائناً من كان وتحت أي مسمى إلا بإرادة المواطنين ورضاهم وبقدرتهم العاملة للمحاسبة والعزل والإبدال. أي نظام سياسي يقبل بأية شرعية أخرى، باسم التاريخ أو الدين أو المذهب أو القبيلة أو الإنقلاب العسكري أو المباركة الخارجية، يسهل بناء وتفريخ الشخصيات التي وصفنا. وهذا بالضبط ما تبنته المجتمعات العربية منذ قيام الملك العضوض الأمور حتى يومنا هذا، وهو الذي أنتج ورعى وشجع أمثال حسني مبارك وبن علي والقذافي وعلي صالح وغيرهم.

اللاشرعية الديمقراطية في بلاد العرب أوجدت عدم توازن بين المجتمع والدولة، عدم مراقبة من قبل السلطات لبعضها البعض، عدم تبادل للسلطة، تواجد الطغيان والإفساد بشكل وبائي، تركز على السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والأمنية والمالية في يد شخص الحاكم وأدواته. وعندما تتزاوج السلطة مع الخوف الدائم من قبل المواطنين تصبح غولاً لا يمكن قهره. والغيلان كانت تلك الشخصيات المرعبة الشريرة التي حكمت ولا تزال تحكم معظم أرض العرب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية