زهير أندراوس الناصرة ـ ‘القدس العربي’: كُشف النقاب أمس الأربعاء في تل أبيب عن أنّ الإدارة الأمريكيّة تُمارس ضغوطات جمّة على الحكومة الإسرائيليّة لتقديم اعتذار لتركيا، بهدف حلّ الأزمة بين الدولتين.
وقال المحلل للشؤون العسكريّة في صحيفة ‘يديعوت أحرونوت’، أليكس فيشمان، المقرب من المؤسسة الأمنيّة في الدولة العبريّة، نقلاً عن مصادر أمنيّة وصفها بأنّها رفيعة المستوى، إنّ الإدارة الأمريكية تضغط على إسرائيل لكي تعتذر لتركيا، وحذّرت من أنّ عدم الاعتذار سوف يصعب على الولايات المتحدة مساعدة إسرائيل في الأمم المتحدة، كما قالت المصادر عينها إنّ عدم استجابة تل أبيب لطلب الإدارة الأمريكيّة، سيؤثر سلبًا على مصالح الولايات المتحدّة في منطقة الشرق الأوسط، على حد قول المصادر.
وأبرزت الصحيفة أن الإدارة الأمريكية، وتحديدًا وزارة الخارجيّة، قلقة جدا مما أسمته المصادر بالأزمة في سورية، وأن طريقة معالجة ذلك يكون عن طريق توطيد العلاقات مع تركيا، وبناء عليه تطلب من إسرائيل تقديم الاعتذار بشأن الهجوم الدموي على أسطول الحرية الذي راح ضحيته 9 أتراك وأصيب العشرات في شهر أيار (مايو) من العام 2010، كما لمحّ عدد من الدبلوماسيين الأمريكيين، كما كتب فيشمان، إلى أنّ عدم استجابة تل أبيب للمطلب الأمريكيّ بشأن الاعتذار لأنقرة سوف يصعب تجنيد الدعم لإسرائيل في أيلول (سبتمبر)، أيْ عندما ستناقش الجمعيّة العامّة في الأمم المتحدّة الطلب الفلسطينيّ للاعتراف بدولة فلسطينيّة في حدود ما قبل الرابع من حزيران (يونيو) من العام 1967. وأشارت الصحيفة في سياق تقريرها الحصريّ إلى أنّ الإدارة الأمريكية تضغط على إسرائيل لكي تقدم الاعتذار للحكومة التركية بشأن مجزرة أسطول الحرية، وذلك بهدف تثبيت العلاقات بين إسرائيل وتركيا في أسرع وقت ممكن. ومضت قائلةً إنّ دبلوماسيين إسرائيليين في الولايات المتحدة الأمريكيّة بعثوا برسالة إلى إسرائيل تتضمن رسائل واضحة من الخارجية الأمريكية، بما فيها رسائل مباشرة من وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، شددت فيها كلينتون على أنّ استمرار التدهور في العلاقات بين إسرائيل وتركيا يمس بمصالح الولايات المتحدة في المنطقة، على حد تعبير الدبلوماسيين.
بالإضافة إلى ذلك، كتبت الصحيفة العبريّة أنّه من أجل مواجهة الأزمة في سورية فإنّ الإدارة الأمريكية تسعى إلى توطيد العلاقات مع تركيا، باعتبار أن هناك أهدافا مشتركة للطرفين بينها، إنهاء ولاية الرئيس السوري بشار الأسد، وتنصيب بديل له أكثر اعتدالاً، وإعادة الاستقرار إلى سورية، ومنع تفككها، مضافًا إلى ذلك، جاء في الصحيفة، أنّ الولايات المتحدة تعمل على الضغط على إسرائيل لتقديم الاعتذار مقابل توطيد العلاقات مع تركيا.
ونوهت الصحيفة العبريّة الى ان وزير الأمن الإسرائيليّ، إيهود باراك، كان قد سمع أقوالا مماثلة من وزيرة الخارجية الأمريكية خلال زيارته لواشنطن قبل ثلاثة أسابيع، وفي حينه طُلب منه أن تعمل إسرائيل كل ما بوسعها لحل الأزمة مع تركيا، والتي اعتبرت على أنها تمس بمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، يُشار في هذا السياق إلى أنّ وزير الأمن الإسرائيليّ يؤيد تقديم الاعتذار المشروط لأنقرة.
وجاء أيضا في الصحيفة أنّ الضغوط الأمريكية على إسرائيل تتزايد، وخاصة قبل ثلاثة أيام من نشر تقرير لجنة بالمر بشأن الهجوم الدموي على أسطول الحرية في أيار(مايو) من العام الماضي.
ونقلت الصحيفة عن دبلوماسيين إسرائيليين قولهم إنّ مسؤولين في الخارجية الأمريكية قد ألمحوا بشكل غير رسمي إلى أن الولايات المتحدة تواجه صعوبة في إقناع دول صديقة في الأمم المتحدة لتغيير تصويتها بشأن الدولة الفلسطينية في أيلول في حال وجدت إسرائيل صعوبة في الاستجابة للطلب الأمريكي بمصالحة تركيا.
كما أشارت الصحيفة إلى أن تركيا، التي تعلم بالضغوط الأمريكية، تواصل الضغط على لجنة بالمر من أجل تأجيل نشر التقرير إلى حين تقديم الاعتذار الإسرائيلي، ولكن بموازاة ذلك، قالت الصحيفة، إنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ، بنيامين نتنياهو، الذي كان قد طلب في الشهر الماضي، تأجيل نشر التقرير، يقول إنّ إسرائيل ترغب في أنْ يتم نشر التقرير دون تعقيب من الحكومة الإسرائيليّة، بما في ذلك الاعتذار لتركيا.
في سياق ذي صلة، وتحت عنوان هل بالإمكان ترميم التحالف الإستراتيجي بين أنقرة وتل أبيب، قال البروفيسور زاكي شالوم، من المركز للأبحاث القوميّة في تل أبيب إنّ لإسرائيل الكثير من الأسباب لكي تكون غاضبة على تركيا، ذلك أنّه بالإضافة إلى العلاقات التجارية والأمنية بين الدولتين اعتبرت الدولة العبريّة أنّ علاقاتها مع دولة إسلاميّة علمانيّة مثل تركيا تؤكد على أنّه من الممكن انخراط إسرائيل في الشرق الأوسط، ولكنّه قال إنّ قرار الحكومة التركية إبراز الخلافات مع إسرائيل نابع في ما هو نابع من رغبة تركيا التأكيد على أنّها قررت الانحياز للمعسكر الراديكالي في الشرق الأوسط على حساب علاقاتها مع تل أبيب، على حد تعبير شالوم. وعن أسباب إصرار تل أبيب على عودة العلاقات مع أنقرة في التوقيت الحالي والتمسك بتل أبيب تلك الفرصة لاسترضاء تركيا بأيّ شكل من الأشكال، قال البروفيسور الإسرائيليّ إنّ تل أبيب ترى أن تعاظم قوة تركيا على حساب ضعف النظام السوري أمر سيكون له تداعيات إقليمية بعيدة المدى، مؤكدا على أنّ سوريّة تعتبر بمثابة دولة محورية في منطقة الشرق الأوسط وتعتمد عليها طهران فيما تتبناه من مواقف في المنطقة، وهو ما يعني أن ضعف نظام حزب البعث الحاكم في سورية لعقود طويلة وإسقاطه سيؤدي بالتبعية إلى إضعاف إيران وحلفائها في المنطقة وعلى رأسهم حزب الله، علاوة على ذلك، فإنّ إسقاط الأسد سيساهم في تدعيم الموقف الإسرائيلي في أية مفاوضات جديدة تجري مع النظام السوريّ حول مستقبل هضبة الجولان المحتلة.
وخلص إلى القول إنّه من غير المستبعد، لا بل أنّه من المحبذ، أنْ يقوم قادة الدولة العبريّة وتركيا بوضع المشاكل بينهما حول الاعتذار الإسرائيليّ جانبًا، وفتح صفحة جديدة والتفكير فيما يحدث الآن، وأن يشرعا فورًا في البحث عن سبل استئناف التعاون الإستراتيجي بينهما، على ضوء تنامي الثورات العربية المحيطة بهما في منطقة الشرق الأوسط، والتي قد تمثل خطرًا كبيرًا على كليهما، مؤكدًا على أنّه من الممكن أن تسفر جهود المصالحة بينهما عن شيء مثمر إذا ما كان هناك محاولة للتدخل من قبل الإدارة الأمريكية وهو الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى انفراجه في العلاقات بين الدولتين، على حد تعبيره.