التأزيم الداخلي في الأردن، لماذا؟

حجم الخط
0

د. لؤي منور الريماوي التعطش الشعبي الأردني لممارسة العمل الوطني وبشكل علني هو أمر واضح وجلّي خاصة بعد عقود من الكبت والتضييق على المواطن الأردني في حرية إعتقاداته السياسية.

الذي يحصل في العالم العربي هو فعلاً زلزال سياسي غير مسبوق هز وبشكل مفاجئ كل القيم الامنية المغلوطة والتي فشلت في التعامل مع المواطن العربي من زاوية العقل والمحاججة المنطقية ووضع كل المعلومات أمام هذا المواطن ليكون سيد الموقف. فالأردن يمر بمراجعة صادقة للعديد من الملفات والمطالب الشعبية للنهوض بالبلد والمواطن إلى المستوى الحضاري المطلوب. وبالفعل لقد شاهدنا الحراك الشعبي منذ بدايته وكيف عبّر الكثير من المواطنين بتلقائية عن القيم الأردنية المتمثلة برفض الفساد والمفسدين وضرورة خلق توازن فعلي بين السلطات ضمن مظلة القانون.

بالتأكيد انها مسألة طبيعية أن يكون هناك تفاوت في قراءة الاحداث ما بين العقل البيروقراطي الاردني والحراك الشعبي حيث تتفاوت وبشكل كبير سرعة المطالب الاصلاحية من حيث ارتفاع سقفها. ولكن هذا التفاوت ليس مبرراً أبداً للشعور بالاحباط. وبالفعل من يتابع الانفتاح الاعلامي الداخلي الأردني يلاحظ سقفاً عالياً جداً للحريات الاعلامية والتي هي الآن تضاهي، إن لم تتجاوز حتى، سقف الحريات الاعلامية في كبريات الديمقراطيات الغربية. فزمن تدخل المسؤول الحكومي وتهديده ووعيده ضد الصحافة الأردنية وبخاصة الالكترونية قد ولّى وبغير رجعة. فالذي يحدث في الأردن ليس ‘تخديراً’ او ‘صبراً’ حتى تنقشع العاصفة الشعبية، بل هو ادراك ومن أعلى المستويات بأن المنطقة كلها قد تغيرت.

ففي ظل هذه الإيجابية التي تتطرأ على الأردن والتي يلاحظها المواطن الآن، لماذا نجد هذه المحاولات لتأزيم الشارع الأردني وبشكل مفتعل؟ فحسن النية موجودة الآن ومن كل الجهات في الرغبة لاحراز إصلاحات حقيقية.

ومن هنا فإننا نؤكد بأنه لا يستطيع فرد أو جهة أو حزب أن يدعي تمثيله للشارع الأردني في مطالبه الوطنية. فهذا الحراك الشعبي الأردني هو ملك لكل الأردنيين وهو تعبير عن وحدتهم الوطنية ورؤيتهم المستقبلية. ومن جانب آخر فالمواطن الأردني والاغلبية الصامتة ليسوا ‘بالايتام’ وهم ليسوا بحاجة الى أوصياء يختطفون مطالبهم الشعبية من خلال هذا الحزب أو تلك الجهة والتي تدعي مراراً بانها تتحدث باسم الأردنيين في محاولة لخلق تصادم ليس موجوداً.

فالعملية الاصلاحية ليست عملية ‘عبثية’هدفها إبقاء ماكينة الشعارات إلى مالا نهاية والاستمرار بدفع سقف المطالب الشعبية في ظل انعدام منهجية التقييم الموضوعي واستيعاب ما جرى وذلك للارتقاء بمستوى الانجاز فيما يصب لصالح الوطن والمواطن. وكذلك فإن الاصلاح ليس بعبارات إنشائية وتسجيل مواقف على حساب سمعة الأردن الوطنية سواء داخلياً ام خارجياً. فالارتقاء بالجهاز الامني الأردني هو ضرورة وطنية لا بد منها وهو مطلب جماهيري وذلك لفصل الصلاحيات السياسية عن الامنية البحتة. بالتأكيد حصلت أخطاء كبيرة في هذا الشأن لا بد من الوقوف عندها واستخلاص اللازم من العبر وذلك ضمن حوار حضاري مسؤول هدفه أولاً وأخيراً مصلحة الوطن والمواطن. ولكن ان يتم التشهير بأجهزتنا الامنية الاردنية ووصفها باحتوائها الجواسيس فهذا أمر مرفوض جملة وتفصيلاً لا سيما ان مثل هذه الاتهامات الباطلة تجانب الصواب في ظل العمل الوطني الذي تقوم به أجهزتنا الامنية في حماية أمن المواطن الاردني. فالأجهزة الامنية الأردنية وغيرها تحارب الارهاب الدولي باسم الاسلام، والذي كما يعرف الجميع شوه صورة الاسلام الحنيف وخلق لهذه الامة الملايين من الأعداء وعزز مكانة اليمين الاوروبي بشكل لم يأمل بتحقيقه الاعداء لهذا الدين المتسامي في تسامحه ورحمته ورسالته الشمولية والتي عنوانها المجادلة بالتي هي أحسن.

ثم هل فعلاً وصلت الامور في الاردن إلى طريق مسدود والرحلة الاصلاحية الأردنية ما زالت في أولها؟ بالتأكيد سيكون هناك اختلاف في وجهات النظر في الاهمية السياسية والامنية والاجرائية فيما يتعلق ببعض التعديلات المقترحة مثل المساواة المطلقة امام الدستور الاردني وآلية تعيين وديمومة ومن هو الذي يحق له الطعن أمام المحكمة الدستورية المزمع إنشاؤها. اضافة الى آلية محاسبة الوزراء من حيث وجود دور برلماني في هذه المحاسبة أم ان هذه مسألة يجب ان تخضع للادعاء العام الأردني وبخاصة في المسائل الاجرامية وغيرها. كذلك هو شيء طبيعي في ظل الذي كان سائداً في المنطقة العربية أن يكون هنالك اختلاف في كيفية التعامل مع تشكيل الحكومات الاردنية الجديدة من حيث تعيين الملك لرئيس الاغلبية البرلمانية لتشكيل الحكومة بشكل عرفي دستوري أو من خلال نص صريح في الدستور خاصة وان هذه المسألة كانت قد مورســت ضمن الخمســينيات في ظل تجربة الاردن الديمـقراطية آنذاك بشـكل عرفي دستوري ولم تثر أية مشكلة.

من جانب آخر هناك فعلاً اعتبارات سياسية على المشهد التشريعي من حيث التطور التدريجي للوصول الى حالة من المد الديمقراطي الأردني والذي هو بحاجة الى بعض الوقت، لا سيما وأن الطريق الديمقراطي الأردني هي في بدايته وأن هناك ارادة سياسية لا تقبل التشكيك بأن الاستمرار بهذه العملية هي مسألة حتمية لا رحعة عنها. أما بالنسبة لعملية مكافحة الفساد في الأردن فهي مسألة ستيم التعامل معها وبمنتهى الجدية خاصة انه لا بد من إشهار الذمم المالية لكافة المسؤولين الاردنيين. فهذه مسألة لم يتم البحث فيها بعد ولا شك أنه مستقبلاً سيكون دور كبير للأجهزة الأمنية الأردنية في متابعة وملاحقة من تطاولوا على المال العام الأردني ضمن تشريعات برلمانية لاحقة تعالج وبشكل موضوعي آلية تتبع ورصد حالات التجاوز وما يتبعه من ملاحقات قانونية داخلية وخارجية ضمن منهجية منضبطة.

ففي ظل ما تقدم لا نقبل ان تكون محاولاتنا الجادة للنهوض بالاردن محلاً للتشكيك أو لاختطاف سياسي لغايات تعبئة الشارع.

فالأردن ليس ضعيفاً حتى يتوهم للبعض انها الان لحظتهم المناسبة للإنقضاض على النظام السياسي.

فتمسك الأغلبية الصامتة بالوحدة الوطنية الاردنية والمنهجية الهادئة لتحقيق الاصلاح الهادف من غير التشهير والاتهام ضمن الحوار الموضوعي الذي لا سقف له هو ما يميّز الأردن الآن ويبشر بالخير على المدى البعيد.

و لعل هذا حقيقة هو ما يقلق بعض الاحزاب والتي تغّذت على اخطاء النظام حيث ان وجودها الشعبي كان مرهوناً باختلاق الازمات من خلال تأجيج الشارع وحرب الشعارات وإسقاط الاتهامات والتي تجاوزها شباب هذه الامة بنظرتهم الشمولية والتي يعززها الثقة بالنفس والاعتدال واحترام معتقدات الجميع والوسطية كوسيلة لتحقيق النهوض الوطني من غير تطرف او انفعالية عاطفية مرفوضة في التعامل مع الحدث او انعزالية عن الفكر الحضاري العالمي.’ محاضر أردني زائر في جامعة كامبريدج ورئيس برنامج الماجستير في القانون المالي الإسلامي في جامعة BPP/ لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية