أمريكا على طريق الانحدار

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي

ليس جديدا الحديث عن سقوط الولايات المتحدة، او تداعيها كقوة تحتل المرتبة الاولى في العالم من حيث القدرات العسكرية، أو أفول نجم الصقر الامريكي، فما اكثر المقالات التي كتبت في هذا المضمار في السنوات الاخيرة. ولكن ربما الجديد حدوث تطورات محلية ودولية تشير بوضوح الى تراجع النفوذ الامريكي في العالم من جهة وتفاقم المشاكل المحلية من جانب آخر. ومع تعدد التنبؤات بهذا التراجع، تعددت كذلك اسبابه ومصاديقه، وفقا لنظرة كاتب المقال او البحث. كما تفاوتت المقاييس الزمنية لهذا التداعي ومدى ما وصلت اليه امريكا اليوم في مسلسل التداعي. بل ربما اختلف الكتاب حول تاريخ صعود النجم الامريكي وظهوره كقوة دولية كبرى. أيا كان الامر فالامر الذي لا جدال فيه ان هناك هاجسا لدى الغربيين بحتمية حدوث ذلك، وفقا لما يعتقدونه حول وجود دورات انسانية سياسية تصعد الحضارات بموجبها وتهبط، وهي دورات تتفاوت في العمر الزمني، ولكنها حتمية الحدوث. في 6 آب/اغسطس كتب المفكر الامريكي، ناعوم تشومسكي، مقالا بعنوان ‘امريكا في انحدار America in Decline’، لخص فيه مصاديق هذا التراجع واسبابه. وانطلق في تحليله من حالة الصراع السياسي والاقتصادي الدائر في كواليس الكونغرس والبيت الابيض، على اسس عديدة، من مظاهرها الاختلاف على سقف الدين الامريكي المسموح به. وقد تمخض هذا الصراع والمماحكة عن اقرار صعود ذلك السقف من 14.3 تريليون (ألف مليار) دولار الى 16.4 تريليون. ولكن السجال الدائر لا ينحصر بظاهرة الديون فحسب. بل ان تشومسكي يعتقد ان المشكلة الاساسية تكمن في عدد من الحقائق: اولها ان هناك اقلية من اصحاب رؤوس الاموال اصبحت تتحكم في السياسة الامريكية، وان شركات التصنيع العملاقة تهيمن على التشريعات الصادرة عن الكونغرس من خلال تمويلها الحملات الانتخابية للاعضاء، هو تمويل مشروط بـ ‘مراعاة’ مصالح تلك الشركات. ثانيها: ان الفجوة بين الاغنياء والفقراء توسعت كثيرا، وان السياسات الرسمية للحزبين الرئيسيين، نتيجة الهيمنة السياسية للشركات العملاقة، اصبحت اكثر ميلا لليمين، في مقابل معاناة الشعب من جهة ومواقفه ازاء القضايا الكبرى موضع النقاش ومنها قضايا البيئة والرعاية الصحية والحرب والدفاع. ثالثها: الصمت الذي تلتزم به الاغلبية: ‘بتمزيق بقايا الديمقراطية السياسية، فان المؤسسات المالية تضع الاسس لاستمرار العملية (الهيمنة وتوجيه السياسات)، طالما رضي الضحايا بالمعاناة في صمت’. في ضوء هذه الحقائق، يرى تشومسكي، ان التداعي مستمر، منذ ان بلغ النفوذ الامريكي ذروته خلال الحرب العالمية الثانية.

هذه المعالجة لظاهرة القوة الامريكية تكررت في كتابات تشومسكي، ولكنها لم تنحصر به. فقد كتب الدكتور جياكومو تشيوزا، الباحث بجامعة بيركلي بكاليفورنيا مقالا في العدد الحالي من دورية ‘العلوم السياسية’ قال فيه: لقد اصبح موضوعا عاما ان الولايات المتحدة التي كانت تعتبر حتى سنوات قليلة مضت عملاقة بلا منازع اصبحت تتداعى وتنتظر حتمية الانهيار النهائي’. هذه النظرة لمستقبل القوة العملاقة التي كانت القطب الاوحد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي قبل عشرين عاما، اصبحت موضوعا لسجال المثقفين والكتاب الغربيين، خصوصا بعد بروز ازمة الديون الاخيرة الى العلن عندما تحولت الى عنوان للشد والجذب بين الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس. ثم جاءت اعادة تصنيف الولايات المتحدة من قبل احدى الشركات المختصة بالتقييم المالي للدول ليضيف الى النظرة المتشائمة ازاء مستقبل الدولة الكبرى. ففي 5 آب/اغسطس خفضت وكالة ‘ستاندارد اند بور’ درجة الولايات المتحدة في التصنيف الائتماني من AAA الى +AA على خلفية احتدام قضية الدين الحكومي، وذلك لاول مرة في التاريخ. وبرغم ان هذه الخطوة كانت متوقعة، الا انها احدثت ارتجاجا كبيرا في الاسواق المالية وادت الى اضطرابات وانذارات جديدة بحتمية حدوث فترة كساد جديدة في العالم الغربي بشكل خاص. واذا كان الرئيس الامريكي السابق، جورج بوش، قد أشغل الشعب الامريكي بالحروب وساهم بالتالي في تفاقم الديون الامريكية، فان باراك اوباما ورث من سلفه تركة كبيرة تتجاوز في حجمها قدرته على اصلاح الفساد. وكان اوباما في بداية عهده قد عرف بتكراره كلمة ‘نحن نستطيع’ للتدليل على قدرة ادارته على حل كافة المشاكل التي تعترض الولايات المتحدة، ولكن هذه العبارة اصبحت موضع تهكم في الشهور الاخيرة بعد ان اتضح فشل السياسات الامريكية على كافة الصعدان: افغانستان، العراق، الحرب ضد الارهاب، العلاقات مع اوروبا، سياسة امريكا من قضايا البيئة، الموقف من الثورات العربية. وما تزال الانتقادات توجه لادارة اوباما بشأن الاصلاحات في نظام الرعاية الصحية التي تكلف الخزينة الفيدرالية بشكل باهظ، ولا تقدم الخدمات المطلوبة، برغم ان المشروع كان قد تم تسويقه على نطاق واسع على انه يعيد التوازن لصالح الاغلبية المسحوقة، وان من بين معارضيه كانت شركات الادوية والمجموعات الضاغطة للشركات المالية العملاقة. وبالاضافة لذلك، هناك التوجه الدولي لترك التعامل بالدولار، والبحث عن عملة دولية اخرى بديلة. هذا ما تطرحه الصين التي يشهد اقتصادها توسعا وفائضا تجاريا ضخما في مقابل العجز الكبير في الميزان التجاري الامريكي. هنالك ما يشبه الاجماع على ان النجم الامريكي ظهر بقوة ابان الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد بعد الهجوم الياباني على ‘بيرل هاربر’. ومع ان الدور الامريكي في تلك الحرب كان دفاعيا، الا انه كان بداية العصر الامريكي في العالم على نطاق واسع. والمعروف ان اغلب العمليات الهجومية ضد الجيش الالماني خلال تلك الحرب قامت به القوات السوفييتية التي تكبدات اكبر الخسائر، الا ان استدراج امريكا الى الحرب فتح الباب امام الدور الدولي لها. ويرى الكثيرون ان ذلك الصعود كان ذروة العصر الامريكي، وان الحرب الباردة التي اعقبت الحرب واستمرت اربعين عاما حتى سقوط الاتحاد السوفييتي في 1991، أضعفت الجانبين، برغم سباق التسلح بينهما. وخلال تلك الحقبة كان الاتحاد السوفييتي يخشى من ‘الضربة الاستباقية الاولى’ من جانب الولايات المتحدة، بعد ان بلغ السباق النووي ذروته. لقد كانت فترة جنونية في التاريخ الانساني، تم خلالها تصنيع الرؤوس النووية وما تحتاجه من صواريخ بالستية عابرة للقارات. وفي السنوات الاخيرة اتفق الجانبان (امريكا وروسيا) على خفض الرؤوس النووية والصواريخ كخطوات تهدف لتخفيف احتمالات المواجهة، وجعل العالم أكثر أمنا. تلك الحرب الباردة كانت سببا لتراجع قوة الطرفين. فقد تورط الاتحاد السوفييتي في افغانستان، ودخل في حرب مع المجاهدين اجهدته كثيرا. وما ان انسحب في 1989 حتى كان ذلك الكيان العملاق منخورا في داخله بسبب المشاكل الاقتصادية الكبيرة، الامر الذي أدى الى تمزق الاتحاد السوفييتي واستقلال كافة جمهورياته عنه. هذا الدرس السوفييتي ليس بعيدا عن الولايات المتحدة التي انفقت كثيرا على مشاريع التسلح خلال الحرب الباردة، واستمرت في سياسات الهيمنة بدون توقف. وبرغم ظهور مؤشرات كثيرة على حتمية سقوط الولايات المتحدة كقوة عملاقة لا توازيها قوة اخرى، فما تزال تتصرف وكأن شيئا لم يحدث. وما يزال مسؤولو البيت الابيض يتعاملون مع العالم من المنطق نفسه، برغم تراجع القوة الاقتصادية وتصاعد الديون وبداية التداعي الداخلي نتيجة هذه العوامل مجتمعة. ويرى الكاتب البريطاني ‘ويليام ريس موج’ رئيس تحرير صحيفة ‘التايمز’ سابقا في مقال نشره في 4 آب/اغسطس بعنوان: (الصعود السريع والسقوط الاسرع للامبراطورية الامريكية) ‘في 2011 نرى وضعا مختلفا عما كان عليه في الثلاثينات. ففي 1931 كانت بريطانيا هي القوة المنهارة، بينما كانت الولايات المتحدة هي القوة الصاعدة. الآن، في فترة الكساد الكبير من عصرنا، اصبحت الولايات المتحدة هي القوة المنهارة، بينما تتنامى قوة الصين في مجالات الثروة والقوة والقيادة’. ولا يعتبر ان شيوعية النظام الصيني ستكون معوقا لذلك الصعود لان الشيوعية في الصين ‘تم تعديلها بكونوفوشية الصين التي هي في جوهرها عقيدة محافظة’. كاتب المقال قارن بين الامبراطورية البريطانية التي استمر نفوذها 225 سنة، والعصر الامريكي الذي لم يتجاوز 79 عاما، ليصل الى استنتاج بان الحضارات الحديثة لا تعمر طويلا.

هذه التنبؤات باقتراب العصر الامريكي من النهاية لا تعتقد ان اوروبا ستكون القوة البديلة للولايات المتحدة، برغم ما يبدو من تقارب دولها وعملها كفريق واحد ضمن الاتحاد الاوروبي. وعلى العكس من ذلك فان هناك نظرة اخرى تقول بان اوروبا بلغت ذروة قوتها وانها في حالة انحدار متواصلة. فان ما حدث في بريطانيا كان دعوة استيقاظ للجميع اذ كشف ان هذه المجتمعات تحمل تناقضاتها داخلها، ولن تستطيع تجاوز آثار ذلك التناقض وتبعاته ما لم يحدث تغيير ليس في السياسات فحسب، بل في التصورات والفرضيات التي توجه الزعماء السياسيين وتملي عليهم السياسات التي ما برحت خاطئة، وغير واقعية. واذا كان رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، قد تعاطى مع ما جرى بعقلية دفعته للتشديد على تطبيق القانون بصرامة، فانه قد جانب الحقيقة وأخطأ التشخيص والعلاج، ولم يجشم نفسه عناء البحث عن الاسباب الاجتماعية لما جرى. ولا بد من الاشارة الى ان ما جرى في بريطانيا دفع بعض الكتاب لطرح نظرة اخرى لمستقبل اوروبا. ففي 17 آب/اغسطس نشر المؤرخ الالماني والمعلق السياسي، وولتر لاكويور، مقالا في مجلة ‘ناشيونال انترست’ الامريكية بعنوان: ‘موت أوروبا البطيء’ ناقش فيه اسباب نجاح اوروبا في الماضي وما يعتقده من تراجع في الوقت الحاضر. ويقول ان اوروبا ‘استفادت من رعب الحربين العالميتين، والديكتاتورية وتجربة الفاشية والشيوعية، وفوق ذلك كله، الشعور بهوية اوروبية وقيم مشتركة’. وقال ان المشكلة بدأت عندما تصاعدت الديون السيادية بشكل مرعب، وانها تكمن ايضا في العملة المشتركة والقضايا الاقتصادية الاخرى. ويقول: ‘ان من الخطأ الاعتقاد بامكان تشكيل تحالف اقتصادي في غياب تحالف سياسي’. هذه النظرة للوضع الاستراتيجي الغربي لا تترك مجالا للشك في حتمية حدوث تغييرات جوهرية في التوازن الدولي الذي تمخض بعد الحرب العالمية الثانية. وكان ثمة اعتقاد بان سقوط الاتحاد السوفييتي لا بد ان يعقبه سقوط منافسه، الولايات المتحدة. ولكن بروز اوروبا كقوة موحدة توسعت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي بضم جمهوريات اوروبا الشرقية، ربما اقنع البعض بان لدى اوروبا الموحدة قدرة على سد الفراغ الذي سيتركه التراجع الامريكي. غير ان اوروبا تحمل تناقضاتها في داخلها. وبرغم الوحدة الاوروبية التي قطعت شوطا طويلا في التعاون، فما يزال هناك اهتمام محلي بمسائل الهوية والانتماء، وهي مسائل تنطوي على شعور بانعدام الامن وضعف سلطة القانون، الامر الذي ادى الى ما شهدته شوارع بريطانيا واليونان وفرنسا من اضطرابات ما تزال تفسيراتها تستعصي على فهم النخب السياسية والاعلامية. كما ان أزمة الاقتصادات الاوربية وتداعي ‘اليورو’ وغموض مستقبله، عوامل ضعف للموقع الاوروبي في الخريطة الاستراتيجية الدولية.

الولايات المتحدة الامريكية، من جانبها، اصبحت مصدر قلق للجميع، ويمكن القول انه لم تكن هناك قوة سياسية او عسكرية او حضارة سابقة حظيت باجماع العالم على رفضها اخلاقيا وسياسيا كما هو الحال مع الولايات المتحدة. ولذلك فهناك خشية كبرى من ردة فعل ‘العفريت الجريح’ الذي يزداد هيجانه وضرره اذا تعرض لجراح نازفة. والواضح ان الادارات الامريكية لم تعد متناغمة مع الشعب الامريكي وتطلعاته. هذا الشعب لا يرى في الانفاق العسكري كما هو عليه الحال في الوقت الحاضر، سياسة حكيمة، ويفضل ان تقلص تلك النفقات وتوجه لحل المشاكل الآنية المستعصية كالبطالة والرعاية الصحية والامن الاجتماعي والتعليم. ومن المؤكد ان الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي شهدتها بعض الدول خصوصا بريطانيا سوف تلقي بظلالها الثقيلة على التخطيط الاستراتيجي والنظرات المستقبلية لمن يستشرف مستقبل العالم الغربي. وكانت امريكا قد شهدت حوادث مشابهة في السابق، وليس مستبعدا تكرر المشاهد مستقبلا. أيا كان الامر فان الحديث عن انتهاء العصر الامريكي ليس ضربا من الخيال او التمنيات المستحيلة، بل اصبح حديثا يتداوله المفكرون منطلقين من وقائع ميدانية متكررة. وبرغم ما يبدو من دور يبدو حتميا للولايات المتحدة في قلب طاولة الثورات العربية والتدخل السافر لتحديد نتائجها وهوية انظمة الحكم المستقبلية، فان هذا الدور الآني لا يلغي القول بتراجع الولايات المتحدة من موقعها كقوة عملاقة، لانه دور غير مضمون النتائج خصوصا لارتباطه بقوى اقليمية اكثر استبدادا وتخلفا ورجعية، بل انه يعكس ضعفا امريكيا وليس قوة. وبذلك لم يعد السؤال هنا عما اذا كان هذا التداعي سيحدث بل متى سيحدث؟ وكيف؟ وما مداه؟ وما هي انعكاساته على التوازن الدولي؟ الامر المؤكد ان الدموع التي ستذرف على السقوط الامريكي لن تكون غزيرة، لان عيون البشر قد جفت مآقيها من البكاء على ضحايا الغطرسة الامريكية التي لم يشهد العالم لها مثيلا. كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية