محمد منصور التغيير الأساسي الذي يتوقع أن تحدثه الثورات العربية في بنية الدراما العربية وفكرها، لا بد أن ينصب بشكل أساسي على صورة أجهزة المخابرات وعلاقتها مع الناس والسياسة والحياة والأوطان… فهذه الأجهزة التي كانت على مر عقود عماد حكم الأنظمة القمعية وبقائها، مست كل شؤون الحياة، وتدخلت في معظم مناحيها… حتى صار أي تغيير في سلطتها، هو تغيير في مفهوم الحياة والمواطنة برمتها. وربما يمكننا تلمس البوادر الأولى لهذا التغيير، عبر صورة ضباط المخابرات كما تقدمها بعض الأعمال الدرامية التي تعرض في موسم رمضان التلفزيوني الحالي… فنحن هنا أمام نحوذجين: نموذج مصري قدم صورة رجل المخابرات متحررة من الحساسيات والتبريرات الرقابية، ونموذج سوري يحاول أن يتخفف من وطأة الرقابة التي ما تزال قائمة، طامحاً لقول بعض الحقيقة حول شكل وجود رجل المخابرات في حياتنا. في المسلسل المصري (آدم) للكاتب أحمد محمود أبو زيد والمخرج محمد سامي، يبدو ضابط المخابرات (سيف) نموذجاً مجسداً لحكم الحديد والنار الذي تؤمن به أجهزة المخابرات العربية عموماً… وهو يقدم صورة عن عنف الكثير من ضباط الأمن والشرطة في مصر، الذين تداولت حكاياتهم الصحافة المصرية على نحو واسع بعد سقوط النظام المصري وربما قبله أيضاً… إنه ليس رجلا مأزوماً في علاقاته العائلية فقط، لكنه يطمح بقوة نحو الارتقاء السلطوي عبر إثبات جدارته في القمع والتعذيب والدوس على كرامات الناس… فالمسلسل يعترف ضمنياً أن هذه هي معيار النجاح التي سادت في أجهزة الأمن المصرية… وهو الأمر الذي لا يجرؤ الكاتب سامر رضوان مؤلف المسلسل السوري (الولادة من الخاصرة) للمخرجة رشا شربتجي، على الاعتراف به صراحة… فالضابط (رؤوف) هنا، يشبه زميله المصري (سيف) في اضطراب علاقاته الأسرية وخصوصا مع زوجته… لكنه يختلف عنه في أنه ينحو منحى فردياً، يكاد يقول للمشاهد بين حين وآخر: إن ضباط الأمن في أجهزة المخابرات السورية ليسوا كلهم هكذا… إنه نموذج استثنائي قد يدين وقد يملّح وقد يفضح، لكنه لا يصدر حكماً نهائياً على البنية الأخلاقية لأجهزة المخابرات السورية.
هذه الفكرة التي يقولها مسلسل (الولادة من الخاصرة) تبدو مفهومة في ظل بقاء الرقابة السورية التي نعرف جميعاً أن تقارير بعض مراقبيها لا تختلف كثيراً عن تقارير مخبري الأمن… لكن المرء لا يستطيع أن يهلل لجرأة المسلسل من دون تلمس هذه الفكرة الاعتذارية التي يضطر صناع العمل إلى حشرها بين السطور… فـ (رؤوف) نموذج مرسوم بحدة تقترب من أقصى حدود المبالغة، رجل يتسبب في تشويه وجه زوجته الحسناء، وموت أبيها مقيداً ومرض والدتها المسنة لسبب شخصي تافه… وهو رجل يقفل الباب على زوجته الثانية ليحول حياتها في الفيلا الفخمة إلى سجن… أين منه تجاوزاته في سجون الفرع الذي يعمل فيه… وهذه الحدة بقدر ما تفش قهر الناس لأنها تلامس وجعهم، بقدر ما تقول لهم أنه نموذج استثنائي لا يمكن أن نتوفر عليه بسهولة… لكن واقع الحال يقول، أن الاستثنائي في أجهزة المخابرات السورية هو الضابط الذي يحترم آدمية البشر، وهو الرجل الذي تتحرك في قلبه ذرة رأفة أو رحمة بأبناء بلده، وهو الضابط الذي يؤمن أن هؤلاء يجب أن يكون أعزاء في وطنهم لا عبيد مقهورين يُصلون الجحيم… نعم ضباط بهذه المواصفات استثنائيون، أما القاعدة فهم الضباط الذي لا يتورعون عن اعتقال أم مسنة أو أب عجوز مريض أو زوجة تعيل أولادها كرهينة للقبض على رجل متوار… وهم الضباط الذين عذبوا الطفل الخطيب حتى الموت بالطريقة التي شاهد آثارها الوحشية العالم كله، وهم أولئك الذين لم يتركوا تامر الشرعي ابن الخامسة عشرة إلا بعد أن بدأ الدم ينزف من أذنيه وهو مشرف على الموت، لأنه رفض أن يقول: (بشار ربي)… ولهذا لن يصدق السوريون أن نموذج (رؤوف) في مسلسل (الولادة من الخاصرة) استثنائي… ولن يصدقوا أي كلام يقال عن معاقبة ضابط مخابرات لأي سبب غير شق عصا الطاعة على السيد الرئيس، أو التهاون مع المناوئين للنظام أو صراعات بين أجهزة متنافسة على مكاسب وصلاحيات… فالدستور السوري الذي يحمي ضباط المخابرات من الملاحقة بسبب جرائم التعذيب، حتى لو ثبتت براءة من قتلوا تحت التعذيب… هم هؤلاء الذين لا يردعهم قانون ولا أخلاق ولا ضمير… ومن الخطأ أن يبرر المسلسل ساديتهم بناء على دوافع وعقد نقص شخصية وحسب… لأن الحقيقة تقول أن هذه السادية هي تعبير عن نظام عمل مخابراتي مصمم بعناية وعن قصد لإذلال الناس… وهو يتمتع بالرعاية الرسمية الكاملة التي تبارك آلية عمله.. وإلى أن نتمتع بالهامش الكافي لقول هذه الحقيقة، فإن أي حديث آخر يبقى منقوصاً أمام ركام ما يعرفه السوريون عن جرائم أجهزة المخابرات بحقهم، والتي لم يسجل منذ عقود أي حالة اعتذار علنية عنها! مصائب مسلسل (في حضرة الغياب)! رغم أنني لا أتابع بانتظام مسلسل (في حضرة الغياب) عن سيرة الشاعر محمود درويش، بسبب انغماسي في متابعة مسلسلات حصار واجتياح حماه، ودخول دير الزور، واقتحام قرى إدلب والاعتداء على اللاذقية وتهجير أهلها، وقصف مخيم الرمل الفلسطيني… فإن ردود الفعل العنيفة التي ووجه بها المسلسل منذ حلقاته الأولى، تكاد تحاصر أي متصفح للمواقع الآلكترونية العربية، أو حتى مشترك في موقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) الذي تحفل صحفاته كل يوم بعشرات التعليقات والبوستات، وحتى المقالات والمقابلات المنقولة، التي تعبر عن حالة الاشمئزاز من سوية هذا العمل!
ولعل كل هذه الورطة الفنية ستهون… إذ يمكن لصناع العمل أن يصوروها باعتبارها: اختلاف وجهات نظر… أو محاولة تشويش، أو حملة كيدية على خلفية خلافات شخصية مع عامل بوفيه في المسلسل… أو حتى نوع من المؤامرة التي تستهدف سورية وقائدها الممانع ومشروع المقاومة الذي يتبناه… أوليس محمود درويش شاعر مقاومة بالمناسبة؟! لكن ما لا يمكن أن يهون حقاً… أن يظهر الفنان مارسيل خليفة الممثل في المسلسل ومؤلف موسيقاه التصويرية على شاشة تلفزيون المستقبل المعادية، وهو يشارك في مظاهرة مناهضة للنظام السوري في ساحة الحرية ببيروت، ويقول أنه جاء ليشعل شمعة على أرواح الشهداء؟! طبعاً يمكن للمنحبكجية من صناع المسلسل (فراس إبراهيم- حسن م يوسف- نجدت أنزور) أن يدعوا أن مارسيل خليفة أشعل شمعة على أرواح شهداء قوى الأمن والجيش الذين قتلتهم العصابات الإرهابية المسلحة… لولا أن أبرز صقور تيار المستقبل (الوزير السابق أحمد فتفت) كان بجواره وقال في النظام السوري كالعادة – ما لم يقل مالك في الخمر… ولولا أن مارسيل خليفة صرح لاحقاً أنه يتخذ موقفاً ضد النظام الديكتاتوري.
والآن… كيف سيبرر المنحبكجية موقف مارسيل خليفة ‘المخزي’ وهو شريكهم في المسلسل… بأي لغة سيشتمونه وكيف سيتبرؤون منه ويقولون إنهم عميل ومندس ومتآمر على سورية؟! الله يجعلها أكبر المصايب يا شباب! يا حيف! عرض بعض مسلسلات الدراما السورية على تلفزيون قطر الرسمي، يؤكد أن منتجيها الذين يرددون ليل نهار أن قطر و’الجزيرة’ تتآمران على سورية وأمنها استقرارها وتسعيان لبث الفتنة والفوضى والتحريض… ليس عندهم مبدأ ولا معيار ولا يعرفون شيئاً اسمه الالتزام بموقف… فكيف يمكن أن يبيعوا مسلسلاتهم لتلفزيون قطر، بعدما اكتشفوا نوايا قطر المبيتة ضد بلدهم سورية؟! أليس من الأولى والأجدر أن يقاطعوا تلفزيونها الرسمي ويحرموه من الإبداع الدرامي السوري… ولك يا حيف ع الوطنية اللي بتنباع وبتنشرى وقت الحاجة! ناقد فني من سورية[email protected]