مساعدات نشر التخلف وهدر الكرامة وترويج الفساد

حجم الخط
0

د. حسين علي شعبان أقلقت قرارات المجلس العسكري وحكومة تصريف الاعمال في ثورة مصر العربية الادارة الامريكية فشنت حملة تحريض عالمية ومحلية ضد رئيس المجلس العسكري المشير طنطاوي. اما هذه القرارات فنلخصها في التالي: (1) رفض الحكومة المصرية قروض البنك الدولي. (2) منع مبعوثيين دوليين مراقبة الانتخابات المصرية. (3) حظر تلقي الاحزاب، منظمات المجتمع المحلي كما مختـلف الجماعات أي ‘تمويل’ ‘عطايا’، ‘هبات’ ومساعدات’ خارجية ومحاكمة المتهمين بارتكاب هذا الفعل الاجرامي. (4) تـشـديد الـرقابة على تحركات وانشطة الاجانب اثر اعتقال ضابط مخابرات اسرئيلي يحمل جواز سفر أمريكي وسط القاهرة. تجليات القلق (تعبير دبلوماسي مهذب يعني الغضب) ادارة الرئيس اوباما كثيرة؛ فالمتحدثة باسم وزارة الخارجية فيكتوريا نولاند، قالت في مؤتمر صحافي ‘دعوني اقول اننا قلقون بشأن هذا الشكل من أشكال المعاداة للولايات المتحدة الذي تسلل الى الخطاب المصري العام’، وكانت آن باترسون سفيرة البيت الابيض الجديدة الى القاهرة قد ضاقت ذرعا بتجاهل الثوار المصريين لدور الادارة وخاصة رفضهم لقاء وزير الخارجية هيلاري كلينتون في ساحة التحرير. بشكل متناغم شن كتبة البيت الابيض حملة تحريض على المجلس العسكري المصري ورئيسه المشير طنطاوي حيث نشرت ذي وول ستريت جورنال في عددها الصادر 10 آب/اغسطس مقالا مطولا لـ يوروسلاف تروميفوف عنوانه ‘حكام مصر يؤججون الكراهية للاجانب’ وأرفقت المقالة بصورتين الاولى لرجال شرطة مصريين في وضع قتالي في احد شوارع القاهرة والثانية مقتبسة عن غلاف جريدة ‘اكتوبر’ المصرية لتدعم بالصورة وجهة نظر الكاتب المجبولة بالحقد والتحريض.

المساعدات الامريكية حقائق ووقائع لماذا طفح كيل أصحاب البيت البيضاوي هل هم حريصون كما يدعون على الديمقراطية وحقوق الانسان في مصر؟ لماذا اوكلوا حسني مبارك ثلاثة عقود ونيف حماية مصالحهم في مصر؟ ألم يعلموا ان الرعديد الذي جاء قاعة المحكمة محمولا على سرير متحرك وحكومته قد عاث في أرض مصر والعرب فسادا؟ أين هم الباعة المتجولين للديمقراطية وحقوق الانسان؟ ألم تسخر ادارات البيت الابيض ‘مساعداتها وهباتها’ لتنصيب وحماية ديتكاتوريات جاهلة وفاسدة في العالم العرب من مشرقه الى مغربه؟ ألم يتحول العراق بفضل ‘المساعدات’ الامريكية الى خرابة ومرتع للجريمة المنظمة والدولة الفاشلة؟ ألم يوصي الكونغرس الامريكي بتوجيه من الادارة بوقف فتات ‘المساعدات’ التي تقدمها الى السلطة الفلسطينية لأسباب لها علاقة باعتراف الامم المتحدة بالدولة الفلسطينية وكذا المصالحة بين حركتي حماس وفتح؟ ألم يكن الاباطرة العرب كلاب البيت الابيض الأقل احتراما والأقل هيبة لدى سادة البيت الابيض الذين انحازوا بفجور معيب لكيان الاحتلال الصهيوني المتغطرس؟. وحكومتها المتطرفة معلنا أن شراكة ادارته لاسرائيل أبدية لا تقبل الشراكة او المنافسة ولا القسمة. النصوص القانونية، ألقيم الحضارية والمعايير الاخلاقيةتجرم ديباجات النصوص القانونية والقضائية اي علاقة مادية او عينية؛ مباشرة او غير مباشرة، سرية أو علنية لمواطنيين يكلفون بالانتخاب السري او العلني مسؤولية عامة او ينتدبون عن طريق الاختيار والتعيين لأعمال وانشطة حكومية، انتاجية، اجتماعية أو انسانية تتطلب المهنية، المساواة، والتوازن من انشاء علاقات عامة أو خاصة تمس استقلالية وحيادية أدائهم وقراراتهم. وتحدث هذه النصوص القانونية والقضائية وفق متطلبات الزمن والاجيال والاحوال. ويساهم الافراد كما الجماعات المختلفة من منظمات المجتمع المحلي في الرقابة على تطبيق القوانيين وتعريض كل متهم لمساءلة مهنية وقضائية. الجرائم من هذا النوع والتي تعرف باساءة استخدام السلطة او المسؤولية او خرق القوانين ذات الصلة لا تموت بفعل الزمن او مستوى المنصب. نورد اختلاف المفاهيم والتقاليد واسلوب الحياة منظومة القيم والتقاليد العربية وخاصة المتصلة منها بتقديم او قبول ‘المساعدات’ لها جذورها التاريخية كما في المفاهيم والدينية كذلك في التقاليد والاعراف المتواثة على مر القرون. حسن استقبال الضيف واكرامه يعتبر لدى العرب واجبا يرقى الى درجة القدسية. أما بالنسبة للمواطن الانكليزي مثلا فان مفهوم ‘الكرم’ لا مكان له في قاموسه، لكن هذا لا يعني النقيض أي البخل كما يحسب من لم يطلعوا على القيم والتقاليد الانكليزية. ولعله ظلما ان ينعت مواطنو المملكة المتحدة بالبخل. اغاثة الملهوف ومساعدة المحتاج متجسدة بتفسيراتها وتجسيداتها العربية التي ربما يطبقها المواطن الانكليزي بطريقة مختلفة بل متناقضة. مفهوم ‘المساعدة’ جسدته الثورات العربية الحديثة كما اعادت تكرر تعميمه الدراما التلفزيونية ومسلسلاتها المختلفة. في مسلسل الدبور.

العلاقات الرسمالية في البلدان الصناعية جردت الانسان من قيمه الروحية، اخلاقه وانسانيته، لتستبدلها بقوانين كثيرة ومتشعبة أكبر واوسع من ان يدركها انسان بمفرده. يعاقب القانون دون رحمة كل من يخدش صنم القانون. فعلاقات صلة الرحم، علاقة الزوجية وطاعة الابن لأبويه وحق الجار على الجار وغيرها من قيم انسانية أرسل بها الرأسماليون ومشرعيهم الى مزبلة التاريخ. أخبرني صديق استاذ جامعي، مدير قسم يروج لـ’لسلام والمحبة’ بين الشعوب انه لم يشارك في جنازة والده الذي توفي في مدينة مجاورة. بشيء من الحسرة والندم المتأخرين برر صاحبي سبب تغيبه الى انشغاله بأمور العمل والدنيا. أما العمل كمصدر للرزق فقد قلبه الرأسماليون اداة لاستعباد الانسان، فالعامل او الموظف يحسب الف حساب لرب عمله ويخافه اكثر من خوفه من الخالق أو اية قوة اخرى، لأن فقدان الوظيفة أي البطالة تعني خسارة كل شيء. نمط العلاقات الرأسمالية يشتري الانسان ويقيده؛ برهن البيت، قسط السيارة، قسط أثاث المنزل، فاتورة الماء، الكهرباء، الغاز، الهاتف الثابت والنقال والانترنت وقبل جميع هؤلاء ضريبة البيت والدخل وبدل الاستهلاك، ضريبة سير السيارة على الطريق الخ الخ وبمجرد فقدان العمل او الوظيفة تذهب في لحظة واحدة كل حياة الرفاه والمكتسبات ليبقى الدين في عنق المستدين.

لهذه الاسباب وبلا تحيز، يتناول المواطن الانكليزي طعامه وشرابه منفردا متجاهلا ولو من باب المجاملة دعوة جليسه االذي يشاركه الطاولة. العكس صحيح، فأي دعوة مماثلة من مواطن عربي مثلا لمشاركته طعامه فإن الانكليزي ينكب على التهام طعام زميله الى آخره دون ان يفوته التأوه وترديد عبارات ‘آه ما ألذه’. مرد اللذة يكمن في تناول طعام بالمجان. في تجارب سابقة ادى كرم الفقراء من العرب اثناء استقبال ضيوفهم الانجليز الى استنتاجات خاطئة يقول صاحبها الانكليزي كيف تدعي الفقر وانت توزع الطعام والشراب بسخاء. قيم الديمقراطية وحقوق الانسان المسبوكة بقوالب الشفاه المنفرجة ( يحسبها الجاهل ابتسامة) التي تنتشر في الاسواق، الاماكن الخاصة والعامة وحتى على وجه المارة من النساء فجميهعا منحوتة في مجلس العموم ومكاتب وأرباب العمل بعبارات صارمة. في المملكة المتحدة تشرع (تتكاثر) القوانين بأضعاف سرعة تكاثر البشر. تزعم بعض المصادر بصدور قانون جديد كل دقيقة ويتولى القضاء حمايتها تحت طائلة العقاب وكذا قوانين المؤسسات المختلفة التي تجبر الافراد على تطبيقها بولاء مطلق. فالموظف او البائع يبسم للزبون لأغرائه اتمام صفقة التبادل. الطبيب او الممرضة في العيادة او المستشفى تلازم ‘البسمة’ محياهم لأنها من شروط الوظيفة. المساعدات الخارجية مصنع للفقر وللفساد.

تقسم المساعدات الخارجية بالنسبة الى المتلقي الى حكومية (عسكرية؛ اسلحة وادات قمع وقروض) وغير حكومية (هبات ومعونات وتدريب)، أما الجهات المانحة فمختلفة باختلاف الحكومات والمؤسسات المانحة واهمها حكومات الدول الكبرى التي يتفرع منها ويتبع لها المؤسسات الدولية، البنك الدولي وبناته، صناديق الامم المتحدة، وما يسمى بالمنظمات غير الحكومية التي تتلقى تمويلها وبرامجها في الغالب من وزارة الخارجية ومؤسسات صناعية، خدمية بدءا من التعليم والصحة وصولا الى ‘حقوق المرأة والطفل والانسان’. سنكتفي بالتوقف عند ما يسمى ببرامج صناديق الامم المتحد لتمويل البرامج الصغيرة التي يرقص على وقعها الجهلة والمنتفعين. من المعروف ان المشاريع الصغيرة التي يقل عدد العاملين فيها عن عشرة أشخاص تصنف ضمن ما يعرف بالاقتصاد الهامشي، كونها غير قابلة للتوسع او استخادم التقنيات العصرية. اما أرباحها فمحدودة في حين انها لا تعود بالنفع على الدولة لهامشية الضرائب المتحققة منها.. ان عائدات و خزينة الدولة تعتمد على الضرائب التي تدفعها المؤسسات الصناعية الكبيرة والعملاقة التي تحقق مردودا عاليا وارباحا وافرة. وهكذا مثلا فان الارباح السنوية للبنوك البريطانية ذات الانتشار العالمي يحقق كل منها أرباحا تتراوح بين 5 7 مليارات جنيه استرليني. الصناعات الحربية ارباحها خيالية وكذا صناعة السيارات الكترونيات، والزراعة. في المملكة المتحدة لا تجرؤ المنتوجات الزراعية المستوردة من البلدان الاوروبية على منافسة مثيلاتها المحلية كون البريطانية اغلى سعرا لكنها اكثر جودة وافضل نوعية.

مطلع سبعينات القرن الماضي دمرت نصائح البنك الدولي الصناعة والزراعة المصرية (ما عرف بحقبة الانفتاح واضاليل اقتصاد السوق). وكادت النصائح الخارجية ان تقنع المصريين بتدمير السد العالي كونه يشكل خطرا جيولوجيا مستقبليا. نصحت كافة شياطين الارض مؤسسات الدولة العربية بتخفيض الضرائب بل الغائها على البضائع المستوردة. النتيجة الماثلة مصر العظيمة تستورد القمح. في العراق عمدت قوات الغزو في نيسان/ابريل 2003 على وضع يدها على وزارة النفط العراقية في قلب بغداد، وتركت باقي الوزارات بما فيها المراكز الذرية وبنك البذور العراقي للغوغاء يعيثون فيه فسادا، ليكتشف الفلاح العراقي الخدعة الامريكية بعد فوات الاوان. اما كرامة المواطن العربي وقيمته فانحدرت الى الحضيض وبلغ الامر حد الترويج والاستعانة بكلمات انجليزية ليظهروا فصاحتهم. احدث ما ابتدعته عقول الممولين الخارجيين، تقديمهم التمويل الجزئي لمشاريع هي بالاساس هشة وهامشية، حيث يتعهد الممول تغطية نفقات البرنامج دون اجور ورواتب العاملين فيه. أي ان الممول يغطي نفقات المكاتب، الفرش، القرطاسية وغيرها مشترطا على الجمعية او المؤسسة المعنية تنفيذ المشروع تغطية اجور الموظفيين. هذا الواقع شجع الاحتيال، السرقة والفساد. فراح البعض يقدم المشروع لأكثر من جهة مانحة. أما فائدة الجهات المانحة فتتمثل في حصولها على معلومات دقيقة وتفصيلية عن الوضع الجغرافي، الديمغرافي، الاقتصادي، المالي والاجتماعي للبلد الذي يشكل مادة دسمة للمؤسسات الصناعة المتلهفة الى اسواق جديدة لبضائعها. في حالة اخرى تقدم جمعية سويدية مبلغ 10 15 ألف دولار سنويا لمنظمة اهلية في لبنان مقابل تولي الجمعية استقبال، ارشاد، تنظيم، مرافقة وتزويد الوفود ‘الانسانية’ السويدية القادمة الى لبنان. المساعدات الخارجية بكل أشكالها مهدت الطريق للفساد بدءا من مؤسسات الدولة وصولا الى اصغر مؤسسة. وقد اجادت الجهات الخارجية استغلال كفاءات وابداعات كثير من الشباب وأصحاب الكفاءات، وجعلت من العمل والانتاج عيبا ما بعده عيب، وقسمت الوظائف الى رفيعة ووضيعة. أما الذين يتحدثون عن منافع تلك المساعدات فانهم أما بسطاء وسذج لا يرون ولا يدركون حجم الفخ المنصوب لهم أو انهم قلة امتهنت التسول ولا يغرنك ربطات عنقهم وكلماتهم المنمقة. لقد كادت المساعدات الخارجية ان تذهب بهيبة وكرامة الشعوب العربية التي استفاقت بعد عقود اعتقد الفاسدون المحليون واللصوص الدوليون ان هذه الشعوب قد اعتادت الذل والهوان والتبعية، فجاءتهم الصفعة من حيث لا يدرون فاقعدتهم وراحوا ينتقلون من والى المحاكم على اسرة متحركة.’ باحث فلسطيني يقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية