كان كثير التأمل غارقا في التفكير كأنه فيلسوف زمانه وقد اصطفّ الناس من كل حدب وصوب كي يقرأوا أفكاره من وجهه العبوس حينا والمتهلل حينا أخرى. وهو نفسه ينتظر ما تقوله العينان عندما يشاهد وجهه المدوّر في المرآة كان يمشي وحيدا ينظر إلى الأرض وقلّما يرفع رأسه اللهمّ إلا لاجتياز الضفة المقابلة من الطريق. نظراته ترسم حروف الهجاء. كان كالأخرس يتكلم من غير كلام ويرى من غير أن يسمع عالم أسرار وأحاجي لا يفقهها إلا الخبير بارتساماته وتأملاته.كان يجدّ في خفضه ورفعه وتلك علامة الصلاة لكن ماذا يقول؟ فذاك لم يفلح في الإجابة عنه إلا خواص الخواص وهذا اليوم مخالف لسائر الأيام.إنه بداية شهر رمضان شهر الخير والقرآن وهو في صيام عن الكلام لمّا قرب وقت الإفطار قصد حوض الماء الجاري كي يتوضأ وضوء الصلاة نظر إلى أعضائه وأطرافه نظرة استعداد ثم نظر في المرآة فإذا به يرى نفسه خلاف العادة: وجه حسن الصورة أراد التعبير عن شدة فرحه وغبطته فعجز حاول ثانية فثالثة توالت المحاولات فبكى ثم كفكف دمعه وحين همّ أن يصرف وجهه إذ بصورته تلك تكلمه كلاما مفعما بالأمل والانبساط ‘لا تبتعد يا أخي’ أحس كأن خياله يكلمه ولأول مرة تتحرك شفتاه دون إذن منه فتطابقت قواه الإرادية مع حركاته اللاإرادية وفي لحظة ذهول وانخطاف نطق باسمه ‘يا طاهر’ ثم انقلب على الأرض بلا حراك. مالك بوديّة- المرسى تونس