درس شرق أوسطي

حجم الخط
0

عوديد غرانوتكان معمر القذافي، كما هو معروف، طاغية في بلاده مثل طغاة آخرين في افريقيا وخارجها، ولكنه كان أيضا الزعيم الملون والاكثر غرابة الذي شهدته القارة السوداء على الاطلاق. باسلوب لباسه بخيمته الكبيرة التي كان يقيمها لنفسه في كل عواصم العالم التي زارها، بالحارسات الشخصيات الجميلات اللواتي احطن به في سفرياته، بخطاباته المسرحية وغير المتوقعة، بـ ‘الكتاب الاخضر’ الذي كتبه كحل لكل مشاكل العالم. فقط زعيم سوي العقل على حدود الجنون ومجنون على حدود سواء العقل كان يمكنه أن يأمر منذ أيامه الاولى في الحكم وحدة الاسطول المصري التي كانت ترسو في طرابلس في زيارة ودية، بان تغرق سفينة المسافرين ‘كوين اليزابيت’ بدعوى أن هذا أمر وصل من القاهرة (من الحظ أن القائد المصري كان شكاكا)، محاولة الفرض على السادات بالقوة الوحدة الكاملة بين مصر وليبيا، اسقاط طائرة ‘بان امريكان’، حبس مواطنين أجانب في اعتقال عابث لابتزاز امتيازات وفرض مقاطعة على سويسرا فقط لانها لم تسمح لابنه المجيد التنكيل بخادمته. ذات يوم اقترح حل الامم المتحدة وفي يوم آخر طالب بحل الجامعة العربية. لا جدال في أنه بعد 42 سنة في الحكم حانت لحظة القذافي للرحيل واخلاء مكانه لاخرين، ليقيموا في ليبيا نظاما ديمقراطيا حرا، يحمي حقوق الانسان. المشكلة الوحيدة هي أن احدا، في العالم، ليس لديه أي فكرة اذا كان هذا هو ما سيحصل حقا. ينبغي الاعتراف بالحقيقة: لم يكن ‘للثوار’ في ليبيا، اولئك الذين ثاروا على القذافي قبل ستة اشهر بالهام من الثورة في تونس وفي مصر، أي فرصة في العالم لاسقاط نظام القذافي لو لم يربطوا عربتهم المتهالكة، الصدئة والمتفككة بمحرك نفاث للطائرات القتالية الاكثر تطورا في العالم من حلف الناتو. حلف الناتو هو الذي احتل نيابة عن الثوار الطريق الى طرابلس العاصمة، بما لا يقل عن 7.400 غارة قصف موضعية على أهداف عسكرية، بما في ذلك مقر معقل القذافي في باب العزيزية. وقد زود الغرب الثوار بالسلاح والذخيرة، المعلومات الدقيقة وكذا المساعدة البرية المحدودة ايضا. غير أن الان حان دور الثوار في مواصلة الهجوم نحو بناء ليبيا الجديدة. المشكلة هي أنه بعد النصر العسكري للغرب، الذي كان حلوا وسريعا نسبيا مع الحد الادنى من الضحايا في الارواح، يأتي وجع الرأس الحقيقي: العراق، بعد اسقاط صدام، اجتاز ولا يزال يجتاز طريقا طويلا من العذاب حتى اقامة حكم مستقر، وكذا في ليبيا يوجد، على ما يبدو، توقع مبالغ فيه من أن الثوار، الفسيفساء البشريين من 140 قبيلة، كبيرة وصغيرة، بعضها متنازع مع بعضها الاخر في خصومات عسيرة وطويلة السنين، سينجحون في اقامة دولة حديثة، حرة ومتطورة بسرعة. في طهران وفي دمشق تابعوا باهتمام شديد الحملة الناجحة للناتو في ليبيا. اذا كان هناك شيء ما يمكن للاسد واحمدي نجاد ان يستخلصاه من هذه العملية فهو أن القذافي كان غبيا تماما عندما تخلى في العام 2003 طواعية عن تطوير سلاح نووي وكيماوي وجعل نفسه أكثر هشاشة. الرئيس السوري، كما هو معروف، سبق أن هدد هذا الاسبوع باستخدام ‘قدرات خفية’ تحت تصرفه اذا ما تعرض للهجوم، والرئيس الايراني يسرع في هذه اللحظة نقل أجهزة الطرد المركزية التي تنتج اليورانيوم الى المنشأة المحصنة في باطن الارض في قم. معاريف 23/8/2011محلل الشؤون العربية في القناة الاولى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية