خالد شبيبشاهدتهم من الطرف الآخر للشارع، انطلقوا في إحدى مظاهراتهم المعتادة وهم يحملون أعلاما وقطعا من الكرتون كتب عليها: ‘ارحل’ و’حرية’ و’الله أكبر’.. و’جمعة لن نركع’. وكانوا يرددون بصوت واحد: ‘ يا درعا نحنا معاك للموت..يا حمص نحنا معاك للموت..يا حماة…’. فجأة ظهر من خلف السور رشاش اتوماتيكي وأمطرهم بوابل من الرصاص فتساقطوا بين قتيل وجريح. وكان ابني حسن ذا الأربع سنوات مرفوعا على أكتاف أخيه الأكبر حمزة حين انطلق الرصاص، فاستلقى جسده الصغير أرضا دون حراك. انكب اثنان يلقنانه الشهادة ويضمان أصابعه الصغيرة ماعدا السبابة على هيئة قبضة مرتخية. كان أحدهم ينادي من اختبأوا تفاديا للرصاص:’اسعاف…اسعاف..’، ثم صرخ آخر:’صوّر..صوّر’..لكن سيارة الإسعاف لم تصل ولم يهدأ الرصاص ولا التكبير، فأخذ المتظاهرون يسحبون الشهيد الصغير على الأرض المغبرّة لإبعاده عن مسرح الموت. عندها تدخلت مصفقا بيديّ من بعيد لإيقافهم واتجهت نحوهم، فنهض حمزة وركض نحوي والعرق يتصبب من وجهه وعنقه.ــ لماذا تفعلون هذا بأنفسكم..انظروا إلى ثيابكم… ماذا ستقول امهاتكم؟ــ بابا ..بابا..رفضنا قبل قليل أن نموت برغم أن علي أطلق علينا الرصاص والقنابل والقذائف..وكل شيء..ــ وبعدين..لماذا غيرتم رأيكم؟ــ راح علي يبكي لأننا أفسدنا دوره في اللعبة، لذا اضطررنا أن نموت لإرضائه.قال ذلك وهو يحبس ضحكة خلف وجهه المحمرّ والمتعرق، وتفادى النظر إلى علي الذي أرخى رشاشه البلاستيكي بخجل.نهضوا جميعا احتراما لي فميزت معظمهم من أبناء جيراننا الذين منعتهم الأحداث في سورية من السفر لقضاء الصيف هناك. نفضوا ثيابهم مما علق بها من غبار متراكم جراء عاصفة الغبار الخليجية المعتادة في الليلة الفائتة. لم يكن أكبرهم سنا يتجاوز التاسعة من العمر، وكانت المظاهرات لعبتهم المفضلة بعد أن أصبحت الحديث الوحيد في البيوت والسهرات والاتصالات الهاتفية وحتى اللقاءات العابرة بين الكبار.حملت حسن الصغير الذي أصر على دوره كشهيد ولم يتحرك بين ذراعاي. اتجهت إلى المصعد، فأطل حارس البناية أبو عادل من شباك الغرفة الصغيرة الوحيدة في الطابق الأرضي الذي شكل مظلة أسمنتية كبيرة، وقال بصوت متكاسل ونبرة صعيدية ثقيلة:ــ والنبي يا أستاذ..قُل للعيال ما يكتبوش شعارات على الحيطان لحْسن حيقطعوا رزقنا.التفت إليه معتذرا بينما ضغط حمزة على زر المصعد فهبط إلينا قادما من الطابق الرابع. وجاء عمرو الصغير من خلف غرفة الحارس وهو يقلد حركة سائق سيارة، بينما كان فمه يطلق صفارة اسعاف.ــ وين المصاب؟؟ــ لا عليك يا عمرو ..أنا سأصعد بحسن إلى غرفة العمليات.واستدرت إلى باب المصعد، فسمعتهم يتفقون خلفي على ‘ تطويق المشفى لحماية الجرحى من رجال الأمن’.فتح باب المصعد وخرج منه الأستاذ توفيق الذي ابتسم حين رأى الأولاد بثيابهم المتسخة متجمعين حول حسن الهامد بين ذراعي.ــ ها ..مجزرة جديدة؟رددت ذات العبارة لأؤكد حدسه لكني لم أعطّش الجيم بطريقته القاهرية.ــ يالله..كلها كم يوم وتفرج انشاءالله.وأمنّت على دعائه بحرقة غافلا أنه يقصد بدء الدوام المدرسي وانشغال الأولاد عن لعبهم.تسلق المصعد البناية إلى الطابق الخامس بتؤده، كان حمزة لا يزال يلهث ويمسح جبينه بمنديل أستأذنني بأخذه من جيبي. وكان حسن الصغير قد نسي دوره في لعبة الموت وأغفا بين ذراعي فضممته إلى صدري غير مكترث باتساخ ثيابه، وكدت أحسد نفسي على رفاهية أن لا أحد هنا يريد قتلنا.