من المفارقات المؤلمة التي يحياها الشعب المصري في ربيع ثورته، أن يكون الخطاب التخويفي واستخدام الفزاعة الإسلامية – وهو الأمر الذي مارسه النظام المستبد المخلوع – ما زال سائدا في خطابات بعض القوى الليبرالية والعلمانية، بحيث تشعر من خلال كتاباتهم وتصريحاتهم أن الوجود الحركي الإسلامي الفاعل، وبالأخص الاخواني الوسطي، سيعني حتما الخطر على الحرية وحقوق الإنسان وعلى الفنون وعلى الاقتصاد، وسيعني انتهاك حقوق المرأة وسجنها في بيتها، وأن الأقباط ستتم فرض الجزية عليهم، وستعلق المشانق ضد كل القوى بتهم الردة، وسيتولى الخليفة الحكم ليحول البلاد غالى إمارة إسلامية يلفها الصمت والظلام، وستعلن الحرب على كل القوى الكافرة.. الخ من هذه المقولات الممجوجة، والتي يتم تسويقها في ظل حملة إعلامية مركزة، تستهدف أولا: محاولة ثني الجماهير عن الحركة الإسلامية، وعن الفكر الإسلامي الوسطي الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين، والتي يتفق الجميع مؤيدين ومعارضين على دورها المحوري في الثورات العربية والتغيير الحاصل، وثانيا: هي رسالة موجهة للأقباط، لتخويفهم من الخطر الإسلامي القادم، وبالتالي محاولة حسمهم لصالح هذه التيارات، وثالثا: هي رسالة إلى الغرب الذي بدأ يتقبل الوجود الإسلامي في دوائر الحكم كأمر واقع، تفرضه إرادة الشعوب، من اجل استثارتها – أي القوى الغربية – للوقوف ضد هذا التوجه وقمعه من خلال ما تمتلكه هذه القوى من قدرات اقتصادية وأمنية مؤثرة. وعلى الرغم من أن الإخوان المسلمين وضحوا وبصورة لا لبس فيها، أن الديمقراطية والتي يقوم جوهرها على أن يختار الناس من يحكمهم ويسوس أمرهم، وألاَّ يُفرض عليهم حاكم يكرهونه، أو نظام يكرهونه، وأن يكون لهم حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ، وحقّ عزله وتغييره إذا انحرف، وأن الممارسات والأساليب العملية لتحقيق هذه الأهداف مثل الانتخابات والاستفتاء العام، وترجيح حكم الأكثرية، وتعدّد الأحزاب السياسية، وحقّ الأقلية في المعارضة، وحرية الصحافة، وفصل السلطات، واستقلال القضاء، وإقامة المؤسسات الدستورية… الخ كلها أمور لا خلاف للإخوان عليها بل واعتبروها من صميم الأهداف الإسلامية، كما أكدوا أن الإسلاميين مدنيون، وأن مفهومهم للدولة الإسلامية يقوم على أنها الدولة المدنية، دولة الديمقراطية، دولة المواطنة، دولة حقوق الإنسان، دولة التعددية الكاملة بكل المكونات الدينية والعرقية، دولة سيادة القانون، دولة مرجعية الدستور، دولة التداول السلمي للسلطة، دولة الحريات العامة للجميع واحترام كافة الأقليات وحقوقها الكاملة بلا انتقاص، فالدولة الإسلامية هي دولة مدنية بطبيعتها. إلا أن هذه القوى العلمانية المتطرفة والمتدثرة بعباءة الليبرالية تحاول القفز فوق كل ذلك وتتجاهله تماما لتعيد عزف النغمة النشاز التي مارسها من قبل كل المستبدين الذين تعاقبوا على الحكم في أرجاء بلداننا العربية وكانت النتيجة أن جلبوا الخزي والعار والفساد وسوء الإدارة والتخريب الممنهج للأوطان ومقدراتها.
ويبدو أن هذه القوى ولإدراكها ضعف شعبيتها وعدم قدرتها على المنافسة الحقيقية الحرة في الشارع المصري تحاول فرض هيمنتها وأجندتها على الشعب من خلال ما يسمى وثيقة المبادئ فوق الدستورية وهي الوثيقة التي تعد حجرا على حق اللجنة المقرر تشكيلها لصياغة الدستور والتي نص الإعلان الدستوري على أنها ستشكل من بين أعضاء البرلمان، ومن هذا المنطلق فهي التفاف على ما شرعية الاستفتاء على التعديلات الدستورية، ومخالفة لما أيدته الأغلبية وهي تصادر الإرادة الشعبية إضافة إلى انه من غير المعروف من سيصيغ هذه المواد ومن الذي سيقرها دون الرجوع للشعب، ومن يمتلك أصلا هذا الحق؟
لقد صدعت هذه القوى ‘الليبرالية’ رؤوسنا وهي تنظر علينا طوال الوقت عن الحرية، وعن الديمقراطية والانتخابات، وان الشعب هو مصدر السلطات، لتسقط في أول امتحان عملي لها، عبر دعوتها لفرض رؤيتها النخبوية الضيقة على جماهير الشعب، دون أن يكلفوا أنفسهم بمجرد استشارته، إن تصورهم القائم على أن الشعب المصري هو شعب جاهل مالم يتبنى نهجهم بالكامل يعبر عن الفوقية التي ينظرون لها إلى الجماهير، وهو الأمر الذي يفسر انصراف الجماهير عنهم.
إن محاولة الهيمنة وفرض الرؤية التي تمارسها هذه القوى تمثل عمليا محاولة للانتقال بمصر من حكم استبدادي نخبوي اسري، إلى حكم استبدادي نخبوي ضيق.
إن المطلوب اليوم هو توقيع وثيقة واحدة فقط من قبل جميع القوى وعلى رأسها القوى العلمانية الليبرالية وهي تتضمن الالتزام التام برأي الجماهير، وقد أوضحت التجارب السابقة أن الإسلاميين هم الأكثر تقبلا للنتائج في كل المناطق التي خاضوا فيها الانتخابات، وأنهم هم من تم الانقلاب عليهم في كل الانتخابات التي خاضوها وفازوا فيها، سواء في تونس زمن زين العابدين، والجزائر في التسعينات من القرن الماضي، وأخيرا في فلسطين، وبالتالي فهم من يحتاج إلى التطمين، إن تدعيم الديمقراطية في مصر يتم عبر إعلان القوى الليبرالية عن التزامها بنتائج الانتخابات مهما كانت، واحترامها لإرادة الشعب المصري، وليس من خلال ابتداع وسائل(كالوثيقة الفوق دستورية) هي جزء من تراث النظام الاستبدادي الفاسد.
ماهر عابد